خرجتُ من الفيس. أغلقت الموبايل. قلتُ بصوتٍ مرتفع: اعمليلي قهوة ورجعيلي سجايري، أنا ماني عبد عندك. سمعتُ ضحكتها. قالت من دون أن تتوقف عن الضحك: بنصحك تكون عبد عندي أنا. أنا أرحم من غيري بكتير. مين غيرك؟ سألتُ. قالت: لا تعمل حالك غشيم. قلت في نفسي: لا حولَ ولا قوّة إلا بالله! قالت من بعيد: سمعتك. رحت أسأل نفسي: من وين إجتني هالمصيبة؟ قالت: كمان سمعتك. قلت في نفسي أيضاً: أحاول أن أنام. قالت: لا تنام. هذه البنت تعلمُ الغيبَ أم ماذا؟ قالت: عم أعملّك زهورات. قلت: ما بحبها. قالت: مو على كيفك. بعدين مو أنا ماما؟ بدك تسمع كلمة الماما. طمرتُ رأسي تحت اللحاف. وأغفيتُ سريعاً. كانت إغفاءةً قصيرةً على نحوٍ غريب. لعلّها لم تدم أكثر من دقيقةٍ، أو بعضٍ من دقيقة. قالوا كم لبثنا. إنها تأثيرات المرض دون شك. ومن تأثيرات المرض أيضاً: فقدانُ الإحساس بالمحيط. مَنْ هذه البنتُ تكون؟ أم إنني صعدت إلى السماء وصرت في مواجهة الملائكة؟ من أنتِ؟ كدتُ أسألها. كانت ملاكاً على هيئة أنثى. امرأةٌ صغيرةٌ تفيض عافيةً ومَلاحةً. يا الله!! إنها هناء.قالت لي:متى ستأتي؟. اشتقت إليك ، اشتقت إليك كثيراَ، وطال إليك انتظاري! قلت لها: أنا قادمٌ يا هناء! أنا قادم. أرجوك يا ألاّ تملّي الانتظار، أعرف أني تأخرت. سامحيني يا هناء!! - هل سببت لك العذاب؟ هل سوف تظل تتعذب؟ - من أنتِ يا هناء؟ - أنا حمامةُ الأيكِ. – بل غصّةُ العُمرِ أنتِ.. وفتحتُ عينيَّ. كم لبثنا؟ رفعتُ عن رأسي الغطاء وكنت أتعرق.رأيتها تقف على بعد خطوةٍ من السرير أو نصف خطوة. سألتني بصوتٍ يفيض بالندم: صحّيتك؟ قلت: لأ ما صحّيتيني، ما بعرف ليش صحيت، ولا بعرف كيف نمت.كانت ترتدي واحدةً من بيجاماتي الشتوية السميكة، ولكنها كانت بيجامةً مكويّة، وأنا شأني شأن غالبية الرجال العازبين لا أكوي البيجامات.وحدها الملابس الخارجية أرسلها إلى المصبغة. كانت ترتدي بيجامتي السماوية المفضلة لديّ.وكان هذا اللون يليق بها تماماً.كان وجهها وضّاءاً، وكانت عيناها أكثرَ بريقاً من أيّ وقتٍ مضى، وشعرهُا الثقيلُ أيضاً كان أكثر غزارةً من أي وقتٍ مضى. كانت تقف حاملةً صينيةً صغيرةً عليها كأسان زجاجيتان يتصاعد منهما البخار. اعتدلتُ في رقدتي بأمرٍ من بريق عينيها. الطلب في تينك العينين واضح. تريد البنت أن تجلس متربعةً قبالتي على السرير كما فعلنا مع الشوربة. وهذا ما كان.قالت لي: كنتَ عم تحلم. – لا أعرف كيف دخلتُ في الغفوة. - كنتَ تتحدث إلى إحدى النساء. – حقاً؟ - نعم، أظن ذلك،امرأة ربما كان اسمها هناء.- ربما! لا أتذكر هذا الحلم.- لماذا تهرب دائماً عند الحديث عن النساء في حياتك؟- لا ، إنني لا أهرب.على أية حال، هناء لم تكن من نساء حياتي. – من هي إذن؟ حدثني عنها. قلت لها بعدما تناولتُ رشفةً من الزهورات الساخنة: لا أحبّ هذا الدواء.قالت: رجعتَ تهرب.- سوف أحدثك عن هناء. هذا وعد، ولكن ليس الآن.- متى إذن؟ - في وقت آخر. – يا سلام! هل تضحك عليّ؟ في وقتٍ آخر!! قد يكون هذا الوقت الآخر بعد سنة أو حتى سنتين، أليس كذلك؟ - لا، بل سوف يكون قريباً جداً. – اليوم. – حاضر، اليوم، بشرط أن تعفيني من تناول هذا الدواء. ضحكتْ. قلتُ لها: "عال! هذا يعني أنّ مزاجك رائق. إذن اسمعيني، ولكن اسمعيني للنهاية قبل أن تنطقي بأيّ حرف، اتفقنا؟ – أومأتْ بعينيها الحلوتين أن نعم. – ممتاز. أعود إلى موضوع النقود.أنا أملك حساباً بالبنك، وأنا أريد أن تشاركيني هذا الحساب. وأنا أيضاً لا أقوم بهذه الخطوة من أجلك أنت، بل من أجل نفسي. هل سبق أن كان لك حسابٌ في البنك ذاتَ يوم؟ -أومأتْ بهزة بالكاد مرئية من رأسها أن لا.- الأمر بسيط. ثمة شيء في نظام البنوك اسمه: حساب مشترك.وهذا ما سوف نفعله أنا وأنت. تصيرين شريكتي في هذا الحساب. ويصير من حقك أن تتصرفي بالمبلغ الموجود لديهم بكل بساطة، ومن دون أية مساء لة من أية جهة. من المؤكد أنك تسألين نفسك: لماذا؟ الجواب على لماذا هذه سهل. إنني سوف أعتمد عليك في اللحظة التي لا تتكرر في عمر الإنسان مرتين. " وكان عليّ ألاّ أصمت بعد تلك المقدمة التي بدتْ مقنعةً إلى الآن. صمتيَ المفاجىءُ منحَ الصبيّةَ فسحةً من الوقت للتفكير المضني. لقد بان ذلك في عينيها اللتين لم تعودا صافيتين تماماً. ظلّتْ تحدق في عينيّ راجيةً ألاّ أنطق تلك الكلمة التي لم أستطع النطق بها بتلك البساطة التي ميّزتِ المقدمةَ المقنعة. ولكنْ لا بدّ مما ليس منه بدّ. قلت مرةً واحدة كمن يرمي عن كاهله عبئاً ثقيلاً: " القبر." هبطَ على البنت صمتٌ ثقيلٌ مرّةً واحدة. أظنها أصيبت بالبكم. هكذا بدتْ لي تلك اللحظة. ظلّت تحدق بي. كانت تفعل ذلك بثباتٍ عجيب، لدرجة أني لم أعد قادراً على الاستمرار بالنظر في عينيها. تشاغلتُ عن عناد نظرتها بشرب الزهورات التي أكرهها. وعندما استنفدتُ وسيلتي هذه للهروب من المواجهة معها، ورجعتُ إلى لقاء العين بالعين وجدتُ النظرةَ ذاتَها جاهزة ًفي استقبالي. لعلّها كانت بتلك النظرة تقول لي: أنا أحميك من الموت، فلا حاجة بك إلى القبر. شبابي الفوّارُ كفيلٌ بتوفير الأمن و الحماية من كل سوء ينتظرنا نحن الاثنين. تعال نتشارك في هذا وليس في حسابك البنكيّ، فهذا أمرٌ جدير بالمشاركة، وربما كان الأمرَ الوحيدَ الجدير بذلك. قلت قافزاً فوق جميع ما قرأت من أفكارٍ في العينين الوسيعتين: لم يبقَ لي في هذا العالم أحدٌ سواكِ يا رشا. الجميع رحل. وبقيتُ مثلَ السيف فردا.كلماتٌ شهيرةٌ غنتها السيدةُ فيروز، ولكنني في الحقيقة لا أعرف قائلها. كنت كمن يستجدي الموافقة على طلب القبر المفاجىء. كنت كمن يستجدي ليس تعاطفاً، بل عطفاً. ولكنّ هذه الطاغيةَ الصغيرةَ التي تقابلني لا تعرف الشفقة. لا وجود لكلمةٍ كهذه في قاموس شبابها العامر بمفردات الحياة الفائرة. لم يكن قد تغير في نظرتها إليّ شيء. كانت كمن يردّ على ما أفكّر به حول قاموس مفرداتها. نعم، الحياة، وليس الموت. ومضيتُ أتوسلُها وأنا أفقدُ أسلحتي واحداً بعد آخر: بالأمس يا رشا. بالأمس في قلب الليل احتلني الرعبُ من خشية أن أفقد حقي في العدالة التي كنت قد فقدتها في الحياة، فليس عدلاً أن أفقدها في الموت أيضاً. تصورت أنني مائتٌ بلا ريب، وبأنّ أحداً لن يعلم بموتي قبل عودة صديقي من السفر بعد شهرٍ وأربعة أيام. ماذا كان يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة الطويلة؟ فهل أذهب للقاء ربي متحللاً؟.ألا تكفيني الذنوب التي اقترفتها في حياتي؟ ألن يكون هذا التحلل اعترافاً بذنب الموت وحيدا مثل ذلك السيف فردا؟ فأنا سيفٌ مثلومٌ يا رشا. لم أعد صالحاً لغير الانصهار في الفرن المعدني، فأعودَ مادةً خاماً تحتاج إلى تصنيعٍ من جديد. هل تدركين ما أقول؟ هل تشعرين بجسامة الذنب الذي أرتكب؟أليس هذا الذنب وحدَه كفيلٌ بإلقائي إلى العذاب خالداً فيه خلودَ العذاب نفسه؟ ولكن هل تعرفين طبيعة ذلك العذاب الذي أخشى؟ أخشى أنني لن أعثر في الموت على راحتي. أخشى أنني لن أكون قادراً في الموت على أن أنام لو كنت متحللاً. لكِ أنْ تتصوري حجم ما سوف ألاقي من جحيم عندئذٍ. هل تدركين الآن حاجتي إلى القبر يا رشا؟ القبر مكان تتحقق فيه العدالة. بل هو المكان الوحيد الذي تنسجم فيه العدالةُ مع نفسها، فلا تميّز بين قتيلٍ وبين قاتله، أو بين جلّادٍ وبين ضحيته. لا تقولي لي إنك قد قرأتِ هذا الكلام في إحدى رواياتي من قبل، فأنا أعرف أنك لم تقرئي شيئاً من تلك الروايات. لم أسمعك يوماً تأتين على سيرتها، ولو من بعيد. سمعتك تتحدثين عن مسلسلاتي التلفزيونية كثيراً. حتى ذلك المسلسل الذي عرضوه وأنتِ بعدُ تسلخين عن بدنك جلد الطفولة وترتدين بدلاً منه روح البنت المراهِقة. ذلك المسلسل الذي عشقتْ فيه صبيةٌ في أوائل العشرينات من عمرها كاتباً خمسينياً، وعشقَها. مازلتِ إلى اليومِ تلومينني على نهاية القصة. إلى اليومِ لا تغفرين لي انفصالَ العاشقيْن الذي يفتقرُ أولَّ ما يفتقر إلى العدالة التي أنشدها الآن حول ضرورة أن أمتلك في هذه الحياة قبراً. ما حكايتك يا رشا؟ لماذا تنظرين إليّ بهذه الغرابة؟ لماذا تمدّين كفك إلى جبيني؟ " لقد عاودتك السخونة." نظرتِ البنتُ إلى معصم يدها. لم يكن هناك ساعة. يبدو أنها نسيتها في الحمّام. نظرتْ إلى ساعتي اليدوية على سطح الكومدينو من يميني، وقالت: حان وقت الدواء. وقالت: " لا تخف! سوف نكسر عتبة الألم. " ونهضتْ عن السرير. انتصبتْ على الأرض مثل شجرةٍ سنديان راسخة الجذور في الصخور العميقة قبلَ أن تنحني على الصينية وترفعها من على الفراش، وتمضي إلى المطبخ. لم تتأخر هناك. رجعتْ سريعاً، وقالت: لقد جئتك بالدواء. وقالت: سوف نعبر عتبة الألم. أعطتْني الجرعة الموصوفة، وأسقتني ماءً طازجاً أحضرَتْه مع الدواء في كأسٍ زجاجيةٍ كبيرة. وتمنّت لي الشفاء العاجل، وانصرفت إلى المطبخ من جديد. ومن جديدٍ رجعتْ سريعاً. كانت تحمل في يمينها ولّاعتي السحرية وسيجارةً واحدة أشعلتها لي بنفسها، وقالت: أنا أفي بوعودي دائماً. وانصرفتْ إلى المطبخ أيضاً. لم أعرف من أجل أيّ شيء ذهبتْ هذه المرّة. الذي أعرفه هذه المرّة أنها تأخرت هناك كثيرا. لم ترجع إليّ سريعاً مثلما توقعتُ. حسبتُ تأخرها نوعاً من الاحتجاج على التدخين، وحسبته نوعاً من الإشفاق عليّ وعلى نفسها وهي تشاهد بأمّ العين إصراراً لديّ غريباً على الإضرار بالصحة. ولكنها تأخرت من الزمن ما يكفي لتدخين عشر سجائر. ما الذي تفعله البنت في المطبخ هذا الوقتَ كلَّه؟ سألتُ نفسي. حتى إنني لست أسمع أيةَ طرطقة. لا شيءَ غيرُ الصمت. أم إنها ليست في المطبخ؟ هل تكوي الثياب مثلاً؟ تلك الثياب التي لم أرسلها إلى المصبغة؟ شغلتْ غيبتُها بالي. ناديتُ: رشا! لم ترد على ندائي. ناديتها من جديد، فلم ألقَ غيرَ الصمت جوابا. نهضتُ من رقدتي. كنتُ أخشى أنّ مكروهاً قد وقع. نهضتُ بسرعة من الفراش نتيجة تلكَ الخشية، فلّفّتْ بيَ الدنيا، وجلستُ على حرف السرير مرغما. أغمضتُ عينيّ، والتقطتُ أنفاسي، وأسندت رأسي بكفين اكتشفتُ ضَعفهما سريعاً. وانتظرتُ استقرار الدوخة بي في مكانٍ ما على وجه هذه البسيطة التي تراءت لي شديدةَ الضيق. وحين مرقتِ اللحظةُ على خير، نهضتُ متوخياً الهدوء في الحركة. وجدتني ثابتاً على الأرض. هذا رائع. الصحةُ تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراه غيرُ المرضى. عبارةٌ لا نتذكرها في غير أوقات الشّدّة، رغم أننا نعرفها منذ الأزل.أخذتُ طريق المطبخ الذي لا بابَ له. وهذا كان من مقترحات المهندس الذي أشرف على تصميم المنزل قبلَ عشرين سنة تقريبا. وعبرَ الباب المفتوح دائماً رأيتها.كانت تجلس على كرسيٍ إلى طاولة الطعام. وكانت قد ألقتْ رأسها فوق ذراعها اليمنى الممدودة بلا مبالاةٍ على سطح الطاولة. وبلا مبالاة أيضاً كانت تتدلى ذراعها اليسرى في حيزٍ صغيرٍ من مساحة المكان الكبيرة. بدتْ لي مثلَ لوحةٍ معلّقةٍ على حائطٍ في أحد المتاحف القليلة التي زرتها حول العالم. لستُ مولعاً بالمتاحف. كثير من الأصدقاء يلومني على هذا الشيء. كيف تعود من باريس من دون أن تدخل متحف اللوفر؟! لم أجد نفسي معنياً بجوابٍ عن هذا السؤال، رغمَ عشقي للانطباعية الفرنسية، والتعبيرية الألمانية.. رشا! ناديتها. قالت: نعم؟– هل كنتِ نائمة؟ – لا. – ناديتك ولم تردّي. – صحيح، ناديتني مرتين. – لماذا لا تردين إذن؟ – أحببتُ أن أخلو إلى نفسي قليلا. – وأنا أفسدت عليك خلوتك! أليس كذلك؟ – ليس مهماً الذي فعلتَه. – ولكنْ ما بكِ؟هل تبكين؟ – لا، لست أبكي. ورفعتْ رأسها بكسلٍ عن ذراعها اللامبالية، ونظرتْ إليّ كي تبرهن لي على صدق ما تقول. لم يكن في عينيها بلل، أو حتى أثرٌ لبلل. جلستُ على كرسيٍ يجاورها. تأملتها مليّاً. كانت قد ألقت من جديد رأسها على ذراعها. ما الذي يدور في دماغ هذه البنت؟ قالت لي فجأةً: بالمناسبة! وصمتتْ لحظةً. ووجدتُ الفرصة مواتيةً لتطرية قسوة الهواجس التي تطوف في روحها المتعبة. قلت: بأية مناسبة؟ ظهرت ابتسامةٌ صغيرةٌ على وجهها مثل طيفٍ عابر، وقالت: بمناسبة وجودك في حياتي. وعادت إلى الصمت وقد هجر الطيفُ مطرَحَه. وكنت متشوقا لمعرفة ما سوف تقول بالمناسبة. ولم تجعلني أنتظر طويلاً. قالت: أنت الرجل الوحيد الذي شاهد صدري عارياً. قلت: وهل هذا ما يؤرقك الآن؟ قالت: لماذا تحبّ أن تفهمني على نحوٍ خاطىء؟! قلتُ: في الحقيقة إنني لا أحبُّ ذلك يا رشا، ولكنّ هذا ما استنتجته من وحدتك. قالت: يبدو أنك لا تجيد الاستنتاج دائماً، فأنا لستُ متذمرةً ولستُ نادمةً على أنك رأيت صدري العاري، ولم أقل ما قلت إلا بالمناسبة، رغم أنّ المناسبةَ في الحقيقة غير موجودة. ولكنكِ اعترفتِ تواً بمناسبة وجودي في حياتك! قلتُ محاولاً تطريةَ الجو من جديد. قالت: هذا ليس مناسبة، هذا وجود، هذا ليس شيئاً عابرأً. لم افهم. قلت: ماذا تقصدين؟ قالت: إنني متعبة، وأريد أن أنام ولو نصف ساعة، أو حتى عشرين دقيقة. ونهضتْ، وانصرفتْ إلى غرفة النوم التي تعرفها. ألقيتُ إثرَها نظرة. وسألتُ نفسي: ما الذي تريده مني هذه البنت؟ ما الذي تريده فعلاً؟ أنا أريد أن أساعدها. أحبُّ أن أساعدها، ولكن عليّ من أجل ذلك أن أعرف أولاً حقيقة ما تلاقي من التعب. وتناسيتُ في لحظتي تلك أن أسأل نفسي عما أريده أنا منها؟ إنني أريد أن تشاركني الحساب المصرفي. هل أستغلّها؟ هل أستغلّ شهامتها؟ ولكنني كنت صريحاً معها. قلت لها: ليس من أجلك أنتِ، بل من أجلي أنا. ولكنْ هل الصراحةُ تمحو النيّة في الاستغلال؟ أوليست الصراحة أشدَّ خبثا من المراوغة أحيانا؟ لم أصل إلى أجوبة عن هذه الأسئلة. عقلي مشوشٌ تماما. القبر. نعم، القبر. آخرُ منازلِ الحياة. لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ. ظلّ عقلي مشوّشا.فكّرت بتدخين سيجارةٍ ثانية. ولكنّ السجائرَ في حقيبة البنت اليدوية. الحقيبة أمامي على سطح الطاولة. يجبُ عدمُ التمادي. زجرتُ نفسي. لن أفتح حقيبة البنت. لن أستبيح خصوصياتها تحت أية ذريعة. وليذهب النيكوتين إلى جهنم. نهضتُ عن الكرسي على مهلِ. الحمد لله! لا دوخة. الحمد لله! ذهبتُ إلى غرفة النوم بخطىً بطيئةٍ، لكنها غيرُ مترنحة،رغم افتقارها إلى الثبات الواثق على الأرض. رشا تحتلّ مطرحي من السرير. تحتل النصفَ الأيمن. ما هذا الاعتداء السافر؟! سألتُ نفسي وأنا أنظر إلى البنت متبسما. كنت سعيداً بوجودها في فراشي، وفي بيجامتي المفضّلة أيضا. هل أطلب منها أن تذهب إلى النصف الآخرَ من السرير؟ فعلى الكومدينو في هذا الجانب أشيائي الصغيرةُ كلها: موبايلي الذكيّ، ونظارتي الطبية الغبية، وكتاب الحماسة، ودفتر ملاحظاتي الاستباقية، وقلمٌ ياباني يكتب بسلاسة حتى من دون تدخلٍ مني.يقرأ أفكاري ويدوّنها من تلقاء نفسه. من المحزن أن انقضى العمرُ من دون أن أزور هذا البلد الذي اسمه اليابان، مع أنني وصلت إلى تخومه، ولم يعد يفصلني عنه غيرُ ساعة طيرانٍ واحدة، هي المسافة التي أظنها تفصل اليابان عن كوريا. وكوريا لم تكن بين ملفات أحلامي البعيدة. كانت اليابان تحتل بين تلك الأحلام جميعاً موقع الصدارة.منذ عام 1958 وأنا مندهشٌ من السحر الذي تصنعه اليابان في العالم. مذ رجع أخي من بيروت في نقاهة ما بعد جراح الحرب. مذ أعطاني تلك الليرات الخمس، ومذ أعطاني علّاقة مفاتيح أيضا. لم أكن أملك أي مفتاح لأي باب، ولكنني، مع ذلك، كنت سعيداً بتلك العلّاقة أيمّا سعادة، فقد كان يتدلي منها أيقونةٌ من زجاج يحمل كل ألوان الطيف حسب انعكاسات الضوء على صفحتها، ومن الجانبين. عددٌ لا يتناهى من أشكال الفتنة الآسرة، حتى تحت إضاءة لمبة الكاز الفقيرة. قال لي أخي يومئذٍ: هذه من اليابان. قلت لأخي يومئذٍ: أنا أحب اليابان يا أخي.فضحك، وأرسل أصابع كفه الطويلة القوية إلى حلقات شعري الخرنوبي ترعى فيها بكل حنان الأبوّة. هل أطالب رشا بالانتقال إلى نصف السرير الآخر؟ ولكنْ، ربما كانت البنتُ نائمة! ناديتها باسمها همساً. لم تردّ على ندائي. انحنيتُ فوقها قليلاً. سمعتُ أنفاسَها الغافية. بطيئةً تلك الأنفاسُ كانت، ولكنها منتظمة. البنت مرهقة. من المؤكد أنها في سهادٍ مذ سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل في ليلتها الفائتة. تركتُها ترتاح. اللعنةُ على من يوقظُ صبيّةً مرهقةً من نومها!!!اللعنةُ على هذه المدافع التي راح المنزل يرتجّ من وقع انفجارات قذائفها فجأةً.أرجوكم يا حماةَ الديارِ! أوقفوا هذا القصفَ قليلا! لا توقظوا البنتَ من نومها.لا توقظوا هذه البنتَ من نومها.فهذه البنتُ الصغيرة متعبة جداً، إذن، دعوها بسلام تستريح قليلا، ولا تزعجوها. أتوسلُ يا حماةَ الديارِ إليكم. كنتُ قد صرتُ في الفراش أنا أيضاً. وكنت لا أرفع بصري عن جارتي الحلوة.أجارتنا إنّ المزارَ قريبُ. وكنت أقول في نفسي: يا الله كم في هذه البنت من مشقة!! حتى المدافع لا تستطيع انتزاعها من المشاركة في وجبة الرز مع الملائكة. وكنت بذلك فرِحا. وكان المساءُ قد هبطَ على المدينة. كانت عيني على رشا، وكانت أذني على انفجارات المدافع، وتذكرتُ أمّي التي لم أكن بِرّاً بها، فعاودني عواء الذئب يترجّع صداه في جنبات رأسي. موجعاً ذلك العواءُ عاودني. أبي يا أبي!. جَرْوكَ الضائعُ مازال ضائعا.جَرْوكَ القتيلُ مازال قتيلا. فتعالَ يا أبي تعال. أنا لا أستطيع إليك ذهابا، فمن يحرسُ البنتَ النائمةَ في غيابي؟! من غيري يحرسها، وأنا كلبُ الحراسة الوفيُّ أبدا؟ لقد اشتقتُ إليك كثيرا يا أبي. إذن، أرجوك أن تشفقَ عليّ وتجيئني مرةً في العمر، فالعمرُ ينفد يا أبي. ولم يبقَ منه غيرُ القبر. وهذه البنتُ الشقيّة ترفض أن تمدّ لي يدَ العون. الحقَ أقولُ لكَ يا أبي. كنت أظن أن هذه البنتَ تمسكُ ببعض خيوط حياتي.ثمّ صرت أظن بأنّ هذه البنتَ لا تمسك بأيٍ من خيوط حياتي. ولكنني مقتنعٌ اليومَ بأنّ هذه البنتَ، واعذرني على خطئي اللغويَّ القادمَ، هيَ كلُّ حياتيَ الباقية. كثيرُ التقلّب في عواطفه ابنُك يا أبي. متناقضٌ إلى حدود الإشفاق ابنُك يا أبي. متناقضٌ هو ابنك على نحوٍ يبعث على الحيرة الدائمة. وما باليد حيلةٌ يا أبي. هذه جيناتك، فلا تلمني. أنت المسؤولُ وحدَكَ يا أبي، فأنت من أورثني هذا التناقض، مثلما أورثتني تلك الأرضَ التي لا أستطيع أن أموت فيها كما يموت البشر العاديّون في أراضي آبائهم وأجدادهم.اللعنة على هذا الموبايل الغبيّ. لم يرنّ طوالَ النهارِ. لم يرنّ إلا في اللحظة التي كان يتوجبُ عليه فيها أن يلزم الصمتَ. أن يخرس تماماً، فقد صنع ما لم تصنعه القنابل. لقد أيقظ حسنائي النائمةَ من غفوتها. اللعنة على من اخترع الموبايل!!! كان الجهاز بعيداً عني. كان في يمين رشا على سطح الكومدينو. ورشا كانت في يميني على السرير. زحفتُ بجسدي قليلاً باتجاه رشا لألتقط الموبايل، علّني أنقذ الموقف قبل فوات الأوان.ولكنّ الأوان كان قد فات. لقد أفاقتِ البنتُ من نومها. أنا آسف يا رشا! كنت ُ قد صرت لها ملاصقا.لم تعلّق بشيء على أسفي. بل ربما كانت كمن يشكر الموبايل على الرنين. لم تفتح البنت عينيها. التقطت الموابايل بيدٍ كسولة، من دون حتى أن تتحرك في رقدتها ولو قليلا. قلت لها: أعطيني النظارة. بدت كمن يرفض الانصياع لهذا الطلب الغبي.سألتها: مين المتصل؟ وبررتُ طلبي: ما بشوف منيح بلا نظارة. فتحت البنت عينيها بكسل، وألقت نظرةً على الشاشة، وقالت: ما في اسم، بس الرقم موجود. وقرأتْ عليّ الرقم التساعي بعجالة. ولم أعرفه. ولم تعطني النظارة. لم تلتفت إلى يمينها، بل انزاحت إلى يسارها، فتوسدتْ كتفي، وقالت: الحكي ما بدو نظارة. قلت لها: افتحي السبيكر. وأطاعتني. وظلّ رأسها مستريحاً على كتفي. وظلّ جهاز الموبايل راقداً في كفها المنتصبة على صدري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق