الأحد، 28 سبتمبر 2014

. وقالوا: لا وجودَ لهذه البنت في الحياة، ولم يكن لها وجودٌ في يومٍ من الأيام. ولا أعرف كيف جزموا بهذه المعلومة الأخيرة، فقد احترق السجل المدني لفلسطينيي مخيم اليرموك بالكامل. في هذه الحال، أنا أيضاً لا وجود لي في هذه الحياة. ولكنني في الحقيقة موجود.أجلس الآن إلى الكومبيوتر في ركن الكتابة في منزل أحد أصدقاء عمري حيث أقيم منذ شهورٍ وحيداً عند سفوح جبل قاسيون. أشرب قهوةً وأدخن سيجارة في وقت متقدمٍ جداً من ليلةٍ باردة. وأسمع أم كلثوم تغنّي من ألحان محمد القصبجي : العين عزيزة والقلب غالي..إنني موجود.حواسي كلها ناشطة.العين لا تكذب.أمامي على الطاولة ومن حولي قرابة خمسَ عشرةَ علبة سجائر معظمها فارغ تماماً، ولا أعرف لماذا لا أرميها في كيس الزبالة بعد، وعلى سطح الطاولة من يميني جهاز موبايل يسمونه ذكياً، من دون أن أعرف وجه ذكائه، فأنا لم أستخدمه طوال ثلاثة شهور تقريباً إلا كوسيلة اتصال بدائية. فقط. لم أتقن استخدامه بأكثر من هذا إلا مؤخراً. صرت قادراً على الدخول بواسطته إلى حسابي في الفيس بوك. واعتبرت نفسي بهذا الإنجاز البسيط أهمّ من بيل غيتس شخصياً.أحدُ أبناء أحدِ أخوتي ابتلاني به في القاهرة. كنت قد أعطيته نقودا ليشتري لي أشياء أحتاجها. غاب الشاب عني ساعة من الزمن، وعاد يحمل إليّ هذا الجهاز، وقال:"هذا ما تحتاجه." واكتشفتُ من اليوم الأول بعلاقتي مع الذكاء أنّ الشركة الصانعة قد ارتكبت خطأً فنياً لا يُغتفر عندما نسيت أن تكتب تحذيرا صريحاً يقول: (يُمنع بيعُ هذا الجهاز لمن تجاوز الثانيةَ عشرةَ من العمر.) وبجانب جهاز الموبايل أرى بعض الأدوية أيضاً.أحدها عقارٌ منوّم (أعاني أرقاً مزمناً، وسوف أعود إلى هذه المسألة بعد قليل). جرّبتُه عديدَ المرّات ولم أحصل منه على غفوة حتى لو كانت قصيرة، رغم أنّ الشركة الصانعة (وهي إحدى الأذرع الأخطبوطية في تروست الصناعة الدوائية الأمريكية) تؤكد في النشرة المرفقة أنه عقارٌ أكيدُ المفعول.هذا العقار الأمريكي الأكيد المفعول شديدُ الشبه بتلك المتممات الغذائية الأمريكية وغير الأمريكية التي تملأ صيدليات الدنيا، والتي تعِدُك بالنشاط والحيوية من دون أية أعراضٍ جانبيةٍ غيرِ مرغوبٍ بها. لقد جرّبتُهاهي أيضاً. وجدتها غير ضارّة في شيء على الإطلاق. ولكنها في الحقيقة ليست نافعة كذلك. ورغم هذا فإنني لا أتوقف عن شرائها بين حينٍ وحين. ماذا لديّ على الطاولة أيضاً؟ كتاب (الحماسة): أقولُ لصاحبي والعيسُ تَهوي / بنا بينَ المُنيفةِ فالضِّمارِ...تمتّع مِن شميمِ عَرارِ نجدٍ / فما بعدَ العشيّةِ مِن عَرارِ... القشيري في حماسة أبي تمّام. وبجوار (الحماسة) قطعة شوكولاتة لا أتذكر متى اشتريتها، ولا أتذكر أنني قد اشتريتها لنفسي. ربما اشتريتها لرشا ونسيت أن أحملها إليها، نسيت رغم أنّ ذاكرتي قوية، أو حتى قوية جداً. قويّة إلى الحد الذي يجعلني أومن بوجود رابطة أكيدة بين الأرق وبين قوّة الذاكرة.أظن أنّ الأطباء الذين زرتهم في عياداتهم بشكوى الأرق لم يحسنوا التشخيص. لم يسألني أيٌ منهم شيئاً عن ذاكرتي التي تستحضر آلاف الأسماء والأحداث في لحظة قصيرةٍ جداً من عمر الزمن. عند العصر من يوم أمس، مررتُ بأولادٍ يلعبون كرة القدم بصخب في الطريق بينَ السيارات، غيرَ مبالين بالقذائف المدفعية والصاروخية التي تطير فوق رؤسهم منطلقةً من قمم قاسيون إلى شرق المدينة وجنوبها. الأطفال خُلقوا للعب، فكيف لأحدٍ أن يلومهم وهم يمارسون كرة القدم، حتى لو بينَ السيّارات في الطريق؟ إنه المكان الوحيد المتاح لهم في الدنيا من أجل أن يلعبوا. ذكر أحدُهم اسم (ميسي) لاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير. ربما كان الطفل يُشبّه نفسه بميسي من بعد رميةٍ جيدة، أو من بعد هدفٍ قد سجّله بين سيارتين تحتلّان نصفَ الشارع، وثلاثةَ أرباعِ الرصيف. كان الطفل مبتهجاً وفخوراً على نحوٍ مجنون. أما أنا فقد تابعت طريقي بهدوء وقد حملني الاسم سريعاً إلى برشلونة حيث يلعب هذا الشاب الذي صار ثالث الأساطير التي قدّمتها الأرجنتين للعالم من بعد مارادونا و تشي غيفارا. انفلتت السلسلة من عقال الذاكرة دفعةً واحدة. برشلونة المقتولة.عاصمة الثورة الإسبانية. المدينة الذبيحة من الوريد إلى الوريد. ذبحها الجنرال (فرانكو) والعالم كله يتفرج. فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة،الخ... الديمقراطيات كلها حجزت لنفسها مقاعد في صفوف المشاهدين. ما الداعي لاستفزاز الجنرال المدعوم من النازية على نحوٍ سافرٍ في بغضه؟ ما الداعي لاستفزاز الفوهرر القابع في برلين، والقابض على آلةٍ عسكرية لم تعرف البشرية لها نظيراً في جهنميتها؟ الجميع يتحاشى صداماً مع النازيّة، حتى الاتحاد السوفياتي. كان يعلن تعاطفه مع الثورة الإسبانية في وسائل الإعلام المختلفة، وكان في الوقت عينه يمدّ الآلة العسكرية النازية بالنفط ومشتقاته. كانت الثورة الإسبانية يتيمةً، فالجميع يؤْثر السلامة، لأنّ هتلر ينتظر ولو مجرد احتجاجٍ من أيّ أحدٍ في ديمقراطيات العالم.سوف يكون ذلك الاحتجاج على ما يجري في إسبانيا من مذبحة سبباً وجيهاً لإحراق العالم كله.إلهُ النازية يبارك القتل بلا حدود.حتى إنّ النازية تكفلت بالمهام التي كان يصعب على الجنرال تنفيذُها. والديمقراطيات تظل تؤْثر السلامة. من يجلب الدّبّ إلى كرمه غيرُ الأحمق ؟ أتذكر جيداً أنّ سلاح الجو الألماني هو الذي ارتكب مجزرة (غيرنيكا). وأنه قد فعل ذلك بناءً على طلبٍ من الجنرال، من بعد أن استعصت المدينةُ على قواته. تقول الكتب جميعها (المتخصصةُ بهذا الشأن) إنّ أشعة الشمس قد حُجبت عن المدينة في نهار المجزرة، فقد كان في سماء ذلك النهار ألفٌ من قاذفات القنابل النازيّة. أتذكر الأندلس وشاعرَها الجميلَ( لوركا ) ولحظةَ إعدامه، من بعد محاكمة ميدانية قصيرة، بتهمة التحريض على الثورة ضد الجنرال البغيض. لوركا خرج من الحياة إلى الأبد، وإلى الأبد ترك وراءه عرس الدَّم و بيت برناردا آلبا. أتذكر آرنست همنغواي. لِمنْ تُقرع الأجراس؟ حقاً، لمن كانت الأجراسُ تُقرع يا آرنست؟ من أجل أية قيامةٍ كانت الأجراسُ تُقرع ؟ أتذكر موت الجنرال من بعد ما يقرب من أربعين عاماً على المجزرة التي ارتكبها في البلاد طولاً وعرضاً.سمع الجنرالُ المحتضرُ ضجةً تحت القصر. سأل المحيطين بفراش موته:"ما هذه الضجة التي أسمع؟" قالوا له:" إنه الشعب الإسباني يا سعادةَ الجنرال..الشعب الإسباني جاء يودعك." ولم يفهم الجنرال ما قيل له. لم يستوعب أنه مائتٌ، فمِثلُه لا يموت. مِثلُه خالدٌ خلودَ الوجود نفسه، إن لم يكن خلودَ الله سبحانه، وأستغفر الله العظيم لي وللجميع. قال الجنرال للمحيطين به:" ولماذا جاء الشعب الإسباني يودعني؟ إلى أين هو راحلٌ شعبي الحبيب ؟!" وتظلّ السلسلةُ منفلتةً من عقالها على نحوٍ شيطاني.أتذكر موت قيصر الفاشيّة الإيطالية، فالموتُ بالموتِ يُذْكَر. وأتذكر الواقعية الجديدة التي صنعها شبابٌ إيطاليون موهوبون . بل إنّ موهبتَهم لا ضفافَ لها.. روما مدينة مفتوحة و سارق الدراجات و الأرزّ المرّ و ليالي كابيريا و معجزة في ميلانو و امرأتان. هناك كان حاضراً ذلك الفرنسي المدهش: جان بول بلوموندو. من لم يشاهد بلوموندو مرةً تظل حياتُه ناقصةَ الدهشة.. بيير المجنون..على آخر نَفَس..الموجة الفرنسية الجديدة.. فرنسوا تريفو.. الأربعمئة ضربة..جان لوك غودار..حَمَلَةُ البنادق..أتذكر ذلك العرض الموسيقيّ المذهل: أمريكي في باريس.وهذا بدوره يأخذني إلى الرقص في المطر و قصة الحي الغربي. أتذكر(ناتالي وود) على نحوٍ خاصٍ جداً. كان عمري ستةَ عشَرَ عاماً حين بعثت ُإليها رسالة غرام إلى هوليود. كتبتُها بلغةٍ إنكليزية ركيكة. خجلتُ من عرض الرسالة على أخي يوسف. أخي الكبير. يوسف سامي يوسف. كان يعرف اللغة الإنجليزية على نحوٍ أكثرَ من كثير، مما جعله ندّاً قوياً ل ( ت.س. إليوت ) عندما ترجم عديد قصائده إلى اللغة العربية. نعم، خجلت. فلتبق الأخطاء اللغوية على ما هي عليه. وبررت خجلي بضرورة التكتم على حبيَ الكبير لنجمة هوليود الساحرة. أظنها كانت في السادسة والعشرين من عمرها وقتئذٍ. واليومَ أومن بأن تلك الرسالة لم تصل إلى المرسلة إليها، فهي امرأة فائقة النعومة، وفائقة الرهافة. كان من المحال ألا ترد عليّ ولو بكلمتين أو ثلاث. كتبت أشكو لها ما ألاقي من الأرق. لم أخبرها بشيء عن الذئب الصغير الذي أنا عليه (الجروُ الضائعُ وليس الحَمَلَ الضائع.. أرجو أن تنتبهي للفرق يا آنستي !) ولكنني في الحقيقة حذفت هذه الجملة من صيغة الرسالة النهائية، ولم أخبرها بشيء من أمر ذلك الذئب الصغير الذي يعيش معي وأعيش معه والذي يحرمني النومَ كلّ ليلة. قلت لها: إنني لا أنام الليلَ بسببكِ أنتِ يا حسناءَ النهار.. تذكرتُ مليوناً من التفصيلات ولم أكن قد ابتعدت عن ميسي الصغير أكثر من عشرين خطوة ، فما زال الطفل يصرخ مبتهجاً من الهدف الأسطوري الذي سجله في فرجةٍ بين سيارتين تحتلان نصف الطريق وثلاثة أرباع الرصيف ، وتعيقان حركة المركبات والمشاة في آن ... من : يوميات كاتب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق