توقفتُ عن ملاحقة الطائرة ، ورجعتُ بنظري إلى الأرض فوقع بصري على رشا. كانت مشرقةً أكثر مما ينبغي. كانت وضّاءةً، ريّانةً، لا تكاد تمشي على الأرض. كانت ما تزال في طرف الشارع. نهضتُ من قعدتي وتوجهت صوبها. كانت تحمل في يدها اليمنى كيساً من النايلون أنيقاً. وحين وصلتُ إليها ووصلتْ إليّ ارتمت عليّ وعانقتني. كان عناقها لي عنيفاً ، وأكثر. كان لا يخلو من وحشيّة. أحسستُ بالخجل، فنحن في الطريق، وفي وضح النهار، والشهود كثيرون، و ربما كان مِنْ بينهم مَنْ يعرفني.قلت لها:" ولك عيب يا بنت ! " قالت: " ليش عيب؟" وسألتُ نفسي: فعلاً، ليش عيب؟ ولم أهتدِ إلى جوابٍ سريع.ولكنها ساعدتني بالتقاط طرف الجواب من دون أن تدري. قالت:" ثمّ أنا البنت مو إنت." قلت: " صح، إنتي البنت، بس أنا شايب." ابتعدتْ عني بضعة سنتمترات، وجعلتْ تتأمل عينيّ من خلف النظارة الطبية حولهما. ارتبكتُ في لقاء العين بالعين.والبنت لا تبالي بارتباكي.أصابع يدها المحررة تروح تعبث بشعري." شو صابك ؟! " أسأل مستغرباً، فترد ضاحكة:" تسلملي هالشيبة ! " ولست أعرف من حقيقة ما قد حدث تلك اللحظة سوى أنني اتخذت قراراً يقطع العلاقة بهذه البنت الناضرة. لقد صارت هذه البنت، فجأةً،عبئاً ثقيلاً عليّ لا أقدر على تحمل أوزاره، فقد عادت هرمونات الذكورة إلى النشاط فجأةً من بعد طول بياتٍ في خلايا الذئب العتيق. لقد اشتهيتُ جسدها حين لقاء العين بالعين. هذا أمر لا إنصاف فيه.وهذا أمرٌ لم يحدث بيني وبينها في أيّة مرّةٍ سابقة.أظنها قد أحست بتباريح ما ألاقي، فهدأتْ قليلاً، وحاولتْ مداراة الموقف. لكنها لم تنجح.قالت لي بعد أن جلسنا:" هذه لك." وقدمتْ لي كيس النايلون الأنيق.قلت:" ما هذا؟ " قالت: " حلويات شاميّة." "وهل مازال ثمة من يصنع الحلويات الشامية في دمشق؟" " نعم. ومازال ثمة من يشتريها أيضاً." وأضافت:" في المناسبات العظيمة طبعاً." عودتي إلى دمشق مناسبة عظيمة ! ما الثمن؟ بحر الحنان الذي جفّ إلى آخر قطرةٍ فيه ؟! ما الثمن؟ وهل أنا قادرٌ على أن أدفع ؟ ليس أنا، بل قلبي المتعب.ضميري المثقل بالآثام القديمة. أنا لست ثعلباً. لم أكن ثعلباً في يومٍ من الأيام.أنا الآن ذئب هرِمٌ لا أكثر. لست ذئب البحار. لست ذئب البوادي. أنا ذئب شائخٌ بات ينتظر الضربة الأخيرة من قبل أن يهوي صريعاً. المسألة كلها: متى وكيف وأين ومن أين.لا أقول:لماذا ؟ الجواب واضح.المرايا لا تكذب.... من رواية : عتبة الألم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق