الأحد، 28 سبتمبر 2014

ولم يكن ثمّةَ مناسبةٌ ، بعد ذلك الصيفِ ، تجعلني أزور هذا المستشفى إلا اليومَ . وجدته مثلَ بيتٍ هجره أصحابُه منذ زمنٍ بعيد . وجدته شبه خاوٍ على عروشه ، مترهلاً ، هرماً ، شاحباً . لقد فقدَ الفلسطينيون توهجهم الذي كانوا قد صنعوه حينَ بذلوا الدماء غزيرةً من أجل فلسطين . وفلسطينُ ليست حجارةً و ترابا . إنها المبتدأُ والخبرُ ، والصليبُ والمصلوبُ والجُلْجُلَة ، والبيتُ الإنسانيُّ الواحد ، والنظامُ العالميُّ القديمُ ، وحقُّ الإنسانِ في الخطأ . والتسليمُ بالقضاءِ في ساعات الرحيلِ الموجِعة ، والعفوُ حينَ المقدرة ، وتحريرُ المرأةِ من عبودية القرنِ العشرينَ البغيضة ، وقلقُ الأمهاتِ في انتظارِ عودةِ الأولادِ من غياهبِ السفر ، وحكاياتُ الجَدّاتِ عن الإنسِ والجانِ وعلاءِ الدينِ وقمرِ الزمان . إنها ، باختصار ، الفكرةُ التي ليست للبيع ، فكلبٌ ابنُ كلبٍ مَنْ قال : كلُّ شيءٍ للبيع .. لم أجد في الاستعلامات من أسأله إلا ممرضةً نائمةً وقد صالبت ذراعيها على سطح طاولةٍ أمامها ووضعت رأسها هناك . لم أوقظها . دخلتُ في شبكةٍ من الدهاليز والأدراج المتشابكة ببعضها على نحوٍ غير مفهوم . اهتديتُ أخيراً إلى مكان أمي . غرفةٌ واسعةٌ في الطابقِ الثاني بابُها مُشَرَّع . وقفتُ بالبابِ لحظةً قصيرةً وألقيتُ نظرةً على ما بداخلِ الغرفة . ثلاثةُ أسرَّةٍ مصفوفةٌ على نسقٍ واحد . وليس من مريضٍ سوى أمي . الإضاءةُ شحيحةٌ أو تكادُ أنْ تكونَ معدومة . ثمةَ غيومٌ في السماء تمنع نورَ الشمسِ من زيارةِ الأرضِ إلاّ قليلا . والمصابيح الكهربائية مطفأة . ما من أحدٍ يحتاج النورَ ههنا . أمي نائمة . تقدّمتُ إلى سريرها ، ووقفتُ بجانبها ، وألقيتُ عليها نظرةً متأملة . لم أرَ إلاّ بعضَ وجهها فقط . كانت تغطّي رأسها ببشكير. آثارُ الزمن محفورةٌ بعمقٍ في الوجه الذي بدا لي متعباً كما لم يكن من قبلُ أبدا . وآثارُ الوجعِ محفورةٌ بعمقٍ أيضا . كم عاشت إلى اليومِ في الحياة ؟ هي نفسُها لا تعرفُ عددَ سنين وجودِها ، أو عددَ سنين عذابها . لا تعرف ذلك بدقّة ، وإنْ كانت تعلم أنها شارفتِ الثمانينَ حتماً . غير أنها بدتِ اليومَ كمن تجاوز مئةً من الأعوام . بقيتُ واقفاً عندَ رأسها أنظر إلى بعضِ وجهها متأملاً اندفاعةَ الزمن الذي راح وانقضى . كرومُ التينِ والزيتون . أرضُ يوسف عبد الرازق الذي انفجر دماغُه وهو على ظهر فرسه في الطريق إلى عكا. طراءةُ الأصباح في أراضي القمح والمشمش والصبّار والكرمة ، وحليبُ البقر الطازج ، والقهوةُ اليمنية السخينة ، وخوابي الزيت ، وأغاني الحصاد ، وطائراتُ اليهود ، ودباباتُ اليهود ( طوبى لفاتح قريةٍ ! ) ، والرحيل من بعد رحيلٍ من بعد رحيل ، وموتُ الزوجِ وموتُ الابنِ وموتُ الأخِ وموتُ ابنِ الأخِ وموتُ ابنِ الأخت . يا ربي ! جميعهم رحلوا شبابا . الجميع بلا استثناء . مَن لم تقتله الحرب قتلته الأوجاع . كم نستطيع أن نودَّع في الحياة من أحبتنا ؟! وكم نستطيع أن ندفع من الضرائب ؟! ومن أجل ماذا ندفع تلك الضرائبَ كلَّها ؟! أمن أجل فلسطينَ نفعل ذلك ؟! وفلسطينُ ليست حجارةً وترابا . إنها علمُ الجهات . والجهاتُ ست . هكذا قالت غانيا . جهةٌ ندخل منها ، وشرقٌ ، وغربٌ ، وشمالٌ ، وجنوب ، وجهةٌ نخرج منها ولا نعود . وبقيتُ أتأملُ بعضَ الوجهِ المتخفي بعضُه تحتَ بشكير ، وأقرأ تاريخ شعبٍ أنهكهُ البحثُ في علم الجهات . وغمرني طوفٌ من حبٍ إلى هذه المرأة . كم نسيتها في زحمة أيامي ! وكم نسيتها في فراغ أيامي ! وكم لم أتذكرها إلاّ حين أخشى حتى الموتِ من أن أفقدها إلى الأبد ! جلستُ على حرف السرير الموازي لسريرها ، من دون أن أتوقف عن تأمل بعض وجهها بنفسٍ موجوعة . ولعلّ نضوبَ الضوء زاد في وجع نفسي الموجوعة . ثمّةَ بابٌ جانبيٌ يفضي إلى شرفةٍ دونَ ريب . وثمّةَ شبّاكٌ عريض . ومازال في الوقت بقايا نهار . نهضت من مطرحي ، وحاولت أن أفتح الباب والشبّاك . ولكن ليس للباب مقبض ، وليس للشبّاك مقبض ، فانتهت محاولاتي إلى لا شيء ، واضطررتُ على إشعالِ النور في الغرفة . نورٌ مرتجف ، بل دائمُ الارتجاف ، ينبعث من مصباحٍ غازيٍّ ممددٍ فوق البابِ المُشَرَّع . إضاءةٌ توجع العين ، وتزيد في وجع النفس . أطفأتُ النور ، ورجعت أجلس في مكاني وأنظر متأملاً إلى المرأةِ التي جعلتْ تفيقُ من دون أن تصحو . كانت كمن يستيقظ من كابوس . نهضتُ من مكاني ، واقتربتُ من سريرها ، وانحنيتُ عليها . نظرتْ إليَّ ، وقالت : إنت مين ؟ قلت : أنا حسن . قالت : مش سامعة . قلت : أنا حسن . حسن . ابنك . قالت : إنت حسن ؟ قلت : أنا حسن . قالت : مش عم أشوف مليح . قلت : على مهلك يمّا ! قالت : بعدك سهران لإسّه ؟ قلت : كيف سهران يمّا ؟ الدنيا بعدها ما صارتش المغرب . قالت : بتضحك عليّ . قلت : وليش بدي أضحك عليكي ؟ قالت : لأنك بدكيش ياني أصلّي الصبح . وكانت لا تكفُّ عن التحديقِ إليّ . لعلّها مازالت لا تراني إلاّ كتلةً ضبابيةَ الملامح ، غائمةَ الأبعاد . وتتعبُ من التقاط ملامحي وأبعادي ، وتشيحُ بوجهها عني ، وتروحُ تحدّق من حولها في أرجاء الغرفة .. عن أيِّ شيءٍ تبحثينَ يا عجوز ؟! طراءةُ الصباحات ، وحقول القمح ، والقهوة اليمنية السخينة ، وندى الصبّار ، والتين والزيتون ، والجهات ستٌ يا أمي . تركنا الجهاتِ خلفَنا . تركناها كلَّها إلاّ واحدة . جهةٌ نخرج منها ولا نعود . لا نعود يا أمي . فليس في الزمان من بقايا . وليس من بقايا في المكان .
من رواية : رسالة إلى فاطمة – خريف 1993

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق