الأحد، 28 سبتمبر 2014

وأنا شخصياً مستعد للإيمان بالتآمر السويدي على أبناء شعبي لولا وجودُ بعض الملاحظات لديّ، فالمؤامرةُ على فلسطين بخاصة وسوريا بعامة قديمة ٌجداً. لم تبدأ ب(سايكس- بيكو). ربما كانت البداية الفعلية سبّاقة ًعلى المستر سايكس والمسيو بيكو بنحوٍ من عشرين عاماً.إننا نحب دائماً أن ننسى أو أن نتناسى ( فندق الفرسان الثلاثة ) في بازل السويسرية، وننسى أو نتناسى النتيجة الأبرز التي خلص إليها المؤتمرون هناك وقتئذٍ: (فلسطين يهودية كما هي إنكلترا إنكليزية ) . لقد رُفع هذا الشعار قبل مئة وعشرين سنةً خلت، فما الذي أجّل التنفيذ إلى اليوم؟ قد يردّ عليّ أحد المتحمسين لنظرية المؤامرة قائلاً:"لأننا لم نسمح لهم بتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة." وهنا أجدني أسأل بمنتهى البراءة:" إذن،لماذا تسمحون لهم اليومَ بذلك؟" وببراءة أيضاً أسأل:" لماذا تدفعون الفلسطينيين دفعاً إلى المجهول؟" وللمناسبة فقط، أتحدث هنا عن العرب جميعاً.لا استثناءات. ثمة قصصٌ مرعبة يعيشها الفلسطينيون (حتى الأطفالُ الرضيعون منهم) في مطارات العرب وموانئهم البحرية ومنافذهم البريّة، من دون ذنبٍ ارتكبوه سوى أنهم فلسطينيون.أعود إلى الشتات الجديد. الشتات الذي فرض عليّ دخول هذا العالم الذي يسمونه، ولستُ أدري لماذا، افتراضياً. أنا لا أراه كذلك حتى وإنْ كان كذلك فعلاً. العينُ مِغرفةُ الكلام. هذا صحيح بالمطلق. لكن ماذا والعينُ بصيرة؟ كيف العمل عندئذٍ يكون؟ المؤلم في الحكاية أنّ البصر لا يمتدّ إلى كندا وجنوب إفريقيا وبقية الأرض التي يتيه فيها من يهمّنا أمرهم من البشر. تكتب المراهقة الصغيرة تالة من مالمو السويدية على الفيس بوك: فلسطينية وأفتخر ويللي مو عاجبو ينتحر – يشعر بالسعادة. والأصح طبعاً: تشعر بالسعادة. واضح أنّ الخطأ مصدره مشكلة عند الفيس بوك مع اللغة العربية،أو العكس. تعلّق هبة يوسف (لا أعرف هذه البنت. ليست من العائلة. مجرد تشابه في الأسماء.) على كلام تالة: الله حيو فلسطيني والاسم بيكفيني. ترد تالة: الله حيو هبّوش (الشدّة على الباء من عندي. أنا أعتذر إليكِ حبيبتي تالة عن هذا التدخل السافر في خصوصياتك اللغوية!) وترى هبة أنّ الواجب يقتضي ردّ التحية: هههه تسلميلي تيتو. ويتدخل جد تيتو لأمها فيكتب من ألمانيا (لا أعرف من أيّة مدينة في ألمانيا): أصيلة يا روح جدك. وأكاد أضحك. وأسأل نفسي: أليس من واجبي المشاركة في هذا الكرنفال الصغير؟ ولكن ماذا أكتب؟ هل أقول: أصيلة يا بنت اليوسف؟ ولكنّ بنت اليوسف تعود بعد دقيقة واحدةٍ فقط إلى طفولتها، فتكتب: العمر بيخلص والجلي ما بيخلص. وهنا أضحك من جديد، ولكنني أكتب إليها هذه المرّة، وأسألها:عم يتعبوكي بالجلي يا حبيبتي؟ أنا رح أتصرف، ورح فهمها لأمك إنو بنات اليوسف ما بيوقفوا قدام المجلى. فتضحك البنت. أسمع رنّة ضحكتها وأنا في دمشق. وتكتب من بعد الضحكة: والله اشتقتلك! وأنا كمان اشتقتلك يا عمري يا تالة!. وتكتب الحلوة وئام من مدينة مرسين التركية: عم تشتي. ما هذا البوست؟ لست أسأل عن الترجمة. أعرف المعنى: السماءُ تمطرُ. جملةٌ اسمية. مبتدأ وخبر، رغم أنّ الخبرَ فيها جملةٌ فعلية. وعلى التقدير يمكنني القول: هي جملة فعلية تم فيها تقديم الفاعل على الفعل. وئام الحلوة لا تفهم هذا الكلام الذي أقول. هي في الثامنة من عمرها بعد. وأكبر خوفي أن تظل الطفلةُ الجميلةُ في الثامنة من عمرها، حتى وإن بلغتْ الثمانين، فأنا لا أعرف إلى أين سوف يحملها هذا التيهُ الجديد. ربما أخذها إلى إسكندنافيا. ولست أدري إن كان في إحدى اللغات الإسكندنافية جملةٌ اسميةٌ يكون الخبرُ فيها جملةً فعلية. على أية حال، هذا ليس أمراً جوهرياً في الحكاية. الأمر الجوهري هو أنّ التيهَ قد ابتدأ. مَنْ كانت البنتُ تخاطبُ حين قالت: عم تشتي؟ بالتأكيد لا أحد. إذن، ما الحكاية؟ هل اكتشفت البنتُ المطر؟ حتماً لا. بل إنني أستطيع أن أراهن بأنها قد غرقت في المطر ذاتَ يومٍ في مخيم اليرموك وهي في طريق عودتها إلى المنزل من مدرستها القريبة. إذن، ما الذي دفعها إلى كتابة هذا البوست؟! قضيتُ وقتاً غيرَ قصيرٍ أفكّر بالأمر. لقد كتبتْه ليلاً.هل أيقظها المطر من النوم، على سبيل التخمين؟ جائز أنّ المطر كان قوياً فأقلق راحة البنت التي تعاني فرطاً في النعومة. ولكنّ هذا الإيقاظ لا يستوجب الدخول إلى الفيس وكتابة هاتين الكلمتين. فهي، أي البنت، لا تحمل جيناتي المؤرقّة. إنها تدخل في النوم سريعاً. وتنام دائماً بعمق. وأشكُّ بأن يوقظها المطر. وحتى لو أيقظها فإنني أشك بأن يجعلها تغالب النعاس لوقت يكفي من أجل الدخول إلى النت. إنني أعرف هذه البنتَ جيداً. أحبها وتحبني، رغم شجاراتنا القديمة. لقد غفرتْ لي ذنوبي كلَّها. بنتٌ حلوةٌ، متسامحة. ربما كانت في الثالثة بعدُ من عمرها حين كانت تغضب مني وتغضب عليّ لأنني أدّعي زوراً وبهتاناً ملكيتي لوسادتها الصغيرة. كانت تقول لي غاضبة: هاي تعوتي. ولو ترجمتُ هاتين الكلمتين إلى العربية الفصيحة لوصلنا إلى الأتي: هذه الأشياء لي. ولكن يا حبيبتي نحن مختلفان على وسادة واحدة. كيف تجمعين المفرد يا بنت؟ وأضحكُ. وتبكي. وأعيد لها وسائدها. وتنام بعمق، من دون أن يوقظها المطر. ما الذي يحدث في مرسين إذن؟ شاهدتُ البوست أو قرأته في الصباح. كانت البنت نائمة. كتبتُ أسألها: بعدها عم تشتي؟ وقرأتُ الردّ في صباح اليوم التالي: لا مبارح وقفت لا همزة، لا شدّة، لا فاصلة، لا نقطة، لا شيء سوى أنّ التيه قد ابتدأ فعلاً. حتى براءة الجواب تعلن ذلك صراحةً. هل التيه عالمٌ افتراضي؟! سؤالٌ غبيٌ بالتأكيد. إنه الفِصامُ ذاته الذي بدأتُ أعيشه هنا.الأعراضُ اليومَ ذاتُها. أما في غدٍ، فالله وحدَه يعلم كيف تكون! فها هي البنتُ تغيّر صورة الغلاف على صفحتها كل يومٍ تقريبا. وها هو أخوها يصير أكثرَ منها إيجازاً. ها هو يحذف المبتدأ، ولا يُبقي لنا علانيةً غيرَ الخبر. يكتفي الولد بكلمة واحدة، ولكنه يمطّها كثيرا: مللللللللللللللللللللللللللل.. من الواضح أنّه يتعمد أن يمطّ الكلمة من أجل التوكيد على معناها الحقيقي وليس الافتراضي. لقد وصلت الفكرة. شكراً بسّام! خيرُ الكلام ما قلّ ودل. هكذا قالت العرب قديما.لا، هذا العالم ليس افتراضياً، حتى وإنْ كان كذلك، فهذا التيهُ واقعيٌ أكثرَ مما ينبغي. سمعتُ اليومَ بنبأ موت أحد أصدقاء الطفولة. محمد العائدي. الفلسطيني محمد العائدي. أبو نايف. مات قبل أربعة أيام. مات بالسكتة القلبية. حمل شباب عائلة العائدي جثمان كبيرها. وضعوه في سيارة، وراحوا يجوبون مقابر دمشق بحثاً عن واحدة تقبل إيواءه بين موتاها. بلا جدوى. لا مشكلة مالية لدى هؤلاء الشباب. إنهم يملكون الكثير من النقود. ويعرضون الكثير منها مقابل حفرة صغيرةٍ في أرض أيٍ من مقابر المدينة. بلا جدوى. دفنوه في البريّة البعيدة. دفنوه ليلاً. وربما باتوا في العراء. لم أستوضح هذه النقطة الأخيرة. ربما كانت نتاج مخيلة كاتب سيناريو مريضة. ولكنّ المؤكد أنهم دفنوه في البريّة ليلاً. لم يكن أمامهم حلٌ آخر، فإكرامُ الميت دفنُه. هذا ما يوصي به الإسلام. وأبي قال مرّةً: الذي ما له وطن، ما له في الثرى ضريح، ونهاني عن السفر. هكذا قال المغني. ولكنّ المشكلة هي أنّ محمود درويش نفسَه قد عاش في التيه معظم حياته، رغم أنّ أباه قد نهاه عن السفر، فالسفر لم يكن واحداً بين جملة خيارات أمامه، تماماً كما هي حال الفلسطينيين بعامة. السفر عند الفلسطيني خيارٌ إلزامي، لأنه، باختصار، بديلُ الموت اليتيم. إنه الباب الوحيد الذي بقي ليس مفتوحاً، بل مواربٌ حسب. وهذا الباب لا ينفتح على أيّ مطرحٍ غير التيه.الحقَ أقول لكم أيها العرب:أنتم المتآمرُ الأولُ على حق العودة، وعلى بقية حقوق أخوتكم. الحقَ أقول لكم أيها العرب:أنتم المتآمر الأول على أنفسكم، حتى إنني بتّ أستغرب مِن سذاجة مَن يتآمر عليكم!.. من : يوميات كاتب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق