السبت، 27 سبتمبر 2014

أسمع باب المنزل ينفتح، وأسمع إطباقته. ها هي البنتُ تطلُّ عليّ في غرفة النوم. إنها تبدو كما تركتني قبل نحوٍ من ربع ساعة. مازالت تتحاشى النظر إليّ مباشرةً. ها هي تغلق الشباك. وها هي تسألني: أين المطبخ؟ قلت بحركةٍ من يدي: المطبخ هناك. قالت: رح أعملك شوربة خضار. – وحذرتني – لا تقول إنك ما بتحبها! لم أعلّق بشيء على تحذيرها الذي بدا لي مثل تهديدٍ صريحٍ في قوّته. كانت تحمل بعض الأكياس الصغيرة. يبدو أنها تسوّقت ما تطبخه.انصرفتْ إلى المطبخ. ولكنها لم تكمل طريقها. رجعت إليّ وجلست على حرف السرير. وضعت الأكياس على الأرض، وقالت: بالأول خليني أعطيك الدوا. كان الدواء في جيب سترتها.أعطتني منه حسب وصفة الطبيب. ونظرتْ إلى الوقت في ساعتها اليدوية. ثم رفعت الأكياس من الأرض وانصرفت إلى المطبخ. ألقيتُ إثرَها نظرة. ماذا أصابها؟ كانت تناكد مثل الأطفال. وفجأة ينقلب مزاجها مئةً وثمانين درجة. لم أفكر بالأمر كثيرا. هكذا النساء. قلت في نفسي. وقلت أيضا: سأعرف الأمر بعد قليل. سوف تبوح بالذي عكّر صفوها حتى من دون أن أطلب منها ذلك. هكذا النساء دائماً. كان لديّ أمرٌ آخرُ يشغلني. الموعد مع ليلى عصرَ هذا اليوم. يبدو أنني لن أستطيع موافاتها. ولن أستطيع الاعتذار أيضا، فالمرأة لا تملك جهاز موبايل. تركت الموبايل في المنزل الذي هجرته. تركت ساعتها اليدوية. تركت الإسورة الذهبية الوحيدة لديها. تركت صورة زفافها مع الشاب الذي تزوجت إليه، والذي اختفى قبل سبعة شهور. اختفى مع سيارة الأجرة التي يملكها ويشتغل عليها بنفسه. تركت المرأة كل شيء لحظة القصف العنيف على الحي . تمكنتْ من أمرٍ واحد فقط. أخذت الصبي والبنت وهربت باتجاه أحد الحواجز العسكرية . الأمر بالنسبة إليها مقامرة، كانت تظنها، خاسرة. ولكن علّ وعسى!!. قلت لحالي هيك هيك ميتين.. هكذا فكّرتْ.هذا ما قالته لي. وقالتْ: طلع الضابط ابن حلال. قال لها: اعبري. قالتْ لي: " شايف قديشو ابن حلال؟ تركنا نمرق. يكتر خيرو. والله رح ضل أدعيلو طوال ما أنا عايشة." سمعتُ طرطقة أوانٍ في المطبخ. أظنها كانت طرطقةً متعمدة. كانت البنتُ تريد أن تلفت انتباهي. هكذا اعتقدتُ. وأظن أنني كنت محقاً. كانت تحب أن أسألها: شو في يا بنت؟ فيصير لديها مبررٌ للمجيء إليّ والحديث بالذي يضايقها. ولكنني بدلاً من مناداتها طمرتُ رأسي تحتَ اللحاف. غير أنّ هذا لم ينقذني في شيء. فهأنذا أسمع وقع خطواتها يقترب مني. قالتْ: شو هالمطبخ هاد؟! قلتُ من تحت اللحاف: شبو؟ ناقصه شي؟ قالت: ليش عم تحاكيني من تحت اللحاف؟ ليش ما بتطلّع فيني؟ قلت: لأنك قالبة وجهك، وأنا ما بحب النكد، الله يعين اللي بدو يتجوزك ! والله لتعوفيه حياته! قالت: بس أنا ما بدي أتجوز.قلت: هاي الكلمة سمعتها من بنات كتير قبلك ، وكلهن طلعو كذابات. جلستْ على حرف السرير من يميني، وقالت: على كلٍ مو هاد موضوعنا. قلت: بعرف – أنا الذي صار يحب النكد – موضوعنا المطبخ. شبو المطبخ؟ شو اللي مو عاجبك فيه؟ الشغّالة بتيجي كل عشرة أيّام، وبتخلي البيت متل الفلّة، وأنا بطبعي ما كتير بكوكش. قالت: واضح. المطبخ كتير مرتب. قلت: المطبخ كتير مرتب وحضرتك متعودة عالفوضى! رفعتِ الغطاءَ عن رأسي، وقالت: طلّع فيني. لم أستجب لطلبها. أمسكتْ بذقني غير الحليقة، وأزاحتْ وجهي نحوها. شعرتُ بكل حنان الدنيا من حركتها هذه. من لمسة يدها. من اللطف الذي كان في أصابعها الرقيقة. وجدتني أفتح عينيّ مرغماً. نظرتُ إليها. كان قد عاودها الحزنُ مرةً واحدة. أمسكتُ بكفها التي مازالت على ذقني بعد. قبّلتُ ظاهرها. قبّلت يدها كما لم أقبّل يد امرأةٍ من قبلُ أبداً. وتأملتها طويلاً قبل أن أسأل: شو القصة؟ قالت: هادا الدكتور كركبني. سألتُ: شلون يعني كركبك؟ بقصد ليش؟ قالت: إنت كنت بتعرف شو يعني عتبة الألم؟ قلت: أكيد مو أول مرة بسمع هالعبارة –وحاولتُ أن أكون مواسياً، فتظاهرتُ بخفة الدم، وأضفت –مو عبارة طبعاً.شبه جملة، مضاف ومضاف إليه، إلاّ إذا اعتبرناها خبر لمبتدأ محذوف، بهالحالة بتصير جملة اسمية، لكن وبكل الحالات هي مجرد مصطلح طبي، جميع الدكاترة بيستخدموه. قالت: أنا ما حسّيت هيك. ما هيك أنا حسّيت. بالأول شفته واحد أجدب. لكن بعدين لأ. وخاصة لمّا طلّع فيني. كانت نظرته لإلي غريبة.حسّيت إنو مو دكتور اللي كان عم يحكي. قلّي هي القاعدة لا تنسيها طوال عمرك. حسيت إنو عرّاف. متل ما يكون عم ينبهني من وجع كبير ناطرني عَ الطريق. برأيك شو ممكن هادا الوجع يكون؟ – وصمتتْ لحظة – إنت مثلاً؟ قلت: أنا أو مو أنا الألم جاي جاي.هي طبيعة الأشياء. طبيعة الحياة. وما منها مهرب. أنا شخصياً ما بعرف للحياة صيغة تانية. ما في داعي تستعجلي الأمور. كل شي جاي بوقته.الألم، الحب، الموت،السعادة. الحياة فيها كل شي. وإذا بدك خلاصة تجربتي، أجمل شي بالحياة هو الحياة نفسها، وألعن شي بالحياة هو الحياة نفسها. لا تستعجلي الأمور. كانت كفها الصغيرة الناعمة مازالت في راحة يدي. قبّلت ظاهر الكف من جديد لعلّني أبعث في روح البنت بعضاً من طمئنينة. قلت مبتسماً: شو صار بالشوربة؟ قالت: عالنار. بدها شوية وقت كمان. كيف حاسس حالك؟ قلت: يمكن بلشت أتحسن. بس أنا إلي عندك أمانة.سألتْ: أمانة شو؟ قلت: علبة السجاير والولاّعة. قالت: كم سيجارة بتدخن باليوم؟ قلت: ما بعرف أحسبها باليوم. أنا بحسبها بالساعة. أظن بدخن بالساعة ست سيجارات، يعني بمعدل سيجارة كل عشر دقايق. قالت: عال! اعتباراً من اليوم رح تصير تدخن كل ست ساعات سيجارة.طوال ما أنا هون هيك رح تكون القاعدة. قلت: شو يعني طوال ما رح تكوني هون؟ قالت: هون يعني بهادا البيت. قلت: وين بدك تنامي؟ سألتْ: ما في غرفة نوم تانية؟- ولم تعطني وقتاً للجواب – ولاّ لشو؟ ليكو التخت عريض. – ما فهمت.بدك تنامي معي بتخت واحد؟ – وين الغلط؟- وضحكتْ – ولا خايف على حالك مني؟ قلت: لأ ماني خايف على حالي منك، ولا خايف عليكي من حالي.خايف علينا نحن التنين.سألتْ: من شو؟ قلت: افترضي حدا من الجيران بلّغ الشرطة عن وجودك ببيت رجل عزابي، ساعتها شو؟ ضحكتِ البنتُ، وقالت: عن جد خايف من هيك شي؟ قلت: طبعاً، خايف على سمعتك. رجعتْ تضحك من جديد. ليش عم تضحكي؟ سألتها. قالت: حكاية متل هي بتعرف شو راسمالها عند الشرطة ؟ قلت: لأ ما بعرف.قالت: أكيد بتعرف، مع ذلك رح قولك، بيجبروك تتجوزني، يعني القصة بتنحل بربع ساعة، ويا دار ما دخلك شر. هذه المرّة جاء دوري أنا بالضحك. راحت البنتُ تتأملني. سألتني: ليش عم تضحك؟ وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف لماذا كنت أضحك. قلت لها: اسمعي يا رشا! في موضوع مهم بدي أحكيه معك.- صمتُّ لحظةً، والبنت أصغت بانتباه – أنا عندي حساب بالبنك. قالت: أكيد عندك حساب بالبنك، ويمكن يكون حساب كبير، أقل منها يعني بعد كل هالمسلسلات اللي كتبتها للتلفزيون؟ قلت: يا ريت ما تقاطعيني! قالت: أمرك! قلت: على كل حال، ما عاد حساب كتير كبير، متل ما بتعرفي، ما عم أشتغل. قبل كام سنة كان حساب كبير. كان من ثمانية أرقام، هلأ ما عاد من ثمانية أرقام . وبغضّ النظر عن حجم المبلغ الموجود، أنا بدي تشاركيني فيه. – شو؟! قالت والدهشة تنضح من وجهها، ولعلّ أفكارها قد ذهبتْ بها إلى البعيد.قلت: بدي تشاركيني بالمبلغ. قالت والدهشة تعقد لسانها: بدك تشتريني؟ معقول إنت؟ ما أنا عم أعرض عليك إنو نام معك بتخت واحد! ولاّ كنت مفتكرني عم أمزح؟ أنا ما عم أمزح. وخلعتْ سترتها، وخلعت الكنزة، وخلعت القميص أيضاً.بعجالة كانت تفعل ذلك. امتدّت يداها إلى ظهرها لتفكّ عقدةَ حمّالة الصدر. صرختُ بها: شو عم تعملي؟! قالت، وكان صوتها يختنق بغصّة الخذلان: بدي أثبتلك إنو ما بدي منك فلوس. وخلعتْ حمّالة الصدر، فطمرتُ رأسي باللحاف. قالت: ليش عم تخبي وشك؟ ليكني قدامك، عم أشلح البنطلون.قلتُ لها من تحت اللحاف: إنتي وحدة حمارة. عرفتي شو إنتي؟ حمارة، حمارة، حمارة. صرختْ بي: حيّرتْ سماي! شو بدك؟. قلت من تحت اللحاف طبعاً: البسي تيابك بالأول، بعدين بقولك شو بدي، البسي فورأً ونزلي الأباجور، وشغلي الشوفاج، وعطيني إشارة، وإلا رح ضل مغطي راسي لتمشي من هالبيت، وما عاد بدي شوربة، امشي فوراً. والله ما عدت فهمت عليك شي.تمتمتْ وهي تعاود ارتداء ثيابها. ثم راحت تنفذ بقية أوامري: الأباجور، الستارة، الشوفاج. عادت واقتربت من السرير. جلست على حرفه من يميني، وقالت بصوتٍ مكسور، وبصيغةٍ تقريرية صارمة، رغم البؤس البيّن في ثنياته: عم أسمعك.رفعتُ الغطاء عن رأسي، واعتدلتُ برقدتي حتى صرت نصف جالس، ورحتُ أتأملها. رأيتها بائسةً تماماً. من المؤكد أنها كانت تتعذب. روحها تزأر بمقاومة الخيبة والألم. لعلّها كانت تخاف مني! لعلّها كانت تخاف عليّ! كان واضحاً لي بالعين المجردة أنها تعاني فرطاً في العواطف المائجة. اصطكّت أسناني بقشعريرةٍ مفاجئة لا أعرف إن كان مصدرها السخونة التي في عظاميَ المريضة، أو إنْ كان الخوف الذي تملّكني من رؤية البنت على تلك الحال المتهدّلة.انطبقتْ رموشُ عينيها إلى بعضٍ أمام نظرتي المتأملة. ما الحكاية؟ سألتُ في سري. أتراها تهرب من لقاء العين بالعين من بعدما فضحها ضعفُها أمامي؟ أو من بعدما لمحتُ نهدين صلبين متوثبين في صدرها الجميل عارياً من قبل أن أدفن رأسي باللحاف؟ مددتُ كفي أطلبُ كفها. أعطتني ما أردت، ولكن من دون حماسة ، ومن دون حتى أن تفتح عينيها. رجعتُ أقبّل ظاهر كفها. لا أظنها قد تأثرت بمبادرتي هذه ُ رغم ما فيها من نيةٍ صادقة بالمصالحة. كان في وجهها لامبالاةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ من كل الذي جرى، أو حتى بخيبةٍ مني ومن نفسها، وفي عينيها كان ثمة بللٌ رقيق. مددت يدي المحررة إلى وجهها أمسح آثار البلل من أطراف عينيها، وهمستُ لها أقول: أنا آسف! لم يتحرك فيها شيءٌ أمام هذا الاعتذار الذي قدّمتُه لها عن ذنبٍ لم أرتكبه. قلت في نفسي: إذن يجب كسرُ الحواجز كلها، وبضربةٍ واحدة. قلت: بالمناسبة، عندك صدر جميل. وأظنها شبه ابتسمت، ولكنها ظلت مطبقةً رموش عينيها، وقالت بصوتٍ واهن: بعرف. الصوت واهنٌ، رغم الفرح الذي لا يخفى في طيّاته على ذئبٍ عتيقٍ مثلي. قلت: أكيد بتعرفي، أنا اللي ما كنت بعرف. وظلّت صامتة. إذن، ضربتي لم تكن موفقة بما يكفي. يبدو أنّ خبرتي بالنساء صارت في تناقص ملموس. ما العمل ؟ قلت: اسمعيني يا رشا! ولم تفتح عينيها. سألتُ: هل تسمعينني؟ أومأتْ لي أن نعم. قلت: أنا لم أدفع النقود يوماً لامرأة مقابل جسدها. بل إنني أكره هذا الأمر. أبغضه. أمقته إنْ شئتِ. هل تعرفين لماذا؟ لأنني أرى فيه استغلالاً للنفوذ. إنْ كانت المرأة في حاجة إلى نقود، فأنتَ أمامَ أحد خيارين: إما أن تساعدها من دون مقابل، أو أن تتركها وشأنها وتمضي في حال سبيلك. لم أسلك يوماً طريقاً ثالثة. فكيف أسلكها اليومَ وأخون واحداً من أكثر مبادىء حياتي رسوخاً؟! وأخونه مع من؟ مع البنت التي لم تنم الليل من شدّة خوفها عليّ بعدما سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل. أنتِ يا رشا شخص قريب إليّ. أنتِ شديدةُ القرب إليّ، إلى قلبي، إلى نفسي. لقد اشتهيتُ جسدك مرّة. أعترف. وقد أشتهيه مرّةً ثانيةً وثالثة. لست أدري. ولكنني لن أدفع لك نقوداً مقابل هذا الجسد، أو هذه الشهوة.لن أخون نفسي. لن أمارس استغلال النفوذ فيما تبقى لي من أيامٍ في هذه الحياة. ابتدأتُ حديثي معك عن النقود ومن النقود لأنني كنت أريد أن أصل بك إلى نقطة بعيدةٍ عن جمال نهديك. – وابتسمتُ – على كل حال، ربّ ضارّةٍ نافعة ! فقد رأيت اليومَ منظراً جميلاً قد يساعدني في تجاوز هذه الكآبة وهذا المرض. شكراً لك! وشكراً لسوء التفاهم.يبدو أنه يكون ذا جدوى في بعض الأحيان. وهنا انزاحتِ الرموشُ الطويلة السوداء عن بعضها بكسلٍ مِغناج، وآثارُ البللِ مازالتْ عالقةً في الأهداب. قلت: هل أتابع؟ أومأتْ لي بعينيها الوسيعتين أن نعم.قلت: سوف أبوح لك بسرٍ ليس مهمّاً. أنا، وقد تتفاجئين، لم أتحرش يوماً بامرأة. أبداً. لم أكن البادىء في أية علاقة نسائية. لم أكن المبادر إلى تلك العلاقة.كنت أستجيب أو لا أستجيب. هذا أمرٌ آخر. ولكنني لم أكن صاحب المبادرة مع أيٍ من النساء اللواتي عرفت في هذه الحياة اللعينة. ما أقوله لا يندرج في بند الغرور. أقول حقيقة ما جرى لي مع الجنس اللطيف.هكذا الله خلقني، وليس عندي اعتراضٌ على حكمته..لم أكن واثقاً من أنها تسمعني باهتمام. ربما كان فكرها مشغولاً بأمرٍ آخر. لعلّها كانت تحاكم سلوكها الذي كان قبلَ قليل! أظنها كانت تبذل جهداً مضنياً لتقنع نفسها بصواب التعري الذي مارسته. ربما كانت تجلد ذاتها وهي تجد نفسها فريسةَ نوعٍ من الندم ثقيل الوطأة على أصحاب النفوس الرقيقة. لكنّ البنتَ خيّبتْ ظنوني من جديد. يبدو أنني بدأتُ أفقد الخبرة الكافية ليس في النساء فقط، بل في الحياة وأشيائها المختلفة، فقد اكتشفتُ فجأةً أن البنتَ كانت تستمع إليّ بحواسها جميعاً. وأنها كانت متأثرةً بما أقول. فقد ارتمتْ عليّ من فورها وأجهشتْ بالبكاء وهي تتمتم: أنا اللي آسفة. سامحني ! بترجاك تسامحني! فهمتك غلط. قلتُ لها وأصابع يدي تمشط شعرها الثقيل: ابكي، ابكي. وعلى رأي أم كلثوم: بيريحني بكايَ ساعات. واضح إنك مقهورة. بس شو نعمل؟ الكل مقهور بهالأيام. وأردفتُ ممازحاً، لكن هادا ما بيعني إنك مو حمارة. ضحكتْ، ورفعتْ جسدها عن جسدي، وقالت: شو هي حمارة حمارة؟! ما عندك غير هالكلمة؟! قلتُ: حمارة لأنك ما سمعتيني للأخير.الناس اللي مو حمير ما هيك بيتناقشوا. قالت: تفضل إحكي، وما رح كون حمارة. قلت: رح أحكي، بس مو هلأ، بالأول اغسلي وجهك، وبعدين طعميني. جعت، ثم كلّه على بعضه صحن شوربة، يعني حلّو يستوي، مانو خاروف مكتّف. ابتسمتْ، وقالت: صح ، كلّه على بعضه صحن شوربة، بس رح يكون أطيب صحن شوربة بتدوقها بحياتك. ونهضتْ وانصرفتْ لتحضر لي أطيب شوربة خضارٍ تناولتها في حياتي فعلاً. شوربة خضار ساخنة بلحم الدجاج. تناولنا الطعام سويّةً. جلسنا متربعين على السرير حولَ صينيةٍ كبيرة. قالت لي: بعد الأكل بدي أعمل دوش. سخنت المي بالقازان، بس بدي بيجاما. قلت : البيجامات اللي عندي كلها رجالية. قالت : مو قصة. قلت : شو بتعرفي تطبخي غير الشوربة؟ قالت: عرفت نسوان كتير بحياتك؟ –ولك وبعدين معك يا بنت؟! بسألك من الشرق بتجاوبيني من الغرب!! –إي شو كفرنا؟! –لأ ما كفرتي. انهبلتي.ثم تعالي نغير الموضوع. دراستك شلون؟! – دخيلك على هالدراسة! – ليه من شو بتشكي؟ اللغة العربية بحر، أو حتى محيط. اختصاص متل أي اختصاص تاني. – دخيلك على هالاختصاص! ممنوع إدخال حرف على حرف.شو أهمية إني أعرف هالقاعدة؟! – ما فهمت. شو هو الممنوع ؟ – يعني بدك تعمل حالك غشيم؟! ممنوع في اللغة العربية دخول حرف على حرف. – مين قال هالحكي؟ – الدكتور. – أنو دكتور؟ بقصد شو اختصاصه؟ بس ما يكون دكتور الأسنان اللي جبتيه يعالجني من الأنفلونزا قام كركبك بعتبة الألم!– أنو دكتور الأسنان إنت التاني؟ دكتور بالأدب العربي. أستاذ عنّا بالجامعة. – عم تحكي جد؟ - شو هالسؤال ؟! يعني أنا من وين بدي جيب هيك معلومة؟ – إذن ، دكتورك هادا حمار يا رشا!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق