في تلك الفترة من العمر فقدتُ اثنتين من النساء اللواتي أحببتُ في حياتي : ناتالي وود نجمة هوليود البعيدة، وهناء التي لم تعش بيننا إلاّ خمسةً وعشرين عاما. ماتت بالسرطان ( زوجةً لرجلٍ ثريٍّ ) في مدينة جينيف السويسرية. قالت لي مرّةَ : أحبّك حبّين حبّ الهوى/وحبّاَ لأنك أهلٌ لذاكَ.. قلت لها: تعالي نتزوج. نظرتْ إليّ ذاهلةً، وقالت: هل أنت جادٌ في عرضكَ هذا؟! قلت: ما هذا السؤالُ الغريب؟!. فأنا أحبكِ، وأنت تعرفين ذلك. أنا أحبك يا هناء. قالت: وأنا أحبك أكثر، ولكنني لا أستطيع أن أكون لك زوجة. قلت: ما هذا اللغز؟! قالت: لا أستطيع، وكفى.. كنتُ في التاسعة والعشرين من عمري، وكانت في الواحدة والعشرين. وكانت بعدُ طالبةً في كلية الهندسة.. وكنا نبدو للآخرين ثنائياً جميلاً: كاتبٌ شابٌ ومهندسة شابّة.. دعانا مرّةً أحد الأصدقاء على الغداء في منزله.. جلستُ بعد الطعام في الصالون على ديوانٍ فسيح.. جلست كما أفعل دائماً في طرف الديوان.. كانت هناء تساعد صديقتنا ربّة المنزل في المطبخ بالجلي أو ما شاكله. جاءت بعد ذلك إلى الصالون، وجلست على الديوان ذاته حيث كنت أجلس، ثم استلقت على جنبها الأيسر، ووضعت رأسها على ساقي اليمنى. قلت لها: ماذا؟ قالت: أريد أن أنام. قلت: نامي يا حبيبتي. وراحت أصابع كفّي اليمنى تحوم في خصلات شعرها بنعومةٍ تساعد على الإغفاء.. انتظمتْ أنفاسُها، فاعتقدتُ أنها قد أغفت. ولكنّ صوتها جاء يقول ليس النوم مرادي.. قالت: هل تعرف ما هي أمنيتي في هذه الحياة؟ قلت: ماذا؟ قالت: أن أموت بين يديك.. قلت: إذن، تعالي نتزوج. قالت: أظن بأني لن أعيش طويلا. قلت : ما هذا الكلام السخيف؟! إنك في الواحدة والعشرين بعد، والحياة أمامَك مديدة. قالت: لا، لن أعيش طويلا.. قلت: إذن، من الأفضل أن تعودي إلى النوم، أو تتزوجيني. قالت: أعود إلى النوم. وأغفتْ.. كان هذا في الربيع.. في ربيعنا الوحيد.. ولكننا تزوجنا في الخريف.. في خريفنا الوحيد.. وامتدت حياتنا الزوجية أربعة أيام.. وافترقنا.. ثم اختفت هناء من حياتي إلى الأبد.. هذه المرأةُ لم تكن من نساء الحياة عندي.. هذه المرأةُ غصّةُ حياتي الوحيدة... حسن سامي يوسف.. من رواية ( عَتَبَة الألم )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق