أترك الولد مع طربه، وأعود إلى نفسي. ماذا على الطاولة أيضاً؟ علبةُ محارم. ساعةٌ يدٍ لا أحبها.لا تشبهني. دفترٌ صغيٌر أسجل عليه ملاحظةً هنا أو l`h d,ملاحظةً هناك. قلمٌ يابانيٌ اشتريتُ منه دزينةً كاملةً قبل يومين. كنت محظوظاً على نحوٍ غريب حين عثرت على هذه الأقلام في إحدى المكتبات، فقد اختفت من الأسواق مؤخراً لتحلّ محلها الأقلامُ الصينية التي غالباً ما تخذلك حين تكون بأمسّ الحاجة إلى تسجيل ملاحظةٍ أو خاطرةٍ مرقتْ في رأسك، وتخاف عليها من الضياع بين زحمة الحياة وأشيائها. قنينة ماء معدني متوسطة الحجم. صحنٌ لأعقاب السجائر لم تتفق العربُ على اسم له محدد. في مصر يسمونه (طفّاية)، بينما يسميه السوريون (منفضة)، ولا أعرف ماذا يسمونه في الخليج أو في المغرب. ثمّة ولّاعةٌ هي أحسنُ ما قدمت لنا الصينُ في هذا البلد. يمكنني بها أن أشعل السجائرَ، ونارَ البوتوغاز، ويمكنني استخدامُها كذلك ضوءاً كاشفاً. ولن يعرف قيمة هذه الميزة الأخيرة أحدٌ في العالم أكثرَ ممّا يعرفها السوريون. هذه الولاّعة زهيدة الثمن ومع ذلك فهي تساوي وزنها ذهباً في لحظةَ العتمة. ولحظاتُ العتمةِ كثيرةٌ عندنا. لا يمكن لأحدٍ أن يعرف بالضبط متى سوف ينقطع التيار الكهربائي، أو كم سيطول هذا الانقطاع. بالأمس دام إحدى عشْرَةَ ساعةً متصلة. ماذا يوجد على سطح الطاولة بعد؟ في الحقيقة: لاشيء آخر. مازلتُ أسمع أم كلثوم تغني من ألحان محمد القصبجي : العين عزيزة والقلب غالي .. وأسمع كذلك انفجاراتٍ عنيفةً لا تبعد عني أكثر من كيلومترين اثنين فقط. وأنتظر مكالمةً من رشا.عجيبٌ أمر هذه البنت! لا يحلو لها الاتصالُ بي إلا في قطعة الليل الأخيرة. حتى عندما اتصلتْ بي أول مرّة كان الفجر يرسل إشاراته للخليقة ببدء يومٍ جديد. لم يكن قد مضى على الطلاق بيني وبين زوجتي إلا أسابيعُ قليلة. لم تعتذر الصبيّة التي لا أعرفها عن الاتصال في مثل هذا الوقت، بل قالت:" أعرف أنك ساهرٌ بعد.أعرف أنك الرجل الذي لا ينام الليل." "وهل هذه المعرفة تعطيكِ الحق بإزعاجي؟!" "لا طبعاً، ولكن لماذا الإزعاج مادمتَ غير نائم؟" " قد تزعجين باتصالك هذا شخصاً آخرَ في المنزل." " غير ممكن." " لماذا؟" " لأنني أعرف أنك وحيد." وأضافت:" أعرف أنك وحيدٌ تماماً." "ومن أين لكِ هذه المعرفة؟" "إنني أتابع أخبارك." " ولماذا تتابعين أخباري؟ " "لا أعرف بالضبط، ولكنني أشعر بأنّ أمرك يهمني." ما هذا الحوار؟! لو كتبتُه في أحد المشاهد التلفزيونية لأصاب الجميعَ بالضجر:المنتج والمخرج والممثلين والجمهور." هل أستطيع أن أراك؟" سألتني." نعم، تستطيعين." "متى وأين؟" واتفقنا على موعدٍ..والتقينا، ولم أكن أعلم في يوم اللقاء ذاك بأن هذه البنت سوف تمسك ببعض خيوط حياتي، على نحوٍ من الأنحاء، وأنني بسببها سوف أرجع إلى دمشق من منفاي الاختياري. التقيتها أول مرّة في ربيع عام 2012 وتركتها، وسافرت إلى القاهرة في أواخر العام نفسه، ورجعتُ إليها من المنفى عند أوائل الصيف من العام التالي، ولم أقل للفتى عامر أكثر من: أعود بسبب امرأة. كم في هذه الكلمات البريئة من حقيقة تنقصها البراءة!! لم أقل له: أنا مثلك أيضا أيها الولد الفلسطيني. سمعت مثلَكَ ارتجافةَ عظام البنت من هول ما نزل على المدينة من صقيع. كنت أسألها أجوبةً محددةً عن أسئلةٍ محددة:البرد والطعام والثياب والمواصلات العامة وأصوات القنابل.هي بنت فقيرة. تقيم بعيداً عن أهلها مئاتٍ غيرَ قليلةٍ من الكيلومترات. تستأجر مع صديقة ٍ لها منزلا في واحدة من العشوائيات التي أحاطت بالمدينة كما يحيط السوارُ بالمعصم. منزلٌ شديدُ التواضع. هكذا وصفتْه لي. لم أزرها في ذلك المنزل مرّة. كنت أطلب منها على الموبايل أجوبةً محددة عن أسئلتي المحددة. – قوليلي حقيقة وضعك: بردانة؟ جوعانة؟ خايفة؟ كانت تردّ على جميع أسئلتي السابقة بكلمتين اثنتين فقط:" أنا بخير. " " ولكنني أراك في صوتك يا رشا. وأرى أنك لستِ بخير." "والله أنا بخير. وكل شيء يمكن احتماله لولا.." " لولا ماذا يا رشا؟" وتكاد تبكي، أو لعلها بكت:"هذه المدينة صارت قاسية.هذه المدينة لم يعد فيها حنان." هل هي دعوة مُلْزِمةٌ، رغم عفويتها، للعودة إلى الديار؟ ارجع أيها الذئب العتيق. ما هذا الضجر الذي تمارسه بعيداً؟ حتى إنك لا تغادر الفندق حيث تقيم منذ شهور.هل هو أمرٌ عليَّ تنفيذُه بلا نقاش ؟ فهل ثمة شخصٌ غيري معنيٌ بهذا الحنان المفقود؟ا وهل أنا مَن سرق الحنان من عذارى هذه المدينة؟! لا أفهم. ولكنْ،عليّ أن أكون مطيعاً، فالمفقود أشدُّ هولاً من القصف والصقيع. يجب أن أكون كريماً، وأمنح إحدى هؤلاءِ العذارى شيئاً من الحب والحنان.أعترف أني كنتُ مشتاقاً لرشا.. شبابها الغضّ.شعرها الأسود الثقيل.بشرتها البرونزية.عيناها السوداوان.أسنانها البيضاء كثيراً.حيويتها المفرطة.صوتها العذب.آراؤها الغريبة ببعض الأدب العربي:امرؤ القيس لا بأس به.المتنبي لا يصلح أن يكون أكثر من بائعٍ جوّالٍ في حواري دمشقَ وحلب. القشيري ليس إلا لصّاً سطا على أشعار مجنون ليلى، أخذ منه الصور والمفردات وأعاد بناءها على نحوٍ بهلواني. أما الشعراء المحدثون فليسوا إلا الخردة التي يبيعها المتنبي على عربته الجوّالة. واستدركتْ:"باستثناء محمود درويش طبعاً." لستُ أوافقها الرأي، ولكنْ، حقُّ الرأي عندي مكفولٌ، مكفول. لم أقل لها يومئذٍ شيئاً من رأيي في المسألة. لزمتُ الصمتَ تماماً. " وماذا أيضاً يا رشا؟" " لماذا لاتترك التدخين؟ إنه يضر بالصحة جداً." " سوف أتركه قريباً يا ماما." وتضحك البنت:" أنا ماما؟" " نعم،أنتِ ماما." وتظل تضحك. وأحمل ضحكتها إلى المنفى، ولا أحدّث بشيء من أمرها لذلك الفتى الفلسطيني الذي التقيته في مدينة السادس من أكتوبر بمصادفة تشبه الحتمية. ما هذا؟! جرسُ المنزل. أجفلُ. وبصراحة أكثر: أخافُ. أنظرُ إلى ساعتي اليدوية على سطح الطاولة بجانبي. تمام الثالثة. الثالثة التي في الفجر. من يمكن أن يكون القادم؟!! النصيحة التي من ذهبٍ في دمشقَ هذه الأيامَ هي: لا تفتح باب منزلك بعد الساعة العاشرة مساءً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق