الأحد، 28 سبتمبر 2014

كنت أتأملها من بعد هذه الغيبة الطويلة، وكان لديّ شعور غريبٌ، ولكنه ثابت: نحن لم نفترق لأكثر من يومين اثنين فقط. ذهبتِ المرأةُ إلى منزل والديها لأن أمها كانت مريضة. وها هي تعود الآن إلى بيتها. وأظن أنها كانت تفكر بالطريقة ذاتها، فقد ظهرت في عينيها، رويدا رويدا،غلالةٌ من دمعٍ شفيف.ولكنّ المشكلة أنّ تطوراتٍ كثيرةً وقعت في هذين اليومين. أين أذهب برشا ؟ لا أستطيع أنْ أتخلى عن هذه البنت التي أجزم في الصباح من كل يوم أنها تمسك بخيوط ما تبقى لي في هذه الحياة، ثم في المساء أجزم بأنّ هذه البنت لا تمسك بأيٍ من خيوط تلك الحياة المتبقية. قلت لعزّةَ وأنا أنظر في عينيها:" لن أتخلى عنك.هذا وعد.والآن قولي لي:ما حقيقة وضعك؟ ما حقيقة احتياجاتك؟ دعينا نبدأ باحتياجاتك المالية. قولي ولا ترحميني، وأعدك بأن أجعلك في غير ما حاجةٍ عند العاشرة من صباح غدٍ." والتزمتُ بالوعد الذي قطعته على نفسي أمامها. وسافرت إلى القاهرة. وتخليتُ عنها، لأنني في الحقيقة رجعتُ إلى دمشقَ بسبب رشا، وليس بسبب عزة، التي كنتُ قد صارحتها بأنّ أحداثاً كثيرةً وقعت في ذينك اليومين اللذين غابتهما عن البيت. وحدثتها عن رشا. وفي الحقيقة أنني خجلتُ لاحقاً من تلك الصراحة. وما مردُّ خجلي إلا احترامي ل (سر السعادة). لا يجوز أن نبصق في ماضينا، فإننا نكون عندئذٍ كمن يبصق في روح الوجع. أم تراني أجلد نفسي على ذنبٍ لم أرتكبه؟ أظن أنني كذلك. الصراحة خيرٌ من الغموض. قالت لي بعد أن اجتمعتْ برشا مرّةً: ولكنها طفلة. قلت: أعرف. قالت: إذن ماذا؟ قلت: لا أعرف.. قالت: ما الذي يحدث معك؟! ألا تكفينا المصائب التي من حولنا؟ ما الذي يحدث معك؟! ما الذي يحدث في هذه المدينة ؟!. وهأنذا الآن أفكر بالسؤال ذاته.. ماذا يحدث في هذه المدينة غيرُ تقلباتٍ عنيفة وانعطافات حادة؟ انعطافاتٌ لا يقدر على القيام بمثلها حتى (شوماخر) صاحب الأرقام القياسية في سباق السيارات. ولكنّ شوماخر يتبارى مع الآخرين في ميادين الرياضة وليس في حلْبة الشرور.وهذا فارقٌ مخيف.نحن نتسابق في الرداءة. إلى أين وصلنا يا الله ؟ وماذا زرعنا لنحصدَ هذا الخراب كله ؟! لن تحصد القمح إن كنتَ قد زرعتَ شعيراً.ولن تحصد شعيراً إن كنتَ قد زرعتَ زيوانا. هذا أمرٌ يعرفه حتى الأطفال الصغيرون. إذن، علينا أن نغيّر شيئاً ما في صيغة السؤال: مادام الجَنْيُ هذه الكوارثَ فما طبيعة الشرور التي زرعنا ؟ الأمر يحتاج إلى بحث مستفيض.إننا غالباً ما نتباهى بأنّ دمشقَ أقدمُ عاصمةٍ مأهولةٍ في العالم. وهي كذلك فعلاً. ولكنّ هذا الكلام يحمل في طيّاته إهانةً لنا كبيرة.نحن الأقدم. إذن، نحن أصحاب الخبرة الأكبر.هذا ما يقوله المنطق. منطق الحياة. منطق التاريخ. فالخبرات تراكمية. ما الذي تراكم لدينا في واقع الحال ؟ أتحدث عمّا قبل الكارثة. لدينا واحدة من أسوأ البنى التحتية في عواصم الدنيا.أظن أن دمشق في عام 2010 احتلت المركز (157) في عالم الإنترنت بين تلك العواصم المئتين . لدينا شبكة كهرباء فائقة التخلف. أما هذا الاختراع العجيب الذي اسمه طرقات فإننا نتحدى به شوماخر نفسه ، وليُحضِر معه من شاء من المتسابقين الأقوياء إلى حلْبة تخلفنا. سوف نصرعهم جميعاً.بالضربة القاضية. وبسرعةٍ قياسية. لدينا من التخلف ما يسمح لنا بتنفيذ هذه المعجزة التي ليس فيها غيرُ إعجاز التخلف. نقول إننا أول مَن بنى المساكن الجميلة.آلاف الأعوام نبني أجمل مساكن العالم: المنزل الدمشقي الذي هو جوهر العمارة العربية والإسلامية. حتى تلك التحفة المعمارية في مدينة غرناطة الإسبانية، والتي تُشتهر باسم (قصر الحمراء) ليست، في حقيقة الأمر ، إلا منزلاً دمشقياً بأبعادٍ معمارية عملاقة. لم أعثر خلال جولتي في ذلك القصر على تفصيل واحد ليس معروفاً لدي.والسبب في ذلك بسيط:أنا قادمٌ من دمشق وليس من نيويورك مثلا أو طوكيو أو مونتريال.كان القصر في ذلك اليوم يغصّ بالسائحين الأمريكيين واليابانيين والألمانيين والفرنسيين، ومن جميع جنسيات الأرض.الجميع كان مندهشاً من سحر المكان، منشغلاً بالتصوير إلى حدود الهبل بكل واحدٍ من التفصيلات التي يمرّ بها أو تمر به.لا يريد أن يفوته شيء من هذه الفتنة الآسرة.وحدي كنت في القصر بين جميع الحضور غير مندهشٍ.من المؤكد أنّ الأبعاد المختلفة قد لفتت انتباهي بقوة. أما التفصيلات فإنني أحفظها عن ظهر قلب. سبق لي أن سكنت عامين كاملين في أحد المنازل الدمشقية القديمة. وكنت أحلم دائماً بشراء منزلٍ في ذلك الجزء المفضل عندي من العالم.ولكن الأسعار كانت تسبقني دائما بخطوةٍ، أو بخطوتين أحياناً. ما من عمارة عربية أو إسلامية حول العالم ليس فيها رائحة دمشق، حتى (تاج محل) نفسه يعبق بتلك الرائحة الزكية. مئات السنين، بل الآلاف منها ، ونحن نبني أجمل مساكن الأرض..وفجأةً (في نصف قرنٍ واحدٍ فقط) نجد أنفسنا مقمّطين بالأحزمة العشوائية. والأنكى من هذا كله أننا مازلنا نتغنى بالياسمين الدمشقي.أكثر من نصف سكان دمشق ( أكثر من ثلاثة ملايين إنسان ) يقيمون في منازل غير مقبولة للاستهلاك الآدمي. منظر هذه المنازل غير صالح ٍ حتى للنظر، فهو يجرح العين بفجاجته. كيف نمت هذه العشوائيات ؟ من الذي سمح ببنائها أصلاً ؟ عشرات الأسئلة المعيبة.وكلها قبل وقوع الكارثة.أما وأنّ الكارثة قد وقعت فلم تعد المسألة في العيب وحدَه. لقد صارت المسألة أولاً في الشر الذي بات يسكننا. دمشق التي نتغنى بها لم تعد موجودة.بقي منها اسمها العريق ونساؤها الجميلات.ولا شيء آخر.فلولا أنّ في دمشق رشا ومثيلاتها لقلت: لقد باتت هذه المدينة ملعونةً تماما. ولكن حتى رشا.هل هي في مأمن من التشوّه أو حتى من الانقراض؟!هل هي في مأمنٍ من الذئاب الشابّة منها أو الشائخة ؟ اتصلتْ بي قبل فيلم الرعب بقليل.كنت أتناول القهوة في الكفتيريا بعد .قالت:"صباح الخير ! " ضحكتُ. فعن أيّ صباحٍ بعد العِشاء تتحدث هذه البنتُ المجنونة ؟ ردّت على ضحكتي تقول:" يبدأ صباحي أنا عندما أسمع صوتك." قلت لها:" ليت الوقتَ كان نهاراً !" قالت:" لماذا؟" قلت:" اشتقت إليك يا رشا." وماذا بعد؟ أوليس هذا الاشتياق ضرباً من العيب الذي أتحدث عنه ؟ أوليس جزءاً من التخلف؟ من الشر؟ فكيف يمكن لفتاةٍ مقبلةٍ تواً على الحياة أن تقاوم خبرة رجلٍ صارت الحياةُ وراءَه ؟! وهو فوق ذلك يملك عليها سلطاناً اسمه:الثقافة.أوليس هذا ضرباً من استغلال النفوذ، حتى وإنْ كان تحت مسمى الثقافة ؟ فتاةٌ مقبلةٌ ورجلٌ غائرٌ.الربيع والخريف.هذه المثنوية الأزلية. رواء الصّبا الغضّ في مقابل التغيرات الفيزيولوجية الفظيعة التي يسميها الأطباء:عكسيّة. فتاة لم تبرح الطفولةَ إلا قبل حينٍ من الزمنِ قليلٍ كثيراً في مواجهة بهلوان يقدم لها خدائعَ الحياة على نحوٍ يثير الإشفاقَ حيناً والإضحاكَ حينا.رجل يستطيع أن يتحدث ساعاتٍ طوالاً عن البون الشاسع بين القشيري وبين مجنون ليلى. " القشيري،على قلّة إنتاجه، لا عديلَ له بين شعراء الغزل العِذريّ عند العرب.بل إنه بلا عديل بين شعراء العصر الأموي قاطبةً. لا تنصتي بعد اليوم إلى أساتذتك الجامعيين يا رشا، فهؤلاءِ متخمون بالجهل.تريدين أن تعرفي طبعا وجه التفرد لذلك الشاعر الذي مات في الثالثة والعشرين من عمره.هذا حقك بالتأكيد.هذا واجبي كذلك.إذن، اسمعيني قليلاً." والقليلُ يصير كثيرا.والبنت تنصت بحواسها جميعا لكلّ التّرهات التي طالما أتقنها هذا المثقف في مراتٍ سابقة. إنها الوصفةُ المضمونةُ النتائجِ ساعةَ نصب شباك الغواية.إنها الوصفة السحرية بين شروق الشمس وأفول القمر.اشتقت إليك يا رشا.أم تراني كاذبا ؟ أم إنني ذئبٌ بلغ من العمر عِتيّا وآن له أن يتلقى الضربة الأخيرة ويهوي إلى قاعٍ سحيقٍ لا قاعَ له ؟ أظن أنه يجب عليّ أن أكون سعيدا لأن هذه المدينة قد صارت بلا ليل.أسئلة كثيرة تدور في رأسي كل يومٍ عن هذه المدينة التي باتت بلا ليلٍ.لا سهر.لا كتابة. كثيرون هم الذين يسألونني:كيف تقضي الليل هذه اﻷيام إذن ؟

هناك تعليق واحد:

  1. أبحث عن قرض فوري تطبيق
    تقدم بطلب للحصول على قرض نقدي عبر الإنترنت بأسعار فائدة منخفضة واحصل على موافقة فورية. اتصل بنا عبر البريد الإلكتروني:
    contact@sunshinefinser.com أو
    واتساب: +919233561861

    شكرًا

    ردحذف