الأحد، 28 سبتمبر 2014

بهداك اليوم الخريفي من عام 2006 ، وقبل المغرب بشوي حسيت بنغزة في الخاصرة . فوراً فهمت شو ناطرني . سبق وعشت هيك لحظة عدة مرات .. بهداك الخريف اللي قبل تمن سنين كان العرض الأول لمسلسل الانتظار .. النغزة بعد المغرب تطورت لموجات متعاقبة من الألم ، ثم الألم الشديد .. قالتلي زوجتي : خليني آخدك عَ المستشفى .. قلتلها : رح أقاوم . وما بدي مساعدة الدكاترة والأدوية .. قالت : كيف يعني ما بدك مساعدة الأدوية ؟! شو هالمنطق العجيب ! ثم إنه الأدوية لشو عملوها ؟ مو لمساعدة المريض ؟ قلت : مبلى ، وأنا مش مريض . أنا فقط موجوع .. قالت : يا سلام ! كيف يعني موجوع ومش مريض ؟! هاي ما سمعتها غير منك . قلت : البحصة بالكلية أو بالحالب هي مجرد وجع . وجع ابن كلب ، نعم ، لكنه مجرد وجع ، وصعب تصنيفه تحت أي نوع من المرض .. قالت : ليش كيف بيكون المرض إذا ما كنّاعم نتوجع ؟. قلت : ما بعرف ، ثمّ بلا نكد . شايفتيني متحمل ؟! قالت : ما هو أنا عم أحكي لأنك مانك متحمل .. قلت : ما بدي مستشفيات ودكاترة ، وجعي وبعرفه ، ورح أتخلص منه بطريقتي .. كنّا جالسين في الصالون .. نهضتُ من قعدتي ، وذهبت إلى غرفة النوم . ارتديت ثياب الخروج .. لحقتْ بي زوجتي إلى هناك .. قالت : شو عم تعمل ؟! قلت : بدي أطلع أمشي . المشي لمدة طويلة أفضل أدوية القولنج الكلوي .. قالت : ما بدك تشوف المسلسل ؟ قلت : لأ .. قالت : شو حكايتك مع هادا المسلسل بالذات ؟ اليوم الحلقة التناش وإنت لهلأ ما شفت منه غير عشرين دقيقة . شو حكايتك ؟ قلت : ما عندي حكاية . عم أنزعج من فواصل الإعلانات التجارية ، ثم إنه المنتج رح يبعتلي بكرا نسخة كاملة من المسلسل بجودة عالية . بشوفه بعدين على مهلي . قالت : أوكي ، منبقى نشوفه سوا ، بس خليني هلأ آخدك عَ المستشفى .. قلت : ما بدي مستشفيات ولا عاد تناقشيني بالموضوع .. وخرجتُ من المنزل . ورحت أمشي .. مشيت أربع ساعات أو أكتر شوي . ومع إنه المشي الطويل هو فعلاً العلاج الأمثل للقولنج الكلوي ، إلا إني ما استفدت منه بشي هداك اليوم .. رجعت للبيت قبل نص الليل بحبة .. استقبلتني زوجتي بالعتاب : شغلت بالي .عالقليلة كنت خد معك الموبايل .. قلتلها : أنا آسف ، الموبايل نسيته . آسف إذا شغلت بالك ! قالت : طبعاً شغلت بالي ، ثم إنه رن كتير بعد ما انتهى عرض الحلقة ، فوق الستين رنّة ، هلأ بدهن يظنوا إنك متكبر عليهن .. قلت : الموبايل أنا نسيته ، وأسفي إلك إنتي فقط لأني شغلت بالك ، أما شو بدهن يظنوا الناس فهي مشكلة أنا بحلّها بعدين .. قالت : كيف حاسس حالك هلأ ؟. قلت : أسوأ من المغرب .. قالت : خليني آخدك عَ المستشفى .. قلت : فوتي نامي .. قالت : شلون يعني أفوت أنام وإنت بهالحالة ؟! قلت : حالتي فعلاً سيئة ، لكني لسه قادر أقاوم ، وإنتي ما رح يطلع بإيدك تعمليلي شي ، لذلك فوتي نامي ، ولما بعجز عن المقاومة بصحيكي .. قالت : كلمة شرف ؟. قلت : كلمة شرف .. الساعة أربعة الصبح لقيت نفسي أمام أحد خيارين : إما برمي حالي من البرندا وبموت وبرتاح من الوجع ، وإما بصحّي زوجتي من نومها .. أخدت بالخيار التاني .. دخلت لغرفة النوم ، وجلست على حرف السرير ، وحطيت إيدي على كتف المرأة الغفيانة ، وناديتها باسمها .. صحيتْ بسرعة .. قالتلي : شو ؟. قلت : ما عاد فيني أقاوم .. خلال ثواني كانت قايمة من الفراش .. لبست تيابها بدقيقة .. ويا دوب غسلت وجهها .. ومشطت شعرها كيف ما كان .. وأخدت رزمة فلوس من غرفة المكتبة ورمتها بشنطاية الإيد .. ومسكت دراعي وساعدتني بنزول الدرج والوصول للسيارة .. بيتنا كان في صحنايا ، والمستشفى اللي رايحينله بحيّ العدوي .. زوجتي كانت عم تسوق بسرعة عالية .. قلتلها : ديغول كان يقول لسائق سيارته لا تسرع فأنا مستعجل .. قالت : ومين هاد ديغول بلا زغرة ؟. ما قدرت أضحك من سؤالها بسبب الوجع .. فعلاً مين هاد ديغول ؟! ما هيِّ معها حالة طارئة .. قلتلها : أنا آسف ! قالت : على شو ؟. قلت : على كل شي ، حتى على وجودي بهالحياة .. قالت : هانت .. شوي ومنوصل .. كانت الطريق طويلة للمستشفى اللي منتعالج فيه عادةً .. وزوجتي زادت من سرعة السيارة .. أكيد كذا رادار لقطنا بالصور، وخاصةً على أتوستراد درعا .. قلت لزوجتي وأنا عم أحاول اضحك وألهي نفسي عن الوجع : كم مخالفة عملتي بهالمشوار ؟. قالت : إي مندفع المخالفات ، المهم نقصّر مدة الوجع . ثمّ مو لهيك انوجدت المصاري ؟ مو هيك إنت دائماً بتقول ؟. قلت : مبلى .. وبقيت عاجز تماماً عن الضحك .. وصلنا أخيراً إلى المستشفى .. عايني طبيب الإسعاف المناوب .. طلع بنفس التشخيص : قولنج كلوي .. سألني إذا بدي نام عندهن .. قلت : طبعاً بدي نام .. طلب من زوجتي تعمل إجراءات تسجيل الدخول وتدفع سلفة للمحاسب .. وعطاني إبرة مسكن بالعضل .. دقائق معدودة واختفى الألم .. اختفى نهائياً .. خرجت من المستشفى .. جلست على حرف الرصيف .. وشعلت سيجارة .. كان طلع النهار .. إجت زوجتي لعندي .. جلست جنبي على حرف الرصيف .. سألتني : كيف حاسس حالك ؟. قلت : حاسس إني رجعت بني آدم .. قالت : معقول إنت ؟! معناها قديش كنت عم تتوجع ؟! قلت : البني آدم ما بيستاهل الوجع ، وأنا بهاللحظة عم أحكي عن الوجع مو عن المرض . البني آدم بيستاهل العافية في بدنه وفي نفسه .. قالت : المهم إنت هلأ منيح ، وما رح نختلف عَ الباقي .. هادا كله صار بشهر تشرين الأول عام ألفين وستة .. لكن نحن هلأ بشهر أيار ألفين وأربعتاش .. بقلب الليل .. ما عندي حدا أصحّيه من النوم .. ولا حتى عندي سيارة .. ولا عندي مسلسل عم ينعرض على شي محطة .. وبالتالي جهاز الموبايل ما رح يرن ستين مرّة ، وعلى الأرجح ما رح يرن ولا مرّة وحدة . اللي كانوا يتصلوا للسلام والاطمئنان هاجروا . وغير هيك : نازل بفندق .. وأكيد ما في تكسي بشوارع دمشق بمثل هاي الساعة وهاي الظروف الأمنية الفظيعة .. هاي الليلة أنا فعلاً لازم أقاوم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق