الجمعة، 26 سبتمبر 2014

شهقتِ البنتُ من خوفٍ أبكمَ حلَّ بها عندما رأتني.. فماذا رأتْ أمامها؟! ما الذي كنتُ على هيئته تلكَ اللحظة؟ شبحاً كنتُ أو مومياء أو ماذا؟!. كيف استهديتي عالبيت؟. سألتها. لم تردَّ عليّ. دخلتْ وأغلقت الباب خلفها.. كنتُ أترنح في وقفتي وإلاّ ما سارعت البنت تمسك بذراعي. قالت: استند عليّ. وقالت: وين غرفة النوم؟ أومأت لها بعيني إلى اتجاه المكان الذي سألتْ عنه. أحاطت خصري بذراعها. كانت ذراعاً قويّة. كدتُ أسألها: من أين لكِ هذه القوةُ أيتها البنتُ الناعمة؟ غيرَ أني لم أقوَ على الكلام. أوصلتني إلى الفراش. ساعدتني على الاستلقاء هناك. غطّتني باللحاف والحرام جيّدا. ثمّ وقفتْ بجوار السرير تتأملني. أظنها كانت تحبُّ أن تبكي، ولكنها بدلاً من ذلك قالت: وعم تدخن كمان؟!. وقلت في نفسي: نكدُ المرأة ابتدأ.. ذهبتِ البنتُ إلى النافذة. رفعت الأباجور. فتحت الشبّاك. أزاحت الستائر. كان المنطقيّ أن تبدأ بإزاحة الستائر أولاً. لكنّ الذي حدث هو عكس المنطق. اضطراب البنت واضح، وواضحٌ قلقها أيضا. كنتُ أراقبها بطرف عين. كانت حركاتها مملوءة غضبا. رجعت أقول في نفسي: يبدو أنّ نكدَ المرأةِ قدرٌ مقدور. عادتْ إليّ. وقفتْ تتأملني لحظةً قبل أن تجلسَ على حرف السرير من يميني دونَ أنْ ترفع بصرها عن منظري الذي هالتها رؤيته. سألتها: شو؟. قالت: على كلٍ الحمد لله !. على ماذا كانت تحمد ربها؟. قالت: كنت رح أكسر الباب، أو رح أجيب الشرطة.- وابتسمتْ وأضافت: أو كنت رح قول للعساكر عند الحاجز إني شفت جماعة عم يخزنوا سلاح، وأجيبهن لهادا البيت.. أجبرتني على الضحك: بتعمليها ولك رشا؟. - والله بعمل أبوها. - خايفة عليّ؟ - إذا عليك ما بدي أخاف... قاطعتها: لا تكملي. - أمرك، ما رح كمّل، بس قوللي ليش هيك عامل بحالك؟ - إي شو أنا عامل جريمة؟! مريض. كل الناس بتمرض. - أنا ما عم أحكي عن كل الناس. أنا عم أحكي عنك إنت. إنت بالذات ممنوع تمرض. شو الدوا اللي عم تاخده؟ وأومأت بيدي إلى علبة الدواء على سطح الكومدينو. رفعتِ العلبة. فتحتها. استخرجت منها النشرةَ وجعلت تقرأها.فهمتي شي؟ سألتها. - ولا حرف. ممكن تعطيني نسخة من مفتاح البيت؟. - منشان شو؟. - لازم يشوفك طبيب.- وقطعتْ عليّ الطريق - ولا تناقشني.. ولم أناقشها. كنت لها مطيعاً ،كعادتي مع المرأة. قالت لي قبل أن تخرج من المنزل: لا تتحرك من الفراش. وقالت لي أيضاً: اترك الشباك مفتوح. وقلت لها: أمرك!. ونهتني عن التدخين. وقلت : أمرك ! ولم تصدقني، فاحتجزت علبة السجائر والولاعة الصينية الساحرة. وضعتهما في حقيبتها اليدوية، وغادرت المنزل. ثم لم تطل غيبتها أكثر من عشر دقائق. رجعتْ بصحبة أحد الأطباء. وكان طبيبَ أسنان. كنت أعرفه ويعرفني. زرته في العيادة قبل شهر تقريبا. كنت أشتكي من ألمٍ في اللثة. وجدتني مرغماً أضحك حين رأيته يدخل غرفة النوم. قال الطبيب من فوره: ولي ! شو هاد؟! زنطاري. - والتفت إلى رشا - إي شي طبيعي بدو يمرض بهالسقعة. كنتي دفيه لأبوكي ما كان مرض.. خير يا جار؟ شو معك؟ - والله يا جار إنت الحكيم. - أنا حكيم أنا؟! حكيم شو؟! بس هي بنتك لولا شوي رح تجيبني لهون بالقوة. قلتلها ولك يا بنتي أنا دكتور سنان، ما شفتي الآرمة؟. قالت إي ما لقيت حدا قريب غيرك.. بس أنا عتبان عليك يا جار. - له! الله لا يجيب العتب ! خير؟ ليش عتبان؟ - كل هالجيرة وما بتقول إنو عندك بنت أمّورة؟. - أنو كل هالجيرة؟ إي ما صرلي هون غير سبع تمن شهور. ثم إنو البنت عايشة مع إمها. وأنا وإمها متل ما بتعرف مطلقين. = أنا بعرف إنكن مطلقين؟! من وين عملتني بعرف؟! - بعدين ليش بدي قولك إنو عندي بنت أمورة؟ - إي كنا عم ندور على عروس للصبي. - وانشالله توفقتوا؟ - إي الحمد لله مشي الحال ، والتفت إلى رشا التي كانت تبتسم حيناً أثناء حديثي مع الطبيب، وتضحك حيناً آخرَ، كأنها تجاكرني، تماماً كما يفعل الأطفال، وانتهرها قائلاً: ولك يا بنتي سكري هالشبّاك، قسماً بالله زنطرنا. ردّتْ رشا عليه تلعب دورَ الابنة البارّة بوالدها، ودور البنت العاقلة في آن: إي حضرته عم يدخن ! وكاد الرجل ينفجر من برودة ردّها: أبوكي عم يدخن وأنا شو خصني موت من السقعة؟! ونهض بنفسه إلى النافذة وأغلق الشبّاك حين تراءت له تناحةُ البنت. رجع إليّ من النافذة، وجلس على حرف السرير من جانبه الآخر وهو يبربر: إي شو هالجيل ؟! لك تصور جابتني من قلب العيادة والمريض على الكرسي فاتح تمو !! قلت: والله يا حكيم لازم تحمد ربك صباح ومسا إنو هالبنت ما صارت كنتك. كانت عوفتو لابنك عيشتو.. التفت الطبيب إلى رشا وابتسم، ثم التفت إليّ وقال: إي لأ يخزي العين عنها ! شوفتها بترد الروح. إي جار، ما قلتلي، شو وجعك؟ - والله قلتلك يا جار. - سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم. والتفت إلى رشا وقال: سمعتيه لأبوكي حكى شي من وجعو؟ وعادت رشا تلعب دور البنت المؤدبة، المهذبة، المستقيمة التي لا تخشى في الحقّ لومة لائم: بصراحة يا عمو بابا ما حكى ولا كلمة وحدة عن يللي بيوجعو.. يا الله كم كان صوتها مملوءاً أسى ! لا لقد فهمتها خطأً لوهلة.. لم تكن البنت تلعب أيّ دور. لقد كانت نفسها موجوعةً وهي تنطق بتلك الكلمات القليلة. أظن أنني فهمت إلى ماذا كانت ترمي. لقد تخلتِ البنت عن نكد الطفولة مرةً واحدة.. غدت امرأةً ملتاعةً في لحظةٍ من الزمن غايةٍ في القصر.. أما طبيب الأسنان فقد استشاط غبطةً. قال لي: وشهد شاهدٌ من أهله. وقال لرشا: ونعم الأخلاقُ الحميدة. وقلت له: والله يا دكتور قلتلك إنت الحكيم. قال: طيب سيدي ما رح نختلف، والتفت إلى رشا، إي بنتي، بتروحي عَ الصيدلية اللي بأول الشارع وبتقوليلو يعطيكي حب التهاب، بس انتبهي هه، مو تبع كل تناشر ساعة، تبع كل ست ساعات، وبتقوليلو كمان حب سيتامول، السيتامول بتعطيه للوالد الله يشفيلك ياه كل ست ساعات حبتين، حتى لو ما كان في سخونة أو ما كان موجوع، في شي بالطب اسمو عتبة الألم. سمعانة بهالمصطلح؟. أومأت رشا برأسها سلباً.. وتابع الطبيب: كتير مهم نتجاوز عتبة الألم، خديها قاعدة طوال حياتك.. ونهض من قعدته، وقال: معافى يا جارنا وما على قلبك شر ! السلام عليكم ! قلت: شكراً يا دكتور ! عذبناك. - لا ولو! واجبنا. وانصرف، واعترضت رشا طريقه بعد أن هرعت إلى حقيبتها اليدوية. كانت تريد أن تدفع له أجراً. فوجىء الرجل بحركتها، بل إنه قد شعر بالإهانة. التفت إليّ وقال: شو هالجيل اللي طالع يا جار؟!. تدخلتُ محاولاً تلطيفَ الموقف: لا تواخذها دكتور ! درستْ كام سنة بأوروبا ورجعتلي متل مانك شايف.. قال الطبيب لرشا: ولك عمي نحن مو أوروبا، نحن الجار عيب ياخد من جارو. تدخلتُ من جديد: عيب يا بنت ! ضبي شنطايتك.. أطاعتني، ورافقتِ الطبيبَ إلى الباب الخارجي، وسمعتها تشكره، ثم سمعتُ إطباقةَ الباب، ثم رأيتها تعود إلى غرفة النوم، وتمرّ بي من دون أن تنظر إليّ، وتذهب إلى النافذة، وتفتح الشبّاك.. حزينةً كانت.. صامتةً كانت.. قالت لي وهي تصرّ على عدم النظر في وجهي: أنا رايحة عَ الصيدلية.. وخرجتْ، وتركتني حائراً من أمري وأمرها.. ماذا يمكن أن أفعل من أجل هذه البنت؟ أراني مرتبكاً، وقد بدا لي أنّ هذه البنتَ قدري، وأنني ما رجعت إلى دمشقَ إلا بسببها، بل ومن أجلها أيضا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق