المشهد الثاني : مساء يومٍ ربيعي ٍ من عام 2001.. رنّ جرس الهاتف في منزلي. كانت زوجتي أقربَ مني إلى الجهاز. رفعتِ السمّاعةَ وردتّ على المتصل، وبعد مرحبا وأهلين ومين بيريده؟ التفتت إليّ، وقالت :" مختار صحنايا عم يسأل عنك." لم أفهم. أو بالأصح: لم أستوعب، فأنا مواطنٌ صالح يدفع بانتظام فواتير الماء والكهرباء والهاتف ورسومَ البلدية على اختلافها، وليس لي مشكلاتٌ مع الجيران ولا حتى مع جيران الجيران، فماذا يريد المختار مني؟! أخذت السمّاعةَ وتحدثتُ إلى الرجل. كان لديه طلبٌ واحد: أن أزوره في مكتبه ليشربَ معي فنجاناً من القهوة. استغربت الطلب، ولكني رأيت أنّ في رفضي له نوعاً من قلّة الذوق. لم أكن أعرف موقع ذلك المكتب. وصف لي محدثي العنوان بالتفصيل الممل، وتمنى عليّ ألا أتأخر في الحضور. ذهبت إلى العنوان الموصوف. كان بعيداً عن منزلي. كان في أقصى شمال البلدة، وأنا أقيم في أقصى جنوبها. لم أعثر على أيّ مكتب، حتى لو كان عقارياً.. شارعٌ شبهُ مهجور، مصابيحه مطفأة، رغم أنها غالباً ما تكون مشتعلةً في عزّ النهار.. صفٌ من البنايات الجديدة في يسار الطريق، وبيوتٌ قليلة مبعثرةٌ في يمينه على أرضٍ كانت زراعيةً إلى عهدٍ قريب. وأمام أحد هذه البيوت المبعثرة كان المختار واقفاً في انتظاري. ولمّا رأى حيرتي من عدم الاهتداء إلى أيّ مكتبٍ عرف أنّ الشخص المطلوبَ قد وصل. ناداني واقترب مني وصافحني بحرارة. رجلٌ خمسيني، أشيبُ الشعر، مربوعُ القامة. قدّم لي نفسه، وأعرب عن سعادته بلقائي.. دخلنا إلى البيت. قادني عبر وجيبةٍ كثيرةِ الخضرة إلى غرفةٍ كبيرةٍ جدّاً ليس فيها كرسيٌ واحد. إنها - باختصار - مضافة. سألته: أين المكتب إذن؟ قال: الغرفة المجاورة هي المكتب. وصدّقته. لم يكن لديّ سببٌ يجعلني أشكك بصحة ما يقول. جلسنا على الفُرَشِ الوثيرة وعزمَ عليّ سيجارة وأشعلها، وصبّ ليَ القهوةَ المُرَّة، من دون أن يتوقف عن ترديد قاموسٍ واسعٍ من عبارات الترحيب، وكال لي سيْلاً من المدائح بسبب مسلسلاتي التلفزيونية " الرائعة " ( كانت بعض الفضائيات تعرض مسلسل: أسرار المدينة .) وأخبرني أنه وجميع أسرته يتابعون هذا المسلسل " التحفة " ، وأنه فخورٌ بكون الكاتب حسن سامي يوسف من ساكني هذه البلدة الجميلة التي اسمها صحنايا.. كنتُ أجامله قدْرَ استطاعتي، رغمَ أني كنت في القرارة من نفسي حائراً من غرابة الموقف كله، فكلُّ شيءٍ إلى الآن بدا لي غريباً، أو حتى مضحكاً. ولكن فجأة، بل فجأةً تماماً، لم يعد الأمر كذلك.. ها هو المنعطف الدراميّ يظهر أخيراً: " كتاباتك جميلة يا أستاذ حسن، فشو بدك بالسياسة؟!" منعطفٌ دراميٌ فعلاً، ولكنه منعطفٌ غبيّ، فما مِن متفرجٍ أو قارىء أو مستمعٍ يحترمُ نفسَه يرضى بمثل هذه الانعطافة البلهاء، فأنا ( المتلقي ) لم أفهم. والوضوحُ في الدرامة مطلوبٌ بقوة. والوضوح لا يعني التسطيحَ طبعاً. لم أفهم عن أيّ شيء يتحدث الرجل، فأنا لم أشتغل يوماً بالسياسة. ولم أكن أنوي الاشتغالَ بها في المستقبلِ، قريبه أو بعيده. إذن، لا بدّ من الاستيضاح: شو قصدك يا مختار؟. بدأ المختار بالإجابة على سؤالي من نقطةٍ بعيدةٍ عن صلب الموضوع، ثم استرسل في الحديث. أظنني سمعت في ذلك المساء واحدةً من أكثر المحاضرات ضجراً في الوطن والوطنية وحب الوطن والانتماء للوطن. لعلّه كرّر كلمة ( الوطن ) أربعينَ مرّةً أو خمسين. قلت له ممازحاً: ليت هذه الكلمة غير موجودة في اللغة العربية ! تظاهر بالانزعاج، وقال فاضحاً بعضَ الحكاية: " لهيك وقّعت على هذا البيان اللي ( ترددَ قليلاً ) اللي ما بعرف حتى بأي كلمة بدي أوصفه." قلت له بعد أن بدأتُ أفهم شيئاً ما: " بنصحك توصفه بأنه بيان وطني، واللي موقعين عليه خايفين على الوطن، لأنو الوطن غالي عليهم، ولأنهم أشخاص وطنيين جدأً.- وضحكتُ وأردفت _ واللغة الإنكليزية يا مختار أحسن من اللغة العربية لأنو ما فيها كلمة وطن. البيت هو الوطن. وقهوتك طيبة يا مختار. والوطن هو البيت، فخليني أتشكرك على كرم الضيافة وأرجع إلى وطني بسلام." وأدرك أنه لن يأخذ مني حقّاً ولا باطلا، إنْ كان يستجوبني طبعاً. ولكنّ الهدف لم يكن الاستجواب. ولم يكن من قبيل : انتبه أنت مراقب ! كان الهدفُ أكبرَ من هذا وأكبرَ من ذاك. كان الهدف شيئاً آخر.. " الفلسطيني في سوريا يُعامَلُ أحسنَ معاملة. " هكذا قال. قلت: " الفلسطيني في سوريا يُعامَلُ كما ينبغي. لا أكثر ولا أقل." ولم يعجبه هذا الرد، فرجع يؤكد على الفكرة ذاتها. استشهد بي أنا حصراً.. أعيش برفاهية في منزلٍ هادىء " وكتير حلو متل ما وصفولي ياه." سألته:" ومين اللي وصفلك ياه؟" ضحك وقال:" حكي نسوان." تظاهرت بمجاراته في الضحك وقلت:" النسوان بيحكوا كتير وقليل." وعاد يضحك وهو يؤكد صحة حديثه الأول:" لا لا، مو هيك تماماً." وكان لديه دليلٌ ما هذه المرّة: الصالون، الشرفة، المطبخ.. وصف هذه المطارحَ على نحوٍ لا يخلو من دقة. ولم يستوقفني الأمر، فهذه المطارح التي وصفها متاحةٌ لعامة زائرينا.. ليس فيها خصوصياتٌ من أيّ نوع، والحديث عنها أمرٌ شائعٌ في مجتمعاتنا العربية، وبخاصةٍ في البلدات الصغيرات. وقدّرت أن يكون مصدر هذه المعلومات السخيفة واحدة من صديقات زوجتي اللواتي يترددن على منزلنا. وفي الحقيقة أنني لم أخبر زوجتي بشيءٍ من ظنوني، حتى بعدما عرفت حقيقة هذا الرجل الذي رجع يستفيض بالحديث عني: دخلي مرتفعٌ جداً . أتقاضى الأجرَ الأعلى بين كتّاب الدرامة في سوريا، ومن المؤكد أنّ لي علاقاتٍ عريضةً مع مسؤولين كبارٍ في الدولة، وأنني قادرٌ بالتالي على حلّ أية مشكلةٍ قد أتعرض لها مهما كانت كبيرة، وأنني لست من سكان مخيم اليرموك حيث الضجيج والفوضى، وهذا ما لا يتوافر للاجئين الفلسطينيين في بلدانٍ كثيرة. في لبنان مثلاً، أو مصر أو العراق. وافقته على ضجيج المخيم وعلى الفوضى التي فيه، وقد أصبحت في حاجةٍ أكيدةٍ إلى الانتهاء من هذه المقابلة. ولعلّه أدرك أنني بدأت أتلمس فكرته التي سوف يعلنها صراحةً بعد قليل. بدأت أتلمس ما نسميه في الدرامة ( الهدف الأسمى )، وأنني بدأت أنزعج من اللقاء، فاستعاد ابتسامته، ومدائحه، واعتذر لي إن كان قد أزعجني بشيءٍ ما. أكدت له أنني لست منزعجاً، ولكنني متعبٌ قليلاً وأريد العودة إلى البيت، وشكرته على القهوة اللذيذة، وعلى أنّ الرسالة قد وصلتني.. قال متظاهراً بالاحتجاج: رسالة شو؟! الله يسامحك! أنا والله بس خايف عليك. إنت كاتب كبير، فخليك عم تكتبلنا هي المسلسلات العظيمة، ولا تترك شي تاني يشغلك.. قلت: عيّن خير يا مختار. قال : وبصراحة أكتر، ولا تزعل مني ( لحظة صمت ) إنت فلسطيني، شو دخلك؟!... حسن سامي يوسف.. من رواية ( عَتَبة الألم )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق