تذكرت أن علاقتي بأستاذ (نظريات الدرامة) كانت شائكة. وكان لي علاقة شائكة أيضا بأستاذ مادة (الفلسفة) وبأستاذ مادة (اﻹلحاد) وبتلك اﻷستاذة الشقراء الجميلة التي كانت تدرسنا مادة (علم الجمال)، وبالسيدة العجوز التي تدخن الكثير من السجائر وتدرسنا مادة (السينما و الأدب). وعدا هؤﻻء الخمسة كان ثمة واحدٌ وعشرون أستاذاً لواحدةٍ وعشرين مادةً مختلفة، ربطتني بهم علاقةٌ طيبة، حتى إني حصلت على علامة (ممتاز) غير مرّة.إذن، لم أكن طالبا مشاغبا، أو غبيّا، أو كسوﻻً. فأين المشكلة مع بعض اﻷساتذة ؟ أين المشكلة مع أستاذ (نظريات الدرامة) مثلاً ؟ ربما كنت أهابه أكثرَ من اللزوم، شأني شأنُ بقية طلاب صفي. كان عددنا أربعةَ عشرَ: سبعة شباب وسبع صبايا، وكلنا في عمر الورود بعد. كنا قابلين للتقصف بسهولة. وأستاذنا شخص مشهور.كتبه في اﻷسواق تلقى رواجا واسعا. كان أحد كبار المثقفين في الحقبة السوفياتية المتأخرة. ولكنه كان متعاليا على طلابه الذين مازالوا في حقل الثقافة يَحْبون بعد. ﻻ يقدرون على المشي بعد. وكان هذا الرجل المشهور يطالبنا بالذهاب إلى اﻷولمبياد واﻻشتراك في سباق الماراثون. وربما كان يطالبنا بأكثر من ذلك: التتويج بالميدالية الذهبية، فنحن نستحقها حتماً، ما دام هو أستاذنا أو مدربنا. طلبك هذا يفتقر إلى العدل يا حضرة البرفسور.قررت يوماً- في إحدى المحاضرات - أن أكون مشاكسا بحكم عناد الشباب. قلت له: " يا حضرة البرفسور ! أنتم تسمونها نظريات، ولكنكم تتحدثون عنها بوصفها قوانين.أﻻ ترون في هذا تناقضا ما ؟ " ردّ علي يقول:" الدرامة التي نعرفها هي نتاج تجربة البشر منذ سوفوكل اﻹغريقي وحتى ميلر اﻷميركي مرورا بشكسبير اﻹنكليزي وموليير الفرنسي وإبسن النرويجي وتشيخوف الروسي." رحت أهز برأسي موافقا على صحة هذا الكلام، وسألت:" وماذا بعد ؟ " تنهد البرفسور وقد بدأ يضيق بي ذرعا، فقد كان يكره الأسئلة من طلابه، وقال:"هذه الدرامة عرفناها جيدا، وفي التالي يمكننا الحديثُ عن قوانينَ من نوع ما.- واستدرك،وأضاف - ولكنْ..- واستدرك مرة ثانية - ولكنّ التجربة اﻹنسانية لم تستكمل دورتها." "إذن،ماذا؟" " إذن، الحياة مفتوحة على كل اﻻحتماﻻت. ومادامت كذلك فلا يمكن للنظرية أن ترقى إلى مستوى القانون، فقد تفاجئنا الحياة في أية لحظة بأمر ينسف الكثير من القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي سنة." " أمرٌ مثل ماذا حضرة البرفسور؟ الحرب مثلا؟ لقد خبرتها البشرية جيدا. أنتم هنا في روسيا أكثر الناس دراية بويلات الحروب من بعد أن عشتم صراعاً دموياً مرعباً مع النازية الألمانية.أريد أمثلة حضرة البروفسور عن طبيعة ذلك الشيء الذي يمكنه أن ينسف القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي عام.السلطة مثلاً ؟ العبودية ؟ الحب؟ لديكم في أوروبا قصتان عن الحب أتعبتا عيون البشر حول الأرض من البكاء. لديكم روميو و جولييت. ولديكم الأهم منها: تريستان وإيزولدا.أظن أن جميع الأمم قد خبرت الحب جيداً.نحن العرب على سبيل المثال كان عندنا قبيلة اشتهرت بأن الشباب فيها والصبايا كانوا يموتون حين يعشقون.هذه القبيلة اسمها عِذرة.وقد ظهرت لدينا سلسلة طويلة من الشعراء اسمهم العِذريون، رغم أنهم لا ينتمون بصلة قربى إلى تلك القبيلة." لقد تعمدت الاستفاضة في الحديث.كنت مستعداً أن أقول أي كلام من أجل إغاظة البروفسور المغرور الذي وقف وسْطَ القاعة مكتّفاً ذراعيه حول صدره يتأملني (باستخفافٍ حتماً)، أما زملائي فقد كانوا سعداء بجراءتي، كانوا يبتسمون لي ولو بعيونهم فقط."هل انتهيت يا ولد؟ " قال البرفسور وهو يشملني بنظرة فيها الكثير من عدم الرضا.." انتهيت من ماذا حضرة البرفسور؟ " " من محاضرتك عن تاريخ الحب حول العالم." " محاضرة؟.أنا ؟.أبداً..لم أقصد شيئاً من هذا." " ألم تكن تقرأ علينا درساً في تريستان و إيزولدا، وأؤلئك الشباب والصبايا الذين كان يقتلهم الحب؟ " " لا أبدا حضرة البرفسور.كنت أريد أمثلة حول طبيعة ذلك الشيء الذي قد يجعلنا ننسف تعب آلاف السنين.فقط أمثلة.أريد أمثلة حضرة البرفسور." " تريد أمثلة. حسناً.ولكن قل لي: هل تعرف أحداً من هؤلاء الشباب والصبايا الذين يموتون من العشق، والذين أستطيع أن أراهن بأنك لست منهم؟ أظنك تنتمي إلى فصيلة بعيدة عن الموت حباً. أظنك من هواة التسكع بين النساء.أليس كذلك؟ " " إلى حدٍ ما حضرة البرفسور. " " إلى حدٍ ما ! يا سلام ! وماذا تعني هذه ال إلى حدٍ ما؟ هل نحن أمام نصف حقيقةٍ مثلاً؟ أو إننا نتحدث عن ربع حقيقة؟ أليس ثمة قانونٌ واضحٌ يحكم علاقتك بالنساء؟ ألا تملك مثل هذا القانون ؟! " " أظن أنّ أمراً كهذا لا يخضع لقانون ثابت. " " أيّ أمرٍ هو؟ هل تستطيع أن تحدده بالضبط؟. " " نعم أستطيع. الحب. المرأة ." " وبماذا تختلف الدرامة عن المرأة؟ " " لا أعرف حضرة البرفسور. سبق أن طرحتم عليَّ هذا السؤال ، وقلت لكم إنني لا أعرف أوجه الاختلاف بين الاثنتين، ولا أعرف أوجه التشابه أيضاً . " " برافو ! والأصح طبعاً ليس برافو.هل تدري لماذا؟ لأنك تملك نصف حقيقة، ثم لا تبذل أيّ جهدٍ للبناء على ما تملك. هل هو نوعٌ من الكسل مثلاً ؟ " " لا حضرة البرفسور، إنني لست كسولاً . " " إذن أنت مشاغب أو فوضوي." " لستُ فوضوياً ولستُ مشاغباً أيضاً. " " لستَ كسولاً، ولستَ مشاغباً، ولستَ فوضوياً، فمن تكون؟ لماذا لا تحاول بناء شيء على ما تملك من معرفة؟ " " لم يخطر الأمر ببالي يوماً. " " إذن، متى سيخطر ببالك؟ حين تقع في هوى بنتٍ من هؤلاء الذين يموتون حين يعشقون؟! " " لا أظنّ بوجود مثل هذه البنات في زماننا المعاصر. " " كيف وصلتَ إلى هذا الاستنتاج الغريب؟!! قلت إنها قبيلةٌ. والقبيلة بالضرورة مجموعةٌ كبيرةٌ من الناس. أين ذهبتْ جيناتهم؟! لا يمكن أن تكون قد تبخرت. وبالمناسبة أمر هذه القبيلة العربية ليس سراً، عديدُ الكتاب الأوريبيين كتب حول هذه الظاهرة الغريبة،وبالمناسبة أيضاً، ماذا أنت فاعلٌ لو وجدتَ نفسك عالقاً في الغرام مع واحدةٍ من هؤلاء البنات؟. " " لا أظن بوجود هؤلاء البنات اليومَ حضرةَ البرفسور. " " لا تظن !. رائع.. جوابٌ رائع يعفيك من أية مشقة في التفكير! هذا ليس جيداً ! " ويفضّ البرفسور اشتباك ذراعيه حول صدره ويستدير منصرفاً إلى كرسيه المريح على المنصة الكبيرة وهويردّ بتعاليه المعتاد على أسئلتي الصبيانية:" تكون مخطئا أيها الفتى إن كنت تعتقد بأن الهوّةَ كبيرةٌ في الدرامة بين النظرية وبين القانون. إنها ليست سوى خيطٍ رفيعٍ جدا عليك أن تملك بصراً حديديا لكي تراه. وحين تراه يجب أن تحافظ على بصرك حديديا من أجل ألا تفقد ذلك الخيط، ﻷنه سوف يساعدك في الوصول إلى خلاصك." " خلاصي من أي شيء يا حضرة البرفسور ؟ " "ومن أين لي أن أعرف ماذا تخبئ لك الحياة ؟! الشيطان وحده يعلم ذلك. وفي جميع اﻷحوال أنت لست طالبا في كلية الرياضيات أو الفيزياء.إنْ كنتَ تبحث عن سهولة العيش فاذهب إلى هناك.هناك الحياة سهلة.هناك القوانين واضحة..واضحة، صارمة، باردة، محايدة، وبالتالي الحياة عندهم سهلة جداً..سهلة إلى حد أنهم قادرون، ببساطة،على بناء محطات الفضاء، وقادرون، ببساطة أكبر،على الوصول إلى المريخ في الزمن القريب، قادرون على القيام باكتشافات هم يسمونها مذهلة، وأنا أسميها هراء، فإنني أتحداهم جميعا أن يحضروا اﻵن إلى هذه القاعة وأن يكتشفوا ما في نفس طالبي المسكين الذي يقف أمامي عاجزاً عن معرفة الفرق بين النظرية وبين القانون. تذكر دائما أيها الفتى أنك ﻻ تتعاطى الرياضيات أو الفيزياء. تذكر دائما أنك هنا. وهنا اﻷمور معقّدة، فهنا قد يجتمع الشيءُ وضدُّه في سلةٍ واحدة، ويكونان برفقة طيبة جدا. عليك أن تتأقلم مع هذا الوضع، رغم غرابته."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق