إنه أحد شباب مخيم اليرموك الذين التقيتهم بالمصادفة في مدينة السادس من أكتوبر في ضواحي القاهرة. وكلمة المصادفة في ذلك المكان والزمان ﻻ معنىً حقيقيٌ لها،ﻷنها مستنسخةٌ من الحتمية. فالمكان يعجّ باللاجئين السوريين والفلسطينيين السوريين. أظنه اﻵن قد أقفرَ منهم. كنا في أوائل الصيف (2013)، وكان يلزمني بعض الثياب التي تلائم الطقس الحار، فقد غادرتُ دمشق في عز الشتاء. لفت انتباهي وأنا أتسكع في سوق المدينة المركزية قميص (تي شيرت )أبيض اللون يرتديه شاب طويل القامة، ناحل القوام، أسمر البشرة، في أواسط العشرينات من العمر، وعلى صدر القميص صورة كبيرة لِ (حنظلة). أعجبتني الفكرة، فأنا أيضا من المغرمين ب (ناجي العلي). قلت للشاب:" قل لي من فضلك؛من أين اشتريت هذا القميص؟" قال:" ليس من هنا." "ماذا تقصد ب هنا؟" ابتسم مختصرا احتماﻻت سوء التفاهم:" هذا القميص اشتريته من مخيم اليرموك." " آ..أنت فلسطيني إذن. " " نعم.فلسطيني من مخيم اليرموك.اسمي عامر." تصافحنا، وقدّمت له نفسي أيضا. قال إنه يعرف هذا الاسم جيداً، وإنه يعرف شخصا من أقربائي. ودعاني لتناول كأسٍ من عصير قصب السكر. قبلت دعوته، وجلسنا على أحد اﻷرصفة نشرب العصير ونتحدث في شؤون المخيم بخاصة، وشؤون الفلسطينيين عموما. حدثني مطوّﻻً عن القصف الذي استهدف المخيم "قصف عشوائي تماما." تركته يسترسل بالحديث. لم أخبره مثلا أنني كنت شاهدا ًعلى ذلك القصف وتلك العشوائية، وأنني أقمت تحت القنابل ثمانية أيام قبل أن أهرب في اليوم التاسع بعد أن سقطتْ إحدى القذائف على المنزل الملاصق لمنزل أخي حيث كنت أقيم. لقد قتلتْ تلك القذيفةُ والداً وما وَلَد. تركتُ الشاب يروي تجربته مع القصف كما عاشها هو ﻻ كما رأيتها أنا، فقد بدا لي أنه كان ناشطاً في المخيم، وبالتالي فإنّ معرفته بحقيقة ما قد جرى هناك أكثر صحةً وشموليةً من معرفتي أنا بالأمر كلّه..سألته: " تتحدث عن المهارة التي عوقبتم عليها، متى وأين اكتسبتم هذه المهارة ؟ " قال:" كان لنا تجربةٌ صغيرةٌ في العمل اﻹغاثي قبل سنواتٍ قليلة. هل تتذكر قصة الفلسطينيين العراقيين الذين هربوا من سكاكين مليشيات السلطة هناك؟" "طبعا أتذكر. لقد هربوا إلى سوريا." " صحيح وغير صحيح. سوريا لم تسمح لهم بالدخول إلى أراضيها ﻷكثر من عدّة كيلومترات. بنوا لهم خياما في الصحراء مع العقارب واﻷفاعي. كانوا بلا طعام، بلا دواء، بلا كساء، بلا نقود، بلا أي شيء. هربوا من المذبحة بأرواحهم فقط، فكانوا يحتاجون إلى كل شيء، وصرنا مضطرين على أن نحمل إليهم كل شيء، بما في ذلك الماءَ الصالحَ للشرب. لم يكن في مخيم اليرموك مشكلة بتجميع المال الضروريّ ﻹغاثة شعبنا. أهل الخير في المخيم كثيرون.المشكلة كانت في أن ذلك المخيم الصحراوي يبعد مئات الكيلومترات عن مخيم اليرموك. ومع ذلك نجحنا. و أطباء المخيم فيهم البركة." قلت:" أنا ﻻ أراها تجربة صغيرة. فلماذا تسميها أنت كذلك؟" قال:" كان العدد وقتئذ محدودا. لم يصل الرقم اﻹجمالي للهاربين من المجزرة إلى عشرين ألفا. أما عدد السوريين الذين نزحوا إلى مخيم اليرموك، فالله وحده يعلم به." " ألم يكن لديكم سجلات؟" "ﻻ. لم نهتم بهذا الجانب من المصيبة." "هل يمكن الحديث عن نصف مليون نازح كما يقول بعضهم ؟ " " ﻻ. هذا رقم كبير جدا. أظن أن مجموع من نزح إلينا أقل من نصف هذاالعدد." " هل تعرف من كان البادىء بقصف المخيم؟ النظام يقول: العصابات المسلحة هي من استجرّ الفلسطينيين إلى النزاع المسلح، بينما تقول المعارضة بخلاف هذا تماما، فأين الحقيقة ؟ " " الحقيقة أنّ من يقصف المخيم الآن هو النظام وأزلامُه من الفلسطينيين. أما البدايات، فلا أحد بريء.حتى هؤلاء." وأومأ بعينيه إلى عامة المارّة. قلت:" وما دخل هؤلاء الغلابة؟" قال:" ونحن ماذا؟ألسنا غلابة مثلهم؟!" "بلى.مثلهم أو أكثر." "إذن، لماذا يقسون علينا؟" قلت مبتسماً:"لا يقسو على الغلبان إلا الغلبان.""ولكن المفروض أنّ العكس هو الصحيح.المفروض ألا يحنّ على الغلبان إلا الغلبان مثله."وصمت لحظة قصيرةً وأضاف: "هل تستطيع أن تدلّني على السبب الذي يكرهوننا من أجله؟" أظنني كنت قادراً على الإجابة عن هذا السؤال، ولكني آثرت الصمت من خشيةٍ أن أبدو مملّا ًمثل أولئك المحللين الاستراتيجيين الذين يحتلّون شاشات التلفزة العربية بالطول و بالعرض. قلت:" وأنت تظن أن النظام قصف المخيم بسبب إيواء النازحين؟" "أعطني سبباً آخرَ." "وجود مسلحين مثلا في المخيم." ضحك،وقال:"مسلحون يعني السلاح. فلو كان لدينا سلاح لما هجمنا على الجولان في الذكرى الأخيرة للنكسة بقبضات عارية، ولما سمحنا لليهود أن يقتلوا عشرين شابا ًمنا ونحن بلا حول وﻻ قوة. كنا استخدمنا السلاح الذي تتحدث عنه. كنا أطلقنا النار على أقل تقدير. ولكن الحقيقة هي: لم يكن هناك أي تبادل ﻹطﻻق النار. لقد كنتُ حاضراً مع الشباب في الجولان. أغلبية من شارك في ذلك الهجوم كانوا من شباب مخيم اليرموك. ولكنّ الرصاص كان يئزّ من جانب واحد فقط، فعن أي سلاح تتحدث يا أستاذ؟" وصمت لنصف دقيقة تقريبا قبل أن يضيف:"على أية حال، ما حدث لسورية كان لا بدّ أن يشمل الفلسطينيين فيها."" لماذا هذه اللابد؟" " لأنّ محمود درويش قالها للعرب من زمان." " وماذا قال محمود درويش للعرب؟" " مأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم." ونظر إليّ بطرف عينه ليعرف إن كنتُ قد كشفت أمره.أظنه كان يعلم بأن هذا الكلام ليس لمحمود درويش. حتى إنه صمت برهةً كمن ينتظر ما سوف أقول بهذا الشأن. وأنا لم أقل شيئاً.أظنني كنت أتواطأ معه على الغشّ. لزمتُ الصمتَ بكل سرور. لن أقول له: إن لدى الفلسطينيين شعراء جميلين غير محمود درويش، منهم سميح القاسم، ومنهم أيضاً توفيق زَيّاد، الذي قال للعرب: أناديكم، أشد على أياديكم،أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم، وأهديكم ضِيا عيني، ودفءَ القلب أعطيكم، فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم. أظن أنّ الشاب كان سعيداً بصمتي، أو حتى بجهلي. وأنا ما آثرتُ الصمت إلا لسببٍ بسيط: لن أكسب شيئاً لو خيّبت أمله بمحمود درويش. حتى لو استشهد الفتى بالمتنبي لصادقتُ، من دون تردد، على أن هذا الشعر الجميل منتحلٌ من محمود درويش، رغم الأعوام الألف التي تفصل بين الرجلين. كنت سأفعل ذلك حتما مادام الفلسطينيون بعامة، والشباب منهم على نحوٍ خاص، يصيبون نشوةً غريبةً من أمر هذا الشاعر الذى استحال أيقونةً مقدسة لدى الشعب الذي لم يعد يملك غير الأسى. محمود درويش.. نبيّ الفلسطينيين الجديد.. لقد انتصر الغشُّ بجدارة، وظهر أثره جلياً في وجه محدثي. انتهينا من عصير قصب السكر ونحن على الرصيف جالسيْن بعد. سألني عن غدي. قلت له إنني راحل إلى بيروت بعد أيام قليلة، وقد أرجع إلى دمشق." لماذا دمشق في هذه الأوقات العصيبة؟" " لديّ أسبابي." "الأبناء ؟ الشغل؟" "لا،لا هذا ولا ذاك." ابتسم وقال:" تعود من أجل امرأة إذن." قلت:"ربما عدت بسبب امرأة، وليس من أجل امرأة." نظر إليّ غير مدركٍ شيئا من لعبة الكلمات المتقاطعة هذه. فهمتُ نظرته, ولكن ماذا أقول له؟ هل أروي له قصة شابّة اسمها رشا، تدرس في جامعة دمشق - كلية الآداب - قسم اللغة العربية - وتعشق مثله محمود درويش، رغم أنها ليست فلسطينية ؟.هل أقول له إنني أتصل بها بالموبايل كل يومٍ تقريباً. أو بالأصح: كلّ ليلة، وإننا نتحدث طويلا؟ لم أكن أمانع بالحديث عن هذه الشابّة الجميلة، وعن قصتي - أنا الرجل الكهل – معها، ولكنّ الذي دفعني إلى السكوت خشيتي من أن تبدو الحكايةُ كلُّها خارجَ السياق، فابتسمت وقلت للشاب:"أنا نفسي لا أعرف ماذا يحدث.على أية حال، هكذا المثقفون دائما. يعقدّون البسيط من الكلام والأفكار. ثم دعك مني، وقل لي: أليس ثمة فتاة ٌفي دمشق تستأهل أن تعود بسببها أو من أجلها؟" قال:"بلى." قلت:"حدّثني عنها." "ماذا أقول؟ إنها بردانة." "عفواً؟" "هذه آخر كلمة سمعتها منها." " أين تقيم في دمشق؟" " في المخيم.. مخيم اليرموك." "هل هي فلسطينية؟ " " فلسطينية مثلي ومثلك." " ما اسمها؟" " ليلى." " وما حكاية بردانة؟" "بردانة - وصفن ثانيتين أو ثلاثاً.. يبدو أنه كان يفكر بالترجمة المناسبة للكلمة. وبدا أنه لم يعثر عليها- يعني تشعر بالبرد. قالت لي: بردانة. كان هذا على الموبايل.اتصلتُ بها من هنا, من القاهرة.كانت هذه آخر المكالمات بيننا. كانت في الشتاء الأخير عندما ضربت دمشقَ عاصفة ٌثلجية. كانت المدينة بلا كهرباء، بلا وقود، بلا تدفئة. هل تصدق؟ لقد سمعت على الموبايل طقطقة عظامها من ارتجافة الصقيع." وصمت. لقد هبط عليه حزن ثقيل.جاريته بالصمت لحظةً احتراماً لحزنه، ثم قلت:"وماذا جرى بعدئذٍ؟""لا شيء." " كيف لا شيء؟ " " انقطع الاتصال. ومازال مقطوعاً إلى اليوم. أخشى أن يكون قد وقع لها مكروهٌ ما، فربما عرفوا أنّ أمرَ هذه البنت يهمّني." " ومن يكون هؤلاء؟" " الذين يريدونني حيّاً أو ميتا." " النظام؟ " " النظام وغير النظام." " مَن مثلاً غيرُ النظام ؟" "أوه! كثيرون يا أستاذ.. لقد قلت لك قبل قليل:لا أحد بريء. لقد تعرضنا لخدعةٍ كبيرة. بعض مَن ادّعى ومازال يدّعي أنه جيشٌ حر لم يكن في الحقيقة إلا لصوصاً وقاطعي طريق. سيناريو شديد الخبث يعجز عن حبكته كاتب مثلك مشهود له بالمهارة." " شكراً على هذه الشهادة ! " " أعمالك في غنىً عن شهادتي، ولكن..." " ولكنْ ماذا ؟ لمذا صمتَّ ؟ " " أنت عائدٌ إلى دمشق، فهل تستطيع مثلاً..؟ " " لماذا أنت مترددٌ في الكلام؟. لوعدتُ إلى دمشق فهل ترغب بأن أتصل بهذه البنت وأنقل لها منك رسالة ما؟ أطمئنها عليك مثلاً؟ هل هذا ما تريد قوله ؟" " في الحقيقة نعم. هذا ما أردت أن أطلبه منك، ولكنني أتردد لأنّ موبايلها مطفأ. لن تصل إليها." قلت ممازحاً:"يبدو أنك لستَ مشتاقاً إليها." " ماذا تقول يا أستاذ؟! إنني أفكر بها ليل نهار.أحلم بها ليل نهار. أنا أصلاً كنت أخطط لإخراجها من سوريا بأيّ شكل. كنت أخطط للمجيء بها إلى هنا كي نتزوج. على كل حال، ليتك تحاول أنْ تعرف شيئاً عنها. وشكراً لك سلفاً." "يبدو أنك متشائم حول وضعها." متشائم كلمة صغيرة." " لا أعرف بماذا أستطيع أن أساعدك أكثر من محاولة الاتصال. ومع ذلك.. هل تفهمني؟. أنا أريد أن أقدّم مساعدة ما. ولكنني لا أعرف كيف." "وأنا لا أريد أن أحمّلك مسؤولية.لا أريد أن أورطّك فجأةً بمشكلة أنت في غنىً عنها." "مشكلة من أي نوع؟" "وكيف لي أن أعرف ماذا يحدث هناك بالضبط؟!الله وحده يعلم." "أنا في غنىً عن المتاعب فعلاً، ومع هذا سوف أحاول أن أعرف شيئاً عن حقيقة هذه البنت وحقيقة ما جرى لها؟" "هل تستطيع ذلك؟. أقصد هل عندك علاقات بمسؤولين كبار؟" "أعدك بأن أبذل أفضل ما لديّ." "وأنا لن أنسى لك هذا الجميل مادمتُ حياً." " ولكنني أحتاج لبعض المعلومات. ماذا كانت تشتغل مثلاً، وأين؟" " إنها لا تشتغل. مازالت صغيرة , عمرها تسعة عشر عاماً. مازالت تدرس- واغتصب ابتسامة - حمارة. رسبت بالبكالوريا السنة الفائتة." وابتسمتُ أنا أيضا. وسجّلتُ على موبايلي بعض المعلومات عن تلك البنت التي اسمها ليلى، وسألت:"ولكن، لماذا أنت مطلوب؟هل قتلت أحداً؟هل أطلقت النار على أحد؟" "أقسم بالله العلي العظيم أنني لم أحمل أيّ سلاح، ولو كان مجرد شفرة حلاقة." " وأنا أصدقك، وأعدك بأن أبذل أفضل ما لديّ. لكن، ومن باب الفضول، لماذا أنت مطلوب؟" " يا إلهي !!..هل تستطيع أن تقول لي لماذا يموت هؤلاءِ الذين يموتون في كل ساعة، بل في كل دقيقة في عموم أنحاء سوريا؟" " أرجو المعذرة!اعتبر أنك لم تسمع مني هذا السؤال الأخير.- وصمتُّ لحظً قصيرةً قبل أن أعود إلى الكلام - وماذا أنت فاعلٌ الآن؟" "ماذا أنا فاعل بخصوص أي شيء؟" "ما هي مشاريعك لغدٍ وبعد غد؟ هل ستبقى هنا في مصر مثلا؟" "وسط هذه الكراهية للفلسطينيين؟! أعوذ بالله ! ""بماذا تفكر إذن؟" "ليس أمامي إﻻّ البحر." "إلى أين؟" "إلى حيث يحملني الموج." تمنّيت له التوفيق مع المجهول. تبادلنا أرقام هواتفنا النقّالة.اتفقنا أن نظل على تواصل. نهضنا عن الرصيف. تصافحنا. وافترقنا. ثم لم نلتقِ مرةً ثانية. ولم يتصل أحدنا بالآخر.لا أعرف لماذا لم يتصل بي، ولكنني أعرف جيداً لماذا لم أتصل أنا به، رغم أنني بقيتُ أتسقطُ أخبارَه. كنت أحب أن أنقل إليه نباً سارّاً عن ليلى. ولكنني لم أصل إلى أية نتيجة مفرحة بهذا الخصوص، رغم أني بذلت أفضل ما لديّ كما وعدت. وفي مجتمع يعيث به الفسادُ فساداً يكون أفضل ما لديك هو: النقود. وفي الحقيقة إنني لم أبخل مقابل المعلومات التي جاءت شحيحةً، متضاربةً، وغيرَ قابلة للتصديق أحياناً. قالوا لي: هذه البنت صارت في لندن. وقالوا: ماتت تحت القصف في مخيم اليرموك . وقالوا : ماتت تحت التعذيب في أقبية أحد أجهزة الأمن. وقالوا ماتت تحت التعذيب لدى إحدى الجماعات المتطرفة . وقالوا: لا وجودَ لهذه البنت في الحياة، ولم يكن لها وجودٌ في يومٍ من الأيام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق