أواخر عام 2010.. كنت عائداً إلى دمشقَ جوّاً من سفرةٍ بعيدةٍ بعضَ الشيء. كانت زوجتي تنتظرني على المطار. استقبلتني بلهفة. أو: هكذا بدتْ لي، فقد جاهرتْ بالسخط على نفسها إذ لم تتذكر أن تحضر لي معطفاً إلاّ بعدما صارت على بعد أكثرَ من خمسةَ عشَرَ كيلومتراً عن المنزل. قلت لها:" فداكي!" وبينما كنّا نهمّ بمغادرة صالة المطار لمحتُ رجلاً طالما بحثتُ عنه. رجلٌ ستينيٌّ، أبيض الشعر، مربوع القامة. كان ينظر إليّ. وعندما التقت عيناي عينيه ابتسم لي. إذن، الأمر ليس حلماً كما حاولت أن أقنع نفسي سنينَ عددا. الأمر حقيقيٌّ، ملموس. من الواضح أنه كان ينتظر قادماً ما من مكانٍ ما. قلتُ لزوجتي: لحظة وأعود. تركتها وذهبت إلى الرجل الذي طالما بحثتُ عنه. صافحني بحرارة، وقال لي إنه يتابع مسلسلاتي مع أسرته ( يبدو أنه ربُّ أسرةٍ مثالي ) ، وأنه شديدُ الإعجاب بمسلسل ( زمن العار ). ابتسمتُ وقلت له:" زمن العار مسلسل تافه." قال متصنعاً الاحتجاج:" لو كان تافه ما كان أخد كل هالسمعة وكل هالجوائز." قلت:" اتركني من المسلسل. ثم إنو زمن العار الحقيقي لسه ما إجا. عَ الطريق، بس بعدو ما وصل." قال:" ليش إنت دائماً متشائم؟! بالعكس، لازم تكون مبسوط.. مسلسلات كتيرة يخزي العين، وجوائز كبيرة هون وهنيك. أكيد اشتريت فيلا ومرسيدس." وقبل أن أطرح السؤالَ الذي يؤرقني سارع يقول:" يا ترى هالصبية الأمّورة بنتك؟" " نعم بنتي." واستدركت من فوري متظاهراً بالممازحة، وقلت:" وبالمناسبة، فلسطينية كمان." وكنت أدري لماذا كان لديّ تلك الرغبة الأكيدة بالاستدراك. ضحك الرجل مجارياً إيّاي بطرافة الاستنتاج المذهل الذي توصلتُ إليه، وقال:" الله يخليلك ياها ! " قلت له:" عندي سؤال واحد يا ريت تجاوبني عليه." " تفضل." " إنت مين؟ قصدي شو بتشتغل؟" " متقاعد. صرلي سنة متقاعد." " وقبل التقاعد؟" " بصراحة؟" " شو هالسؤال النهفة؟! ليش عندك أكتر من جواب واحد عن كل سؤال؟!" ضحك وقال:" كنت بالأمن." " ضابط؟ مساعد؟ رقيب؟ مُخْبر؟ شو؟" " عقيد. وأرجوك لا بقى تسألني عن الموضوع." " مبلى، بدّي أسأل - قلت بعناد - البيت يللي..." قاطعني يقول:" ما رح جاوبك. لا تتعب حالك. لا تسألني." بدا لي كلامه هذا غيرَ قابلٍ للطعن. رحت أحدّق فيه ببلاهة. ابتسم وقال:" ما حلوة تترك الصبية عم تنتظر." قلت:" معك حق." وكان قد أُسقِطَ في يدي تماماً. تصافحنا من جديد، وانصرفتُ إلى المرأة الغاضبة على زوجها الذي تستقبله بلهفة، فيروح ينشغل عنها بمحادثة رجلٍ غريب. سألتني ونحن نخرج من صالة المطار:" مين هادا الزلمة اللي تركتني واقفة لحالي متل الهبلة منشان تروح تحكي معو؟" ماذا أقول لها؟ كيف أجيب عن هذا السؤال البسيط؟ هل أحدثها عن رجل الأمن الذي ربما كان حاضراً في منزلنا كلَّ صباحٍ أو كلَّ مساءٍ وهي تستمتع بتناول النسكافيه مع صديقاتها في الصالون أو على الشرفة، حسب الطقس؟ وماذا أجني من جوابٍ كهذا؟ لا شيء بالتأكيد إلا زرعَ بذرةٍ من شكٍ قد لا يكون له ما يبرره في واقع الحال.. والشكُّ عديلُ الجحيم.. أعرف الأمر من تجربتي الشخصية.. لُذْتُ بالصمت متظاهراً بعدم سماع السؤال. ولكنّ المرأةَ لم تقنع بصمتي. توقفتْ مثلَ طفلٍ حَرِدٍ، ونظرت إليّ بإصرار، وقالت:" ما جاوبتني.. مين هادا الزلمة؟!" قلت:" هادا الزلمة ولا حدا." " كمان!" وعندما تعلن المرأة هذه ال " كمان " المصحوبة ليس بمئة إشارة تعجب، بل بألف إشارة احتجاج، يصير على الرجل أن يكون مهادناً إلى أبعد حدٍ يستطيع الوصول إليه.. كان الوقت قبل الغروب، والطقس شديد البرودة. رفعتُ ياقة سترتي أحمي بها رقبتي من لسع هواء صقيعيّ ( في اليوم التالي هطلت ثلوجٌ كثيرةٌ على المدينة ) . ركبنا سيارتنا. زوجتي وراء المقود، وأنا أجلس بجوارها. أشعل سيجارة. كان التدخين قد صار مسموحاً في السيّارة، وصار مسموحاً في المنزل أيضاً. زوجتي نفسها صارت تدخن السجائر. لعلّها يئستْ من إصلاحي. يئستْ من ترقيتي إلى مستواها، فقررت النزول إلى مستواي.. حلٌ أبلهُ لمعضلة المساواة. والحلول البلهاءُ لا تقود إلى مطرحٍ آمن، فلا تتنازلنَ أيتها النساء! الرجال طمّاعون بطيبتكنّ. طمّاعون بلا حدود.. أدارت المرأةُ الغاضبةُ زرَّ تشغيل المسجلة من دون ذرّة تنازلٍ عن وجومها.. فيروز.. بواب بواب.. شي غُرُب شي صحاب.. شي مسكّر وناطر.. تيرجعوا الغيّاب.. كنت أختلس النظرَ إلى وجوم المرأة، وكنت أعرف دواءه. الهدايا التي في الحقيبة سوف تصلح الموقف. أو هذا ما كنت أرجوه، فليس الآن وقت المشكلات الزوجية. كان أمامي عملٌ يلحُّ عليَّ المنتج إنجازه بسرعة : اللمسات الأخيرة على مسلسل ( الغفران ) . اتصل بي الرجل غيرَ مرّةٍ وأنا في السفر:" عجلة الإنتاج بدأتْ تدور، فلا تخذلني يا أستاذ!" كنت آمل أن تأتي الهدايا بنتائج طيبة. ولكنّ تقديم الهدايا يحتاج الوصول إلى البيت . والبيت مازال بعيداً. والسيّارة تمضي بنا، وحبات مطر صغيراتٍ تساقَطُ على زجاجها، وتلاصَقُ به. تأبى أن تهجره، فتروح تعمل الماسحتان ببلادة تبعث على الضجر.. كنت أرجو لو يهطل غيثٌ كثير، ولكنّ الغيومَ خذلتني. والسيّارة تمضي بنا. وتلوحُ في البعيد، رُغمَ الغيومِ وحبّات المطر، تلك الصخرةُ التي اعتدنا أن نسميها جبلا، واعتدنا أن نسمي الجبلَ قاسيون. لعلّها الصخرةُ الأكبرُ حجماً في جميع الأرض. وإنْ كانت كذلك نكون أصحابَ رقمٍ قياسيٍٍّ نستأهل بموجبه أن ندخل موسوعة غينيس. ولكنه - للأسف الشديد - ليس من صنعنا.. إنها يدُ الله.. وأنا أمعن النظر في قاسيون وفي المدينة المفروشة على ثَنَياته، وأحاول أن أنسى العقيد وسؤالَه العبقري.. ودمشق تقترب كثيراً، كثيرا.. وفيروز تكاد أن تعصرَ القلبَ من وجعٍ ينتظر هذه المدينةَ في القريب من مُقبل الأيام : وقت اللي بلوّح لك وبسكّر الباب بياخدني الحنين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق