سألتني: ليش عم تضحك؟ وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف لماذا كنت أضحك. قلت لها: اسمعي يا رشا! في موضوع مهم بدي أحكيه معك.- صمتُّ لحظةً، والبنت أصغت بانتباه – أنا عندي حساب بالبنك. قالت: أكيد عندك حساب بالبنك، ويمكن يكون حساب كبير، أقل منها يعني بعد كل هالمسلسلات اللي كتبتها للتلفزيون؟ قلت: يا ريت ما تقاطعيني! قالت: أمرك! قلت: على كل حال، ما عاد حساب كتير كبير، متل ما بتعرفي، ما عم أشتغل. قبل كام سنة كان حساب كبير. كان من ثمانية أرقام، هلأ ما عاد من ثمانية أرقام . وبغضّ النظر عن حجم المبلغ الموجود، أنا بدي تشاركيني فيه. – شو؟! قالت والدهشة تنضح من وجهها، ولعلّ أفكارها قد ذهبتْ بها إلى البعيد.قلت: بدي تشاركيني بالمبلغ. قالت والدهشة تعقد لسانها: بدك تشتريني؟ معقول إنت؟ ما أنا عم أعرض عليك إنو نام معك بتخت واحد! ولاّ كنت مفتكرني عم أمزح؟ أنا ما عم أمزح. وخلعتْ سترتها، وخلعت الكنزة، وخلعت القميص أيضاً.بعجالة كانت تفعل ذلك. امتدّت يداها إلى ظهرها لتفكّ عقدةَ حمّالة الصدر. صرختُ بها: شو عم تعملي؟! قالت، وكان صوتها يختنق بغصّة الخذلان: بدي أثبتلك إنو ما بدي منك فلوس. وخلعتْ حمّالة الصدر، فطمرتُ رأسي باللحاف. قالت: ليش عم تخبي وشك؟ ليكني قدامك، عم أشلح البنطلون.قلتُ لها من تحت اللحاف: إنتي وحدة حمارة. عرفتي شو إنتي؟ حمارة، حمارة، حمارة. صرختْ بي: حيّرتْ سماي! شو بدك؟. قلت من تحت اللحاف طبعاً: البسي تيابك بالأول، بعدين بقولك شو بدي، البسي فورأً ونزلي الأباجور، وشغلي الشوفاج، وعطيني إشارة، وإلا رح ضل مغطي راسي لتمشي من هالبيت، وما عاد بدي شوربة، امشي فوراً. والله ما عدت فهمت عليك شي.تمتمتْ وهي تعاود ارتداء ثيابها. ثم راحت تنفذ بقية أوامري: الأباجور، الستارة، الشوفاج. عادت واقتربت من السرير. جلست على حرفه من يميني، وقالت بصوتٍ مكسور، وبصيغةٍ تقريرية صارمة، رغم البؤس البيّن في ثنياته: عم أسمعك.رفعتُ الغطاء عن رأسي، واعتدلتُ برقدتي حتى صرت نصف جالس، ورحتُ أتأملها. رأيتها بائسةً تماماً. من المؤكد أنها كانت تتعذب. روحها تزأر بمقاومة الخيبة والألم. لعلّها كانت تخاف مني! لعلّها كانت تخاف عليّ! كان واضحاً لي بالعين المجردة أنها تعاني فرطاً في العواطف المائجة. اصطكّت أسناني بقشعريرةٍ مفاجئة لا أعرف إن كان مصدرها السخونة التي في عظاميَ المريضة، أو إنْ كان الخوف الذي تملّكني من رؤية البنت على تلك الحال المتهدّلة.انطبقتْ رموشُ عينيها إلى بعضٍ أمام نظرتي المتأملة. ما الحكاية؟ سألتُ في سري. أتراها تهرب من لقاء العين بالعين من بعدما فضحها ضعفُها أمامي؟ أو من بعدما لمحتُ نهدين صلبين متوثبين في صدرها الجميل عارياً من قبل أن أدفن رأسي باللحاف؟ مددتُ كفي أطلبُ كفها. أعطتني ما أردت، ولكن من دون حماسة ، ومن دون حتى أن تفتح عينيها. رجعتُ أقبّل ظاهر كفها. لا أظنها قد تأثرت بمبادرتي هذه ُ رغم ما فيها من نيةٍ صادقة بالمصالحة. كان في وجهها لامبالاةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ من كل الذي جرى، أو حتى بخيبةٍ مني ومن نفسها، وفي عينيها كان ثمة بللٌ رقيق. مددت يدي المحررة إلى وجهها أمسح آثار البلل من أطراف عينيها، وهمستُ لها أقول: أنا آسف! لم يتحرك فيها شيءٌ أمام هذا الاعتذار الذي قدّمتُه لها عن ذنبٍ لم أرتكبه. قلت في نفسي: إذن يجب كسرُ الحواجز كلها، وبضربةٍ واحدة. قلت: بالمناسبة، عندك صدر جميل. وأظنها شبه ابتسمت، ولكنها ظلت مطبقةً رموش عينيها، وقالت بصوتٍ واهن: بعرف. الصوت واهنٌ، رغم الفرح الذي لا يخفى في طيّاته على ذئبٍ عتيقٍ مثلي. قلت: أكيد بتعرفي، أنا اللي ما كنت بعرف. وظلّت صامتة. إذن، ضربتي لم تكن موفقة بما يكفي. يبدو أنّ خبرتي بالنساء صارت في تناقص ملموس. ما العمل ؟ قلت: اسمعيني يا رشا! ولم تفتح عينيها. سألتُ: هل تسمعينني؟ أومأتْ لي أن نعم. قلت: أنا لم أدفع النقود يوماً لامرأة مقابل جسدها. بل إنني أكره هذا الأمر. أبغضه. أمقته إنْ شئتِ. هل تعرفين لماذا؟ لأنني أرى فيه استغلالاً للنفوذ. إنْ كانت المرأة في حاجة إلى نقود، فأنتَ أمامَ أحد خيارين: إما أن تساعدها من دون مقابل، أو أن تتركها وشأنها وتمضي في حال سبيلك. لم أسلك يوماً طريقاً ثالثة. فكيف أسلكها اليومَ وأخون واحداً من أكثر مبادىء حياتي رسوخاً؟! وأخونه مع من؟ مع البنت التي لم تنم الليل من شدّة خوفها عليّ بعدما سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل. أنتِ يا رشا شخص قريب إليّ. أنتِ شديدةُ القرب إليّ، إلى قلبي، إلى نفسي. لقد اشتهيتُ جسدك مرّة. أعترف. وقد أشتهيه مرّةً ثانيةً وثالثة. لست أدري. ولكنني لن أدفع لك نقوداً مقابل هذا الجسد، أو هذه الشهوة.لن أخون نفسي. لن أمارس استغلال النفوذ فيما تبقى لي من أيامٍ في هذه الحياة. ابتدأتُ حديثي معك عن النقود ومن النقود لأنني كنت أريد أن أصل بك إلى نقطة بعيدةٍ عن جمال نهديك. – وابتسمتُ – على كل حال، ربّ ضارّةٍ نافعة ! فقد رأيت اليومَ منظراً جميلاً قد يساعدني في تجاوز هذه الكآبة وهذا المرض. شكراً لك! وشكراً لسوء التفاهم.يبدو أنه يكون ذا جدوى في بعض الأحيان. وهنا انزاحتِ الرموشُ الطويلة السوداء عن بعضها بكسلٍ مِغناج، وآثارُ البللِ مازالتْ عالقةً في الأهداب. قلت: هل أتابع؟ أومأتْ لي بعينيها الوسيعتين أن نعم.قلت: سوف أبوح لك بسرٍ ليس مهمّاً. أنا، وقد تتفاجئين، لم أتحرش يوماً بامرأة. أبداً. لم أكن البادىء في أية علاقة نسائية. لم أكن المبادر إلى تلك العلاقة.كنت أستجيب أو لا أستجيب. هذا أمرٌ آخر. ولكنني لم أكن صاحب المبادرة مع أيٍ من النساء اللواتي عرفت في هذه الحياة اللعينة. ما أقوله لا يندرج في بند الغرور. أقول حقيقة ما جرى لي مع الجنس اللطيف.هكذا الله خلقني، وليس عندي اعتراضٌ على حكمته..لم أكن واثقاً من أنها تسمعني باهتمام. ربما كان فكرها مشغولاً بأمرٍ آخر. لعلّها كانت تحاكم سلوكها الذي كان قبلَ قليل! أظنها كانت تبذل جهداً مضنياً لتقنع نفسها بصواب التعري الذي مارسته. ربما كانت تجلد ذاتها وهي تجد نفسها فريسةَ نوعٍ من الندم ثقيل الوطأة على أصحاب النفوس الرقيقة. لكنّ البنتَ خيّبتْ ظنوني من جديد. يبدو أنني بدأتُ أفقد الخبرة الكافية ليس في النساء فقط، بل في الحياة وأشيائها المختلفة، فقد اكتشفتُ فجأةً أن البنتَ كانت تستمع إليّ بحواسها جميعاً. وأنها كانت متأثرةً بما أقول. فقد ارتمتْ عليّ من فورها وأجهشتْ بالبكاء وهي تتمتم: أنا اللي آسفة. سامحني ! بترجاك تسامحني! فهمتك غلط. قلتُ لها وأصابع يدي تمشط شعرها الثقيل: ابكي، ابكي. وعلى رأي أم كلثوم: بيريحني بكايَ ساعات. واضح إنك مقهورة. بس شو نعمل؟ الكل مقهور بهالأيام. وأردفتُ ممازحاً، لكن هادا ما بيعني إنك مو حمارة. ضحكتْ، ورفعتْ جسدها عن جسدي، وقالت: شو هي حمارة حمارة؟! ما عندك غير هالكلمة؟! قلتُ: حمارة لأنك ما سمعتيني للأخير.الناس اللي مو حمير ما هيك بيتناقشوا. قالت: تفضل إحكي، وما رح كون حمارة. قلت: رح أحكي، بس مو هلأ، بالأول اغسلي وجهك، وبعدين طعميني. جعت، ثم كلّه على بعضه صحن شوربة، يعني حلّو يستوي، مانو خاروف مكتّف. ابتسمتْ، وقالت: صح ، كلّه على بعضه صحن شوربة، بس رح يكون أطيب صحن شوربة بتدوقها بحياتك. ونهضتْ وانصرفتْ لتحضر لي أطيب شوربة خضارٍ تناولتها في حياتي فعلاً. شوربة خضار ساخنة بلحم الدجاج. تناولنا الطعام سويّةً. جلسنا متربعين على السرير حولَ صينيةٍ كبيرة. قالت لي: بعد الأكل بدي أعمل دوش. سخنت المي بالقازان، بس بدي بيجاما. قلت : البيجامات اللي عندي كلها رجالية. قالت : مو قصة. قلت : شو بتعرفي تطبخي غير الشوربة؟ قالت: عرفت نسوان كتير بحياتك؟ –ولك وبعدين معك يا بنت؟! بسألك من الشرق بتجاوبيني من الغرب!! –إي شو كفرنا؟! –لأ ما كفرتي. انهبلتي.ثم تعالي نغير الموضوع. دراستك شلون؟! – دخيلك على هالدراسة! – ليه من شو بتشكي؟ اللغة العربية بحر، أو حتى محيط. اختصاص متل أي اختصاص تاني. – دخيلك على هالاختصاص! ممنوع إدخال حرف على حرف.شو أهمية إني أعرف هالقاعدة؟! – ما فهمت. شو هو الممنوع ؟ – يعني بدك تعمل حالك غشيم؟! ممنوع في اللغة العربية دخول حرف على حرف. – مين قال هالحكي؟ – الدكتور. – أنو دكتور؟ بقصد شو اختصاصه؟ بس ما يكون دكتور الأسنان اللي جبتيه يعالجني من الأنفلونزا قام كركبك بعتبة الألم!– أنو دكتور الأسنان إنت التاني؟ دكتور بالأدب العربي. أستاذ عنّا بالجامعة. – عم تحكي جد؟ - شو هالسؤال ؟! يعني أنا من وين بدي جيب هيك معلومة؟ – إذن ، دكتورك هادا حمار يا رشا!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق