كانت أمي تقول: ( الليلة السعيدة من العصر بتبان ).. أما أنا فقد رأيت ليلةَ الأمسِ الكئيبةَ منذ الصباح. كان بي صداعٌ مذ استيقظت من نومٍ قصيرٍ متعثر. لستُ من مرضى الصداع، غيرَ أني كنت مصدوعَ الرأس كثيراً يومَ البارحة، وكان بي وهنٌ، ودوخةٌ خفيفة. لم أذهب إلى الطبيب. اكتفيت بمشورة أحد الصيادلة في قلب المدينة. قال لي: أغلبية الناس عم يشكوا من نفس الأعراض. وأعطاني علبة دواء وضعتها في جيب سترتي، ودفعت ثمنها، وانصرفت. ونسيت، والصحيح طبعاً، تناسيتُ أن أستخدم منها شيئاً. كنت قد قلت في نفسي: بالناقص حبة دوا. وقلت في نفسي أيضاً: الأمر كله مرتبط بالنوم السيء فقط.. في الليل اكتشفت أنني كنت أكذب على نفسي. في الليل اكتشفت أنني محمومٌ إلى حد الهلوسة. في الليل اكتشفت أنّ للحمّى بعضَ الفوائد، فقد أغفيتُ مراراً، ولكنني للأسف الشديد استيقظت مراراً كذلك. كنت أرتجف من السخونة التي جعلتْ ترجّ بدني، ولم يكن في مقدوري أن أنهض من الفراش من أجل علبة الدواء التي اشتريتها في النهار. لقد باتت الحمّى ليلتها الفائتةَ في عظامي. والاستعارة من المتنبي واضحة، رغم أنني لا أقول غيرَ حقيقة ما عانيت شخصياً.. في الهلوسة زارتني فصول الحياة جميعها. زارتني نساء الحياة، أطفال الحياة، أشياء الحياة. في الهلوسة زارتني كوابيس الحياة.. جاءني باراك أوباما، وقال لي: لماذا ترفض أن تقيم عندنا في البيت الأبيض؟. جاءتني هناء، وقالت: لقد تأخرتَ كثيراً يا حبيبي ! قلت لها : إنني قادمٌ يا هناء، إنني قادم، فقط انتظريني!. زارتني رشا، وقالت لي : لا تخف، سوف تنجو. قلتُ: من أيّ شيء أنجو يا رشا؟ قالت: من هذه اللعنة. قلت: فهل من الملعونين أنا؟ قالت: ألا تنظر إلى وجهك في المرآة عادةً؟! ونهضت أقصد المرآةَ كي أنظر إلى وجهي، فوجدتني مستيقظا.. لا أريد أن أنام.. سوف أقاوم.. سوف أقاوم.. سوف أقاوم.. لن أنظر إلى المرآة حتى وإن كنت من الملعونين.. ما أحتاجه هو علبة الدواء. كم الوقت الآن؟ ما حاجتك إلى الوقتِ أيها المسكين؟! نعم، هذا صحيح، فالوقت ليس مهمّاً. بل إنّ الوقتَ لم يكن مهمّاً في أيّ وقتٍ من الأوقات.. السترةُ حيث تختبىء علبة الدواء لا تبعد عنك سوى ثلاثة أمتار. ماذا تنتظر إذن؟! هل بلغتَ من الضعف ما يجعلك عاجزاً عن المضيّ ثلاثة أمتارٍ ذهاباً ومثلها إيابا؟! لا يبدو عليك أنك سوف تقاوم.. بل سوف أقاوم.. سوف أمضي الأمتار الثلاثة بثبات.. لن أحبو.. لن أحبو.. لن أحبو.. تحركت من رقدتي.. صارت قدماي على الأرض.. لفّتْ بيَ الدنيا.. تمهلْ يا شيخ ! تنفس بعمق ! إهدأْ قليلا ! استرح لحظة.. نعم، نعم، نعم.. والآن هيا يا بطل ! هي ثلاثة أمتارٍ فقط ويتنازل لك أوسين بولت عن ميدالياته الذهبية.. هيّا إلى العمل ! برافو، برافو، برافو !!! ها هو ذلك الشاب الجامايكي الأسمر يعلن في مؤتمرٍ صحفي يشهده العالم كلّه أنّ ثمةَ كهلاً فلسطينياً أسرعُ في العدو منه، وأنّ هذا الكهلَ يستحق عن جدارة لقب أسرع رجلٍ في العالم، وها هو الشاب الأسمرُ يقول صراحةً بتخليه عن اللقب، وعن الميداليات الذهبية الكثيرة التي أحرزها في أولمبياد بكين، وكذلك في أولمبياد لندن، إلى ذلك الكهل الذي ترجّ الحمّى جميعَ بدنه.. لقد نجحت.. صرت في الفراش من جديد، وعلبة الدواء في قبضة يدي الضعيفة المرتجفة. ولكن لماذا هذه العتمة؟ يا ربي ! لقد نسيت أن أشعل النور. كنت منشغلاً بتحطيم أرقام بولت القياسية، فنسيت أنّ بي حاجةً إلى الضوء.. ولكن لا بأس ! ثمة مصباحٌ صغير بجانبك يفي بالغرض الذي أنت مقبلٌ عليه. أشعلت المصباح الصغير. ومن محاسن الصدف أنّ ثمة قنينة ماء معدني تقف على سطح الكومدينو بجوار السرير. فتحت علبة الدواء. تناولت منها شريطاً. ابتلعت حبتين من العقار. لا أعرف إن كانت الحبتان أقلَّ من الجرعة الموصوفة أو أكثر. لم أقرأ النشرة المرفقة. شربت من الماء نغبةً، واسترحت من هذه المَهَمَّةِ التي استنفدتْ بقايا ما لديّ من طاقة.. لن أعود إلى النوم تحت أيّ ظرف.. كان قراراً لا رجعة فيه.. سوف أصمد.. سوف أصنع قهوةً كثيرة.. أهم بالنهوض من الفراش من أجل مغامرةٍ جديدة.. يرنّ الموبايل.. إنها رشا طبعاً.. صباح الخير!. صباح الخير!. - شبك؟ صوتك مو عاجبني. - يمكن عندي سخونة، بس أخدت دوا ويمكن بلشت أصير أحسن. -أحسن مو معناتا منيح. - مزبوط. اللي عم تحكيه مزبوط. شو أعمل؟ - ما تعمل شي. ارتاح.. بس ارتاح. - جاي على بالي فنجان قهوة. - مو غلط. ريتو صحة انشالله، لكن حاول تشرب القهوة وإنت بالفراش. - بأمرك أنا يا ماما ! - هههههههه ما رح تبطل هالكلمة؟ - ما بتعرفي الأيام شو بتحمل مفاجآت، يمكن أبطلها هي والسيجارة سوا. - ليش؟ عندك إدمان عليها؟. - والله الهيئة يا رشا إنو عندي إدمان عليكي إنتي.. وأطبق الصمت بيننا للحظة طالت قليلا.. - تصبح على خير!. قالت البنت بصوتٍ مضعضعٍ من الانفعال، وأغلقتِ الخط.. هل ارتكبتُ خطأً عندما بحتُ لها بهذا السر الصغير؟!. فكرت بطلبها على الموبايل من أجل توضيح شيءٍ ما، أو من أجل استيضاح شيءٍ ما. وكدتُ أفعل . غير أني تراجعت في اللحظة الأخيرة. تراجعت عن الاتصال، وتراجعت عن الرغبة بالقهوة أيضا. لففتُ بالحرام واللحاف جسدي الموهن، وخلدت إلى السكينة، فعادني باراك أوباما.. قلت له: لست أدري لماذا لديّ عنك هذا التصور سيدي الرئيس.. أظنك لم تقرأ مارك توين، رغم أنه كاتب أمريكي. تستطيع طبعاً أن تقرأ روايته الشهيرةَ: توم سوير، ولكنني أنصحك بأن تقرأ روايته البسيطةَ الساحرة: الحَمَلُ الضائع.سوف تتفاجأ بكمية التعاطف لديه والحب إلى الأطفال والنساء والزنوج والمهرجين، ومختلف المستضعفين في الأرض. سوف تشكرني على هذه النصيحة سيدي الرئيس. وبالمناسبة، أنصحك أيضاً بقراءة مذكراته المدهشة : اهربوا ، لقد انفضح أمرنا.. غلى العموم أستطيع أن أزودك بقائمة أعماله.. راسلني على الخاص.. ولكن مهلاً.. من أنت؟. لا اراك جيداً في هذه العتمة.. أو لعلك تعيرتَ كثيرا ! ولكن قل لي من فضلك: هل تسمع مثلي طرقاتٍ على الباب؟. من جاء يطلبني؟ من يقرع الجرس في هذا الوقت؟ من يقرع الجرس؟ من يقرع الجرس؟.. شكراً لك يا قارعَ الجرس، فقد أنقذتني من هلوساتي.. نظرت إلى الساعة.. إنها التاسعة والربع.. التاسعة والربع التي في الصباح.. الحمد لله ! اعتدلت قليلاً في رقدتي، وأشعلت سيجارة.. الجرس مرةً جديدة.لن أفتح الباب. غلط بالعنوان. أنا شخص وحيدٌ ومهجور، وليس ثمة من يسأل عني. ولكنّ الجرس يرنّ بلا توقف. يا إلهي ! من ثقيل الدم هذا؟ ولماذا لا يدعني وشأني؟! لماذا لا يتركني أستمتع بسيجارة اليقظة من بعد ليلة الكوابيس الطويلة؟! صرخت من مطرحي: ماذا تريدون؟! أشكّ بأن يكون قد سمعني أحد، فأنا نفسي لم أسمع شيئا من صوتي الموهن.. ورنين الجرس لا يتوقف.. نهضت من الفراش مترنحا، ورحت أجرجر جسدي إلى باب المنزل.. فتحت الباب، فتوقف الرنين.. إنها رشا... حسن سامي يوسف.. من رواية ( عتبة الألم ) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق