أذهب إلى موقعٍ ثالث. خبرٌ يلفت انتباهي بقوة. خبرٌ بعيدٌ كليّةً عن مآسي مخيم اليرموك.بعيد حتى بمقاييس المسافة التقليدية.هناك على بُعدِ عشرة آلافٍ من الكيلومترات أو أكثر عن المخيم المنكوب يخوض الفلسطينيون معركةً من نوعٍ مختلف كثيراً عن جميع المعارك التي خاضوها طوالَ تاريخهم المليء بالمعارك الخاسرة. كيف سيكون أداؤهم في هذه المعركة الغريبة؟ الجالية الفلسطينية في تشيلي تملك نادياً رياضياً اسمه (بالستينو). أتذكر أني سمعتُ مرّةً باسم هذا النادي المتواجد في العاصمة التشيلية سانتياغو.المفاجىء في الخبر أنّ هذا النادي يتصدر الدوري التشيلي الممتاز بكرة القدم. أما الخبر نفسه فهو الآتي: السفارة الإسرائيلة إلى تشيلي تلجأ إلى القضاء بداعي أنه – أي النادي – يعادي الساميّة.والأدلّة على هذا العداء أنّ اللاعبين فيه يلعبون مبارياتهم مرتدين ملابس رياضية لها من الألوان ما لعلم فلسطين المزعومة.وهناك دليلٌ آخرُ أيضاً: شعار هذا النادي الذي يحمله اللاعبون على قمصانهم هو خارطة دولة إسرائيل، ولكن من دون هضبة الجولان. لقد أعاد الفلسطينيون التشيليون هضبة الجولان المحتلة إلى أصحابها السوريين من دون أية حروب. إنهم لا يريدون حروبا، ولا يسعون إلى إشعالها. يريدون أن يلعبوا كرة القدم. فقط. ولكنهم، بمصادفة غبية ما، راحوا مع كرة القدم يمارسون العداء للسامية. والأدلّة على هذا العداء كثيرة، وكلها من فصيلة الوان القميص وشعار الأرض المتنازع عليها منذ ردح غير قليل في الزمان.معركة لا أعرف كيف سيخوضها فلسطينيو تشيلي، رغم أنّ أداء رئيس النادي يبدو جيداً، أو حتى جيداً جداً. رحّب بالذهاب إلى القضاء. منع الجميع من القائمين على النادي بالإدلاء بأية تصريحات حول الموضوع. حصر التصريحات كلها بالناطق الإعلاميّ للنادي. أعطى توجيهاته للطاقم المشرف على اللعبة بإبعاد اللاعبين تماماً عن هذه المعركة التي هي ليست معركتهم.معركتهم تنحصر ضمن المستطيل العشبي. يجب المحافظة على الصدارة. يجب الفوزُ ببطولة الدوري الممتاز، فالمعركة الحقيقية لن تكون في القضاء، بل في الملاعب. وهذا الأمر يتطلب الاستعداد الجيد. والتركيزُ الذهنيّ جزءٌ كثير الأهمية من هذا الاستعداد. لقد شاهدتُ بعض الصور ومقاطع الفيديو لهؤلاء الشباب وهم يتدربون.كلّ ما فيهم يوحي بالثقة ويبعث على التفاؤل.يبدون في مطالع العشرينات من العمر. يشبهون شباب مخيم اليرموك كثيراً. يذكرونني بالفتى عامر. إسرائيل تتحرك بسرعة في مواجهة هؤلاء الشباب.الدعوى القضائية، كما أتصورها أنا، مجرد خطوةٍ استباقية. يزورني مثل هذا السيناريو الذي ربما بدا خيالياً. أقتنع به ولو قليلا، فمن يدري إلى أيّ مدىً يمكن لهؤلاء الشباب الصغار أن يذهبوا؟ قد يفوزون ببطولة الدوري التشيلي.وهذا يرشحهم أوتوماتيكياً للعب أمام الأندية البرازيلية والأرجنتينية والأرغويانية وسواها من الأندية الأبطال في دول أميركا الجنوبية للمنافسة على لقب أبطال القارّة اللاتينية. فماذا إنْ فازوا ببطولة أميركا اللاتينية للأندية؟ ما الذي سيحدث بعدئذٍ؟ سوف يذهب هؤلاءِ الشبابُ إلى التنافس مع أحد أكبر كبار العالم مثل برشلونة أو بايرن ميونخ على لقب بطولة العالم.ولكن ماذا سيحدث إنْ فازوا على برشلونة أو بايرن ميونخ؟ هل هو سيناريو خيالي؟ نعم، إنه كذلك. ولكن هل من فرصة لهذا السيناريو الخيالي أن يكون ممكن الحدوث في الواقع المعاش؟ لا مستحيلَ في كرة القدم.حقيقةٌ صغيرةٌ يعرفها حتى الأطفال الصغار من كثرة ما ردّدها على مسامعهم المعلّقون الرياضيون في محطات التلفزة المختلفة. وهؤلاءِ الشبابُ في نادي (بالستينو) يملكون حافزاً قوياً إلى الانتصارات، وبخاصةٍ في هذا الوقت الذي تعيشه عاصمةُ الشتات الفلسطيني: مخيم اليرموك. أطفال الجوع في ألمانيا هزموا فرقة بوشكاش التي يقول العارفون بتاريخ اللعبة إنها الأقوى في جميع الأزمان. هزموا بوشكاش وفازوا بكأس العالم للمنتخبات. لقد فاجأوا العالم كلّه بتلك البطولة التي كانت حفل تتويج للمعجزة التي لم تستغرق أكثر من سنوات تسع. لا أعرف كيف كان شكلُ العالم يومَ التتويج ذاك في صيف عام 1954. ولا أعرف كيف سيكون شكلُ العالم لو فاز الشباب الفلسطينيون بكأس أندية العالم؟ وكيف يفوز بكأس العالم شبابٌ ينحدرون من بلدٍ لا وجود له على خارطة العالم ؟! كيف سيشرح السيد باراك أوباما هذا اللغز للشعب الأميركي؟ الأمرٌ يبعث على حيرةٍ عظيمة.أظن أنّ الجميع سوف يكون في ورطة.ورطة أخلاقيةٌ على الأقل. ما العمل إذن من أجل تفادي وقوعِ مثلِ هذه الورطة؟الأمر بسيط. الوصفة السحرية. مجرّبة. مضمونةُ النتائج. لم يشفع لفيلسوف فرنسا الأكبر في القرن العشرين شيء.لا اسمه.لا شهرته.لا خدماته الكبيرة التي قدّمها بسخاء للبشرية جمعاء.حتى سنُّهُ العاليةُ لم تشفع له بعدم المثول أمام القضاء الفرنسي بتهمة العداء للسامية. لم يشفع له شيء بعدم إدانته في ذلك القضاء. لستُ الآن في معرض الدفاع عن فيلسوفٍ من وزن روجيه غارودي. جئت بقضيته مثالاً على ما يمكن أن يكون في انتظار نادي (فلسطين) التشيلي... حسن سامي يوسف . من رواية ( عتبة الألم ) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق