الأحد، 28 سبتمبر 2014

توقفتُ عن ملاحقة الطائرة ، ورجعتُ بنظري إلى الأرض فوقع بصري على رشا. كانت مشرقةً أكثر مما ينبغي. كانت وضّاءةً، ريّانةً، لا تكاد تمشي على الأرض. كانت ما تزال في طرف الشارع. نهضتُ من قعدتي وتوجهت صوبها. كانت تحمل في يدها اليمنى كيساً من النايلون أنيقاً. وحين وصلتُ إليها ووصلتْ إليّ ارتمت عليّ وعانقتني. كان عناقها لي عنيفاً ، وأكثر. كان لا يخلو من وحشيّة. أحسستُ بالخجل، فنحن في الطريق، وفي وضح النهار، والشهود كثيرون، و ربما كان مِنْ بينهم مَنْ يعرفني.قلت لها:" ولك عيب يا بنت ! " قالت: " ليش عيب؟" وسألتُ نفسي: فعلاً، ليش عيب؟ ولم أهتدِ إلى جوابٍ سريع.ولكنها ساعدتني بالتقاط طرف الجواب من دون أن تدري. قالت:" ثمّ أنا البنت مو إنت." قلت: " صح، إنتي البنت، بس أنا شايب." ابتعدتْ عني بضعة سنتمترات، وجعلتْ تتأمل عينيّ من خلف النظارة الطبية حولهما. ارتبكتُ في لقاء العين بالعين.والبنت لا تبالي بارتباكي.أصابع يدها المحررة تروح تعبث بشعري." شو صابك ؟! " أسأل مستغرباً، فترد ضاحكة:" تسلملي هالشيبة ! " ولست أعرف من حقيقة ما قد حدث تلك اللحظة سوى أنني اتخذت قراراً يقطع العلاقة بهذه البنت الناضرة. لقد صارت هذه البنت، فجأةً،عبئاً ثقيلاً عليّ لا أقدر على تحمل أوزاره، فقد عادت هرمونات الذكورة إلى النشاط فجأةً من بعد طول بياتٍ في خلايا الذئب العتيق. لقد اشتهيتُ جسدها حين لقاء العين بالعين. هذا أمر لا إنصاف فيه.وهذا أمرٌ لم يحدث بيني وبينها في أيّة مرّةٍ سابقة.أظنها قد أحست بتباريح ما ألاقي، فهدأتْ قليلاً، وحاولتْ مداراة الموقف. لكنها لم تنجح.قالت لي بعد أن جلسنا:" هذه لك." وقدمتْ لي كيس النايلون الأنيق.قلت:" ما هذا؟ " قالت: " حلويات شاميّة." "وهل مازال ثمة من يصنع الحلويات الشامية في دمشق؟" " نعم. ومازال ثمة من يشتريها أيضاً." وأضافت:" في المناسبات العظيمة طبعاً." عودتي إلى دمشق مناسبة عظيمة ! ما الثمن؟ بحر الحنان الذي جفّ إلى آخر قطرةٍ فيه ؟! ما الثمن؟ وهل أنا قادرٌ على أن أدفع ؟ ليس أنا، بل قلبي المتعب.ضميري المثقل بالآثام القديمة. أنا لست ثعلباً. لم أكن ثعلباً في يومٍ من الأيام.أنا الآن ذئب هرِمٌ لا أكثر. لست ذئب البحار. لست ذئب البوادي. أنا ذئب شائخٌ بات ينتظر الضربة الأخيرة من قبل أن يهوي صريعاً. المسألة كلها: متى وكيف وأين ومن أين.لا أقول:لماذا ؟ الجواب واضح.المرايا لا تكذب.... من رواية : عتبة الألم .
كانت البنت فائقة الوضوح.وهذا أمر رائع، رغم أنه متعبٌ جداً. يجعل خياراتك قليلة. يجعل قراراتك ضعيفةً ومترددة. أكثر من سبعة شهورٍ انقضت على ذلك النهار الذي اتخذت فيه قراري المفاجىء ببتر العلاقة مع هذه البنت. سبعة شهور وأنا أقنع نفسي- كل يوم - بأنه لم يبقَ في الكرْم غيرُ الحطب. سبعة شهورٍ وأنا أكذب على نفسي وعلى رشا أيضا. وما سبب ذلك الكذب غيرُ وضوحها الفائق.أعترف بأنني بتّ أخاف عليها من ذلك الذئب الشائخ الذي يسكنني. ذلك الذئب المحتضر، والذي يصحو من سكرة الموت بين حينٍ وحين ويجيل النظر في الأرجاء من حوله بحثاً عن فريسة سهلة التقطيع على أنيابه التي نخر السوسُ حتى جذورَها. يا نسيمَ الروح قولي لرشا.. ليت بقية النساء كنّ معي كذلك ! عندما سألتني عزّة على الموبايل إن كنت أرضى لقاءها.قلت لها:" بالتأكيد أرضى،فنحن لسنا أعداء،حتى إنني أتذكر الخوالي معك من الأيام بين وقتٍ وآخر.ولا أتذكرها إلا بحب." والتقينا في مقهى هافانا. وشكتْ لي الأيام َوغدرَها. واشتكت من زواجها الثاني الذي احتضر توّاً، ووصفته بالعاثر. وتمنت لو أن عادت بنا الحياة إلى تلك الأوقات العذبة "عندما كنا سويةً أنا وأنت." قلت لها يومئذٍ:" ولكنّ الموتى لايرجعون إلى بيوتهم في المساء." قالت:" قرأت هذا الكلام في إحدى رواياتك التي كتبتها بعد طلاقنا. وأعتقد أنك كنت تقصدني أنا." " لقد كنت أقصدك أنت فعلاً.والآن قولي لي: ماذا كان سيحدث لو رجعتْ بنا الحياةُ إلى تلك الأوقات التي كانت عذبةً، بل حتى كثيرة العذوبة ؟ " قالت:" كنت سأرفض الطلاق.وكنت سأقاتل من أجل ذلك بلا رحمة." وصدقتها..صدقتها بلا حدود، وقلت:" لا أرى ساعة حول معصمك.هل هذا على علاقةٍ بغدر الأيام؟ " " لا.عندي ساعةً يابانية،ولكنّ حزامها المعدني يسبب الحساسية. " خلعت ساعتي السويسرية من يدي، وقلت للمرأة التي كان لي معها أوقاتٌ عذبة:" أعطيني يدك لو سمحت ! " ومدّت يدها، ووضعتُ الساعة حول معصمها، وقلت:" هذه لا تسبب الحساسية.
تذكرت أن علاقتي بأستاذ (نظريات الدرامة) كانت شائكة. وكان لي علاقة شائكة أيضا بأستاذ مادة (الفلسفة) وبأستاذ مادة (اﻹلحاد) وبتلك اﻷستاذة الشقراء الجميلة التي كانت تدرسنا مادة (علم الجمال)، وبالسيدة العجوز التي تدخن الكثير من السجائر وتدرسنا مادة (السينما و الأدب). وعدا هؤﻻء الخمسة كان ثمة واحدٌ وعشرون أستاذاً لواحدةٍ وعشرين مادةً مختلفة، ربطتني بهم علاقةٌ طيبة، حتى إني حصلت على علامة (ممتاز) غير مرّة.إذن، لم أكن طالبا مشاغبا، أو غبيّا، أو كسوﻻً. فأين المشكلة مع بعض اﻷساتذة ؟ أين المشكلة مع أستاذ (نظريات الدرامة) مثلاً ؟ ربما كنت أهابه أكثرَ من اللزوم، شأني شأنُ بقية طلاب صفي. كان عددنا أربعةَ عشرَ: سبعة شباب وسبع صبايا، وكلنا في عمر الورود بعد. كنا قابلين للتقصف بسهولة. وأستاذنا شخص مشهور.كتبه في اﻷسواق تلقى رواجا واسعا. كان أحد كبار المثقفين في الحقبة السوفياتية المتأخرة. ولكنه كان متعاليا على طلابه الذين مازالوا في حقل الثقافة يَحْبون بعد. ﻻ يقدرون على المشي بعد. وكان هذا الرجل المشهور يطالبنا بالذهاب إلى اﻷولمبياد واﻻشتراك في سباق الماراثون. وربما كان يطالبنا بأكثر من ذلك: التتويج بالميدالية الذهبية، فنحن نستحقها حتماً، ما دام هو أستاذنا أو مدربنا. طلبك هذا يفتقر إلى العدل يا حضرة البرفسور.قررت يوماً- في إحدى المحاضرات - أن أكون مشاكسا بحكم عناد الشباب. قلت له: " يا حضرة البرفسور ! أنتم تسمونها نظريات، ولكنكم تتحدثون عنها بوصفها قوانين.أﻻ ترون في هذا تناقضا ما ؟ " ردّ علي يقول:" الدرامة التي نعرفها هي نتاج تجربة البشر منذ سوفوكل اﻹغريقي وحتى ميلر اﻷميركي مرورا بشكسبير اﻹنكليزي وموليير الفرنسي وإبسن النرويجي وتشيخوف الروسي." رحت أهز برأسي موافقا على صحة هذا الكلام، وسألت:" وماذا بعد ؟ " تنهد البرفسور وقد بدأ يضيق بي ذرعا، فقد كان يكره الأسئلة من طلابه، وقال:"هذه الدرامة عرفناها جيدا، وفي التالي يمكننا الحديثُ عن قوانينَ من نوع ما.- واستدرك،وأضاف - ولكنْ..- واستدرك مرة ثانية - ولكنّ التجربة اﻹنسانية لم تستكمل دورتها." "إذن،ماذا؟" " إذن، الحياة مفتوحة على كل اﻻحتماﻻت. ومادامت كذلك فلا يمكن للنظرية أن ترقى إلى مستوى القانون، فقد تفاجئنا الحياة في أية لحظة بأمر ينسف الكثير من القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي سنة." " أمرٌ مثل ماذا حضرة البرفسور؟ الحرب مثلا؟ لقد خبرتها البشرية جيدا. أنتم هنا في روسيا أكثر الناس دراية بويلات الحروب من بعد أن عشتم صراعاً دموياً مرعباً مع النازية الألمانية.أريد أمثلة حضرة البروفسور عن طبيعة ذلك الشيء الذي يمكنه أن ينسف القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي عام.السلطة مثلاً ؟ العبودية ؟ الحب؟ لديكم في أوروبا قصتان عن الحب أتعبتا عيون البشر حول الأرض من البكاء. لديكم روميو و جولييت. ولديكم الأهم منها: تريستان وإيزولدا.أظن أن جميع الأمم قد خبرت الحب جيداً.نحن العرب على سبيل المثال كان عندنا قبيلة اشتهرت بأن الشباب فيها والصبايا كانوا يموتون حين يعشقون.هذه القبيلة اسمها عِذرة.وقد ظهرت لدينا سلسلة طويلة من الشعراء اسمهم العِذريون، رغم أنهم لا ينتمون بصلة قربى إلى تلك القبيلة." لقد تعمدت الاستفاضة في الحديث.كنت مستعداً أن أقول أي كلام من أجل إغاظة البروفسور المغرور الذي وقف وسْطَ القاعة مكتّفاً ذراعيه حول صدره يتأملني (باستخفافٍ حتماً)، أما زملائي فقد كانوا سعداء بجراءتي، كانوا يبتسمون لي ولو بعيونهم فقط."هل انتهيت يا ولد؟ " قال البرفسور وهو يشملني بنظرة فيها الكثير من عدم الرضا.." انتهيت من ماذا حضرة البرفسور؟ " " من محاضرتك عن تاريخ الحب حول العالم." " محاضرة؟.أنا ؟.أبداً..لم أقصد شيئاً من هذا." " ألم تكن تقرأ علينا درساً في تريستان و إيزولدا، وأؤلئك الشباب والصبايا الذين كان يقتلهم الحب؟ " " لا أبدا حضرة البرفسور.كنت أريد أمثلة حول طبيعة ذلك الشيء الذي قد يجعلنا ننسف تعب آلاف السنين.فقط أمثلة.أريد أمثلة حضرة البرفسور." " تريد أمثلة. حسناً.ولكن قل لي: هل تعرف أحداً من هؤلاء الشباب والصبايا الذين يموتون من العشق، والذين أستطيع أن أراهن بأنك لست منهم؟ أظنك تنتمي إلى فصيلة بعيدة عن الموت حباً. أظنك من هواة التسكع بين النساء.أليس كذلك؟ " " إلى حدٍ ما حضرة البرفسور. " " إلى حدٍ ما ! يا سلام ! وماذا تعني هذه ال إلى حدٍ ما؟ هل نحن أمام نصف حقيقةٍ مثلاً؟ أو إننا نتحدث عن ربع حقيقة؟ أليس ثمة قانونٌ واضحٌ يحكم علاقتك بالنساء؟ ألا تملك مثل هذا القانون ؟! " " أظن أنّ أمراً كهذا لا يخضع لقانون ثابت. " " أيّ أمرٍ هو؟ هل تستطيع أن تحدده بالضبط؟. " " نعم أستطيع. الحب. المرأة ." " وبماذا تختلف الدرامة عن المرأة؟ " " لا أعرف حضرة البرفسور. سبق أن طرحتم عليَّ هذا السؤال ، وقلت لكم إنني لا أعرف أوجه الاختلاف بين الاثنتين، ولا أعرف أوجه التشابه أيضاً . " " برافو ! والأصح طبعاً ليس برافو.هل تدري لماذا؟ لأنك تملك نصف حقيقة، ثم لا تبذل أيّ جهدٍ للبناء على ما تملك. هل هو نوعٌ من الكسل مثلاً ؟ " " لا حضرة البرفسور، إنني لست كسولاً . " " إذن أنت مشاغب أو فوضوي." " لستُ فوضوياً ولستُ مشاغباً أيضاً. " " لستَ كسولاً، ولستَ مشاغباً، ولستَ فوضوياً، فمن تكون؟ لماذا لا تحاول بناء شيء على ما تملك من معرفة؟ " " لم يخطر الأمر ببالي يوماً. " " إذن، متى سيخطر ببالك؟ حين تقع في هوى بنتٍ من هؤلاء الذين يموتون حين يعشقون؟! " " لا أظنّ بوجود مثل هذه البنات في زماننا المعاصر. " " كيف وصلتَ إلى هذا الاستنتاج الغريب؟!! قلت إنها قبيلةٌ. والقبيلة بالضرورة مجموعةٌ كبيرةٌ من الناس. أين ذهبتْ جيناتهم؟! لا يمكن أن تكون قد تبخرت. وبالمناسبة أمر هذه القبيلة العربية ليس سراً، عديدُ الكتاب الأوريبيين كتب حول هذه الظاهرة الغريبة،وبالمناسبة أيضاً، ماذا أنت فاعلٌ لو وجدتَ نفسك عالقاً في الغرام مع واحدةٍ من هؤلاء البنات؟. " " لا أظن بوجود هؤلاء البنات اليومَ حضرةَ البرفسور. " " لا تظن !. رائع.. جوابٌ رائع يعفيك من أية مشقة في التفكير! هذا ليس جيداً ! " ويفضّ البرفسور اشتباك ذراعيه حول صدره ويستدير منصرفاً إلى كرسيه المريح على المنصة الكبيرة وهويردّ بتعاليه المعتاد على أسئلتي الصبيانية:" تكون مخطئا أيها الفتى إن كنت تعتقد بأن الهوّةَ كبيرةٌ في الدرامة بين النظرية وبين القانون. إنها ليست سوى خيطٍ رفيعٍ جدا عليك أن تملك بصراً حديديا لكي تراه. وحين تراه يجب أن تحافظ على بصرك حديديا من أجل ألا تفقد ذلك الخيط، ﻷنه سوف يساعدك في الوصول إلى خلاصك." " خلاصي من أي شيء يا حضرة البرفسور ؟ " "ومن أين لي أن أعرف ماذا تخبئ لك الحياة ؟! الشيطان وحده يعلم ذلك. وفي جميع اﻷحوال أنت لست طالبا في كلية الرياضيات أو الفيزياء.إنْ كنتَ تبحث عن سهولة العيش فاذهب إلى هناك.هناك الحياة سهلة.هناك القوانين واضحة..واضحة، صارمة، باردة، محايدة، وبالتالي الحياة عندهم سهلة جداً..سهلة إلى حد أنهم قادرون، ببساطة،على بناء محطات الفضاء، وقادرون، ببساطة أكبر،على الوصول إلى المريخ في الزمن القريب، قادرون على القيام باكتشافات هم يسمونها مذهلة، وأنا أسميها هراء، فإنني أتحداهم جميعا أن يحضروا اﻵن إلى هذه القاعة وأن يكتشفوا ما في نفس طالبي المسكين الذي يقف أمامي عاجزاً عن معرفة الفرق بين النظرية وبين القانون. تذكر دائما أيها الفتى أنك ﻻ تتعاطى الرياضيات أو الفيزياء. تذكر دائما أنك هنا. وهنا اﻷمور معقّدة، فهنا قد يجتمع الشيءُ وضدُّه في سلةٍ واحدة، ويكونان برفقة طيبة جدا. عليك أن تتأقلم مع هذا الوضع، رغم غرابته."
خرجتُ من الفيس. أغلقت الموبايل. قلتُ بصوتٍ مرتفع: اعمليلي قهوة ورجعيلي سجايري، أنا ماني عبد عندك. سمعتُ ضحكتها. قالت من دون أن تتوقف عن الضحك: بنصحك تكون عبد عندي أنا. أنا أرحم من غيري بكتير. مين غيرك؟ سألتُ. قالت: لا تعمل حالك غشيم. قلت في نفسي: لا حولَ ولا قوّة إلا بالله! قالت من بعيد: سمعتك. رحت أسأل نفسي: من وين إجتني هالمصيبة؟ قالت: كمان سمعتك. قلت في نفسي أيضاً: أحاول أن أنام. قالت: لا تنام. هذه البنت تعلمُ الغيبَ أم ماذا؟ قالت: عم أعملّك زهورات. قلت: ما بحبها. قالت: مو على كيفك. بعدين مو أنا ماما؟ بدك تسمع كلمة الماما. طمرتُ رأسي تحت اللحاف. وأغفيتُ سريعاً. كانت إغفاءةً قصيرةً على نحوٍ غريب. لعلّها لم تدم أكثر من دقيقةٍ، أو بعضٍ من دقيقة. قالوا كم لبثنا. إنها تأثيرات المرض دون شك. ومن تأثيرات المرض أيضاً: فقدانُ الإحساس بالمحيط. مَنْ هذه البنتُ تكون؟ أم إنني صعدت إلى السماء وصرت في مواجهة الملائكة؟ من أنتِ؟ كدتُ أسألها. كانت ملاكاً على هيئة أنثى. امرأةٌ صغيرةٌ تفيض عافيةً ومَلاحةً. يا الله!! إنها هناء.قالت لي:متى ستأتي؟. اشتقت إليك ، اشتقت إليك كثيراَ، وطال إليك انتظاري! قلت لها: أنا قادمٌ يا هناء! أنا قادم. أرجوك يا ألاّ تملّي الانتظار، أعرف أني تأخرت. سامحيني يا هناء!! - هل سببت لك العذاب؟ هل سوف تظل تتعذب؟ - من أنتِ يا هناء؟ - أنا حمامةُ الأيكِ. – بل غصّةُ العُمرِ أنتِ.. وفتحتُ عينيَّ. كم لبثنا؟ رفعتُ عن رأسي الغطاء وكنت أتعرق.رأيتها تقف على بعد خطوةٍ من السرير أو نصف خطوة. سألتني بصوتٍ يفيض بالندم: صحّيتك؟ قلت: لأ ما صحّيتيني، ما بعرف ليش صحيت، ولا بعرف كيف نمت.كانت ترتدي واحدةً من بيجاماتي الشتوية السميكة، ولكنها كانت بيجامةً مكويّة، وأنا شأني شأن غالبية الرجال العازبين لا أكوي البيجامات.وحدها الملابس الخارجية أرسلها إلى المصبغة. كانت ترتدي بيجامتي السماوية المفضلة لديّ.وكان هذا اللون يليق بها تماماً.كان وجهها وضّاءاً، وكانت عيناها أكثرَ بريقاً من أيّ وقتٍ مضى، وشعرهُا الثقيلُ أيضاً كان أكثر غزارةً من أي وقتٍ مضى. كانت تقف حاملةً صينيةً صغيرةً عليها كأسان زجاجيتان يتصاعد منهما البخار. اعتدلتُ في رقدتي بأمرٍ من بريق عينيها. الطلب في تينك العينين واضح. تريد البنت أن تجلس متربعةً قبالتي على السرير كما فعلنا مع الشوربة. وهذا ما كان.قالت لي: كنتَ عم تحلم. – لا أعرف كيف دخلتُ في الغفوة. - كنتَ تتحدث إلى إحدى النساء. – حقاً؟ - نعم، أظن ذلك،امرأة ربما كان اسمها هناء.- ربما! لا أتذكر هذا الحلم.- لماذا تهرب دائماً عند الحديث عن النساء في حياتك؟- لا ، إنني لا أهرب.على أية حال، هناء لم تكن من نساء حياتي. – من هي إذن؟ حدثني عنها. قلت لها بعدما تناولتُ رشفةً من الزهورات الساخنة: لا أحبّ هذا الدواء.قالت: رجعتَ تهرب.- سوف أحدثك عن هناء. هذا وعد، ولكن ليس الآن.- متى إذن؟ - في وقت آخر. – يا سلام! هل تضحك عليّ؟ في وقتٍ آخر!! قد يكون هذا الوقت الآخر بعد سنة أو حتى سنتين، أليس كذلك؟ - لا، بل سوف يكون قريباً جداً. – اليوم. – حاضر، اليوم، بشرط أن تعفيني من تناول هذا الدواء. ضحكتْ. قلتُ لها: "عال! هذا يعني أنّ مزاجك رائق. إذن اسمعيني، ولكن اسمعيني للنهاية قبل أن تنطقي بأيّ حرف، اتفقنا؟ – أومأتْ بعينيها الحلوتين أن نعم. – ممتاز. أعود إلى موضوع النقود.أنا أملك حساباً بالبنك، وأنا أريد أن تشاركيني هذا الحساب. وأنا أيضاً لا أقوم بهذه الخطوة من أجلك أنت، بل من أجل نفسي. هل سبق أن كان لك حسابٌ في البنك ذاتَ يوم؟ -أومأتْ بهزة بالكاد مرئية من رأسها أن لا.- الأمر بسيط. ثمة شيء في نظام البنوك اسمه: حساب مشترك.وهذا ما سوف نفعله أنا وأنت. تصيرين شريكتي في هذا الحساب. ويصير من حقك أن تتصرفي بالمبلغ الموجود لديهم بكل بساطة، ومن دون أية مساء لة من أية جهة. من المؤكد أنك تسألين نفسك: لماذا؟ الجواب على لماذا هذه سهل. إنني سوف أعتمد عليك في اللحظة التي لا تتكرر في عمر الإنسان مرتين. " وكان عليّ ألاّ أصمت بعد تلك المقدمة التي بدتْ مقنعةً إلى الآن. صمتيَ المفاجىءُ منحَ الصبيّةَ فسحةً من الوقت للتفكير المضني. لقد بان ذلك في عينيها اللتين لم تعودا صافيتين تماماً. ظلّتْ تحدق في عينيّ راجيةً ألاّ أنطق تلك الكلمة التي لم أستطع النطق بها بتلك البساطة التي ميّزتِ المقدمةَ المقنعة. ولكنْ لا بدّ مما ليس منه بدّ. قلت مرةً واحدة كمن يرمي عن كاهله عبئاً ثقيلاً: " القبر." هبطَ على البنت صمتٌ ثقيلٌ مرّةً واحدة. أظنها أصيبت بالبكم. هكذا بدتْ لي تلك اللحظة. ظلّت تحدق بي. كانت تفعل ذلك بثباتٍ عجيب، لدرجة أني لم أعد قادراً على الاستمرار بالنظر في عينيها. تشاغلتُ عن عناد نظرتها بشرب الزهورات التي أكرهها. وعندما استنفدتُ وسيلتي هذه للهروب من المواجهة معها، ورجعتُ إلى لقاء العين بالعين وجدتُ النظرةَ ذاتَها جاهزة ًفي استقبالي. لعلّها كانت بتلك النظرة تقول لي: أنا أحميك من الموت، فلا حاجة بك إلى القبر. شبابي الفوّارُ كفيلٌ بتوفير الأمن و الحماية من كل سوء ينتظرنا نحن الاثنين. تعال نتشارك في هذا وليس في حسابك البنكيّ، فهذا أمرٌ جدير بالمشاركة، وربما كان الأمرَ الوحيدَ الجدير بذلك. قلت قافزاً فوق جميع ما قرأت من أفكارٍ في العينين الوسيعتين: لم يبقَ لي في هذا العالم أحدٌ سواكِ يا رشا. الجميع رحل. وبقيتُ مثلَ السيف فردا.كلماتٌ شهيرةٌ غنتها السيدةُ فيروز، ولكنني في الحقيقة لا أعرف قائلها. كنت كمن يستجدي الموافقة على طلب القبر المفاجىء. كنت كمن يستجدي ليس تعاطفاً، بل عطفاً. ولكنّ هذه الطاغيةَ الصغيرةَ التي تقابلني لا تعرف الشفقة. لا وجود لكلمةٍ كهذه في قاموس شبابها العامر بمفردات الحياة الفائرة. لم يكن قد تغير في نظرتها إليّ شيء. كانت كمن يردّ على ما أفكّر به حول قاموس مفرداتها. نعم، الحياة، وليس الموت. ومضيتُ أتوسلُها وأنا أفقدُ أسلحتي واحداً بعد آخر: بالأمس يا رشا. بالأمس في قلب الليل احتلني الرعبُ من خشية أن أفقد حقي في العدالة التي كنت قد فقدتها في الحياة، فليس عدلاً أن أفقدها في الموت أيضاً. تصورت أنني مائتٌ بلا ريب، وبأنّ أحداً لن يعلم بموتي قبل عودة صديقي من السفر بعد شهرٍ وأربعة أيام. ماذا كان يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة الطويلة؟ فهل أذهب للقاء ربي متحللاً؟.ألا تكفيني الذنوب التي اقترفتها في حياتي؟ ألن يكون هذا التحلل اعترافاً بذنب الموت وحيدا مثل ذلك السيف فردا؟ فأنا سيفٌ مثلومٌ يا رشا. لم أعد صالحاً لغير الانصهار في الفرن المعدني، فأعودَ مادةً خاماً تحتاج إلى تصنيعٍ من جديد. هل تدركين ما أقول؟ هل تشعرين بجسامة الذنب الذي أرتكب؟أليس هذا الذنب وحدَه كفيلٌ بإلقائي إلى العذاب خالداً فيه خلودَ العذاب نفسه؟ ولكن هل تعرفين طبيعة ذلك العذاب الذي أخشى؟ أخشى أنني لن أعثر في الموت على راحتي. أخشى أنني لن أكون قادراً في الموت على أن أنام لو كنت متحللاً. لكِ أنْ تتصوري حجم ما سوف ألاقي من جحيم عندئذٍ. هل تدركين الآن حاجتي إلى القبر يا رشا؟ القبر مكان تتحقق فيه العدالة. بل هو المكان الوحيد الذي تنسجم فيه العدالةُ مع نفسها، فلا تميّز بين قتيلٍ وبين قاتله، أو بين جلّادٍ وبين ضحيته. لا تقولي لي إنك قد قرأتِ هذا الكلام في إحدى رواياتي من قبل، فأنا أعرف أنك لم تقرئي شيئاً من تلك الروايات. لم أسمعك يوماً تأتين على سيرتها، ولو من بعيد. سمعتك تتحدثين عن مسلسلاتي التلفزيونية كثيراً. حتى ذلك المسلسل الذي عرضوه وأنتِ بعدُ تسلخين عن بدنك جلد الطفولة وترتدين بدلاً منه روح البنت المراهِقة. ذلك المسلسل الذي عشقتْ فيه صبيةٌ في أوائل العشرينات من عمرها كاتباً خمسينياً، وعشقَها. مازلتِ إلى اليومِ تلومينني على نهاية القصة. إلى اليومِ لا تغفرين لي انفصالَ العاشقيْن الذي يفتقرُ أولَّ ما يفتقر إلى العدالة التي أنشدها الآن حول ضرورة أن أمتلك في هذه الحياة قبراً. ما حكايتك يا رشا؟ لماذا تنظرين إليّ بهذه الغرابة؟ لماذا تمدّين كفك إلى جبيني؟ " لقد عاودتك السخونة." نظرتِ البنتُ إلى معصم يدها. لم يكن هناك ساعة. يبدو أنها نسيتها في الحمّام. نظرتْ إلى ساعتي اليدوية على سطح الكومدينو من يميني، وقالت: حان وقت الدواء. وقالت: " لا تخف! سوف نكسر عتبة الألم. " ونهضتْ عن السرير. انتصبتْ على الأرض مثل شجرةٍ سنديان راسخة الجذور في الصخور العميقة قبلَ أن تنحني على الصينية وترفعها من على الفراش، وتمضي إلى المطبخ. لم تتأخر هناك. رجعتْ سريعاً، وقالت: لقد جئتك بالدواء. وقالت: سوف نعبر عتبة الألم. أعطتْني الجرعة الموصوفة، وأسقتني ماءً طازجاً أحضرَتْه مع الدواء في كأسٍ زجاجيةٍ كبيرة. وتمنّت لي الشفاء العاجل، وانصرفت إلى المطبخ من جديد. ومن جديدٍ رجعتْ سريعاً. كانت تحمل في يمينها ولّاعتي السحرية وسيجارةً واحدة أشعلتها لي بنفسها، وقالت: أنا أفي بوعودي دائماً. وانصرفتْ إلى المطبخ أيضاً. لم أعرف من أجل أيّ شيء ذهبتْ هذه المرّة. الذي أعرفه هذه المرّة أنها تأخرت هناك كثيرا. لم ترجع إليّ سريعاً مثلما توقعتُ. حسبتُ تأخرها نوعاً من الاحتجاج على التدخين، وحسبته نوعاً من الإشفاق عليّ وعلى نفسها وهي تشاهد بأمّ العين إصراراً لديّ غريباً على الإضرار بالصحة. ولكنها تأخرت من الزمن ما يكفي لتدخين عشر سجائر. ما الذي تفعله البنت في المطبخ هذا الوقتَ كلَّه؟ سألتُ نفسي. حتى إنني لست أسمع أيةَ طرطقة. لا شيءَ غيرُ الصمت. أم إنها ليست في المطبخ؟ هل تكوي الثياب مثلاً؟ تلك الثياب التي لم أرسلها إلى المصبغة؟ شغلتْ غيبتُها بالي. ناديتُ: رشا! لم ترد على ندائي. ناديتها من جديد، فلم ألقَ غيرَ الصمت جوابا. نهضتُ من رقدتي. كنتُ أخشى أنّ مكروهاً قد وقع. نهضتُ بسرعة من الفراش نتيجة تلكَ الخشية، فلّفّتْ بيَ الدنيا، وجلستُ على حرف السرير مرغما. أغمضتُ عينيّ، والتقطتُ أنفاسي، وأسندت رأسي بكفين اكتشفتُ ضَعفهما سريعاً. وانتظرتُ استقرار الدوخة بي في مكانٍ ما على وجه هذه البسيطة التي تراءت لي شديدةَ الضيق. وحين مرقتِ اللحظةُ على خير، نهضتُ متوخياً الهدوء في الحركة. وجدتني ثابتاً على الأرض. هذا رائع. الصحةُ تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراه غيرُ المرضى. عبارةٌ لا نتذكرها في غير أوقات الشّدّة، رغم أننا نعرفها منذ الأزل.أخذتُ طريق المطبخ الذي لا بابَ له. وهذا كان من مقترحات المهندس الذي أشرف على تصميم المنزل قبلَ عشرين سنة تقريبا. وعبرَ الباب المفتوح دائماً رأيتها.كانت تجلس على كرسيٍ إلى طاولة الطعام. وكانت قد ألقتْ رأسها فوق ذراعها اليمنى الممدودة بلا مبالاةٍ على سطح الطاولة. وبلا مبالاة أيضاً كانت تتدلى ذراعها اليسرى في حيزٍ صغيرٍ من مساحة المكان الكبيرة. بدتْ لي مثلَ لوحةٍ معلّقةٍ على حائطٍ في أحد المتاحف القليلة التي زرتها حول العالم. لستُ مولعاً بالمتاحف. كثير من الأصدقاء يلومني على هذا الشيء. كيف تعود من باريس من دون أن تدخل متحف اللوفر؟! لم أجد نفسي معنياً بجوابٍ عن هذا السؤال، رغمَ عشقي للانطباعية الفرنسية، والتعبيرية الألمانية.. رشا! ناديتها. قالت: نعم؟– هل كنتِ نائمة؟ – لا. – ناديتك ولم تردّي. – صحيح، ناديتني مرتين. – لماذا لا تردين إذن؟ – أحببتُ أن أخلو إلى نفسي قليلا. – وأنا أفسدت عليك خلوتك! أليس كذلك؟ – ليس مهماً الذي فعلتَه. – ولكنْ ما بكِ؟هل تبكين؟ – لا، لست أبكي. ورفعتْ رأسها بكسلٍ عن ذراعها اللامبالية، ونظرتْ إليّ كي تبرهن لي على صدق ما تقول. لم يكن في عينيها بلل، أو حتى أثرٌ لبلل. جلستُ على كرسيٍ يجاورها. تأملتها مليّاً. كانت قد ألقت من جديد رأسها على ذراعها. ما الذي يدور في دماغ هذه البنت؟ قالت لي فجأةً: بالمناسبة! وصمتتْ لحظةً. ووجدتُ الفرصة مواتيةً لتطرية قسوة الهواجس التي تطوف في روحها المتعبة. قلت: بأية مناسبة؟ ظهرت ابتسامةٌ صغيرةٌ على وجهها مثل طيفٍ عابر، وقالت: بمناسبة وجودك في حياتي. وعادت إلى الصمت وقد هجر الطيفُ مطرَحَه. وكنت متشوقا لمعرفة ما سوف تقول بالمناسبة. ولم تجعلني أنتظر طويلاً. قالت: أنت الرجل الوحيد الذي شاهد صدري عارياً. قلت: وهل هذا ما يؤرقك الآن؟ قالت: لماذا تحبّ أن تفهمني على نحوٍ خاطىء؟! قلتُ: في الحقيقة إنني لا أحبُّ ذلك يا رشا، ولكنّ هذا ما استنتجته من وحدتك. قالت: يبدو أنك لا تجيد الاستنتاج دائماً، فأنا لستُ متذمرةً ولستُ نادمةً على أنك رأيت صدري العاري، ولم أقل ما قلت إلا بالمناسبة، رغم أنّ المناسبةَ في الحقيقة غير موجودة. ولكنكِ اعترفتِ تواً بمناسبة وجودي في حياتك! قلتُ محاولاً تطريةَ الجو من جديد. قالت: هذا ليس مناسبة، هذا وجود، هذا ليس شيئاً عابرأً. لم افهم. قلت: ماذا تقصدين؟ قالت: إنني متعبة، وأريد أن أنام ولو نصف ساعة، أو حتى عشرين دقيقة. ونهضتْ، وانصرفتْ إلى غرفة النوم التي تعرفها. ألقيتُ إثرَها نظرة. وسألتُ نفسي: ما الذي تريده مني هذه البنت؟ ما الذي تريده فعلاً؟ أنا أريد أن أساعدها. أحبُّ أن أساعدها، ولكن عليّ من أجل ذلك أن أعرف أولاً حقيقة ما تلاقي من التعب. وتناسيتُ في لحظتي تلك أن أسأل نفسي عما أريده أنا منها؟ إنني أريد أن تشاركني الحساب المصرفي. هل أستغلّها؟ هل أستغلّ شهامتها؟ ولكنني كنت صريحاً معها. قلت لها: ليس من أجلك أنتِ، بل من أجلي أنا. ولكنْ هل الصراحةُ تمحو النيّة في الاستغلال؟ أوليست الصراحة أشدَّ خبثا من المراوغة أحيانا؟ لم أصل إلى أجوبة عن هذه الأسئلة. عقلي مشوشٌ تماما. القبر. نعم، القبر. آخرُ منازلِ الحياة. لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ. ظلّ عقلي مشوّشا.فكّرت بتدخين سيجارةٍ ثانية. ولكنّ السجائرَ في حقيبة البنت اليدوية. الحقيبة أمامي على سطح الطاولة. يجبُ عدمُ التمادي. زجرتُ نفسي. لن أفتح حقيبة البنت. لن أستبيح خصوصياتها تحت أية ذريعة. وليذهب النيكوتين إلى جهنم. نهضتُ عن الكرسي على مهلِ. الحمد لله! لا دوخة. الحمد لله! ذهبتُ إلى غرفة النوم بخطىً بطيئةٍ، لكنها غيرُ مترنحة،رغم افتقارها إلى الثبات الواثق على الأرض. رشا تحتلّ مطرحي من السرير. تحتل النصفَ الأيمن. ما هذا الاعتداء السافر؟! سألتُ نفسي وأنا أنظر إلى البنت متبسما. كنت سعيداً بوجودها في فراشي، وفي بيجامتي المفضّلة أيضا. هل أطلب منها أن تذهب إلى النصف الآخرَ من السرير؟ فعلى الكومدينو في هذا الجانب أشيائي الصغيرةُ كلها: موبايلي الذكيّ، ونظارتي الطبية الغبية، وكتاب الحماسة، ودفتر ملاحظاتي الاستباقية، وقلمٌ ياباني يكتب بسلاسة حتى من دون تدخلٍ مني.يقرأ أفكاري ويدوّنها من تلقاء نفسه. من المحزن أن انقضى العمرُ من دون أن أزور هذا البلد الذي اسمه اليابان، مع أنني وصلت إلى تخومه، ولم يعد يفصلني عنه غيرُ ساعة طيرانٍ واحدة، هي المسافة التي أظنها تفصل اليابان عن كوريا. وكوريا لم تكن بين ملفات أحلامي البعيدة. كانت اليابان تحتل بين تلك الأحلام جميعاً موقع الصدارة.منذ عام 1958 وأنا مندهشٌ من السحر الذي تصنعه اليابان في العالم. مذ رجع أخي من بيروت في نقاهة ما بعد جراح الحرب. مذ أعطاني تلك الليرات الخمس، ومذ أعطاني علّاقة مفاتيح أيضا. لم أكن أملك أي مفتاح لأي باب، ولكنني، مع ذلك، كنت سعيداً بتلك العلّاقة أيمّا سعادة، فقد كان يتدلي منها أيقونةٌ من زجاج يحمل كل ألوان الطيف حسب انعكاسات الضوء على صفحتها، ومن الجانبين. عددٌ لا يتناهى من أشكال الفتنة الآسرة، حتى تحت إضاءة لمبة الكاز الفقيرة. قال لي أخي يومئذٍ: هذه من اليابان. قلت لأخي يومئذٍ: أنا أحب اليابان يا أخي.فضحك، وأرسل أصابع كفه الطويلة القوية إلى حلقات شعري الخرنوبي ترعى فيها بكل حنان الأبوّة. هل أطالب رشا بالانتقال إلى نصف السرير الآخر؟ ولكنْ، ربما كانت البنتُ نائمة! ناديتها باسمها همساً. لم تردّ على ندائي. انحنيتُ فوقها قليلاً. سمعتُ أنفاسَها الغافية. بطيئةً تلك الأنفاسُ كانت، ولكنها منتظمة. البنت مرهقة. من المؤكد أنها في سهادٍ مذ سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل في ليلتها الفائتة. تركتُها ترتاح. اللعنةُ على من يوقظُ صبيّةً مرهقةً من نومها!!!اللعنةُ على هذه المدافع التي راح المنزل يرتجّ من وقع انفجارات قذائفها فجأةً.أرجوكم يا حماةَ الديارِ! أوقفوا هذا القصفَ قليلا! لا توقظوا البنتَ من نومها.لا توقظوا هذه البنتَ من نومها.فهذه البنتُ الصغيرة متعبة جداً، إذن، دعوها بسلام تستريح قليلا، ولا تزعجوها. أتوسلُ يا حماةَ الديارِ إليكم. كنتُ قد صرتُ في الفراش أنا أيضاً. وكنت لا أرفع بصري عن جارتي الحلوة.أجارتنا إنّ المزارَ قريبُ. وكنت أقول في نفسي: يا الله كم في هذه البنت من مشقة!! حتى المدافع لا تستطيع انتزاعها من المشاركة في وجبة الرز مع الملائكة. وكنت بذلك فرِحا. وكان المساءُ قد هبطَ على المدينة. كانت عيني على رشا، وكانت أذني على انفجارات المدافع، وتذكرتُ أمّي التي لم أكن بِرّاً بها، فعاودني عواء الذئب يترجّع صداه في جنبات رأسي. موجعاً ذلك العواءُ عاودني. أبي يا أبي!. جَرْوكَ الضائعُ مازال ضائعا.جَرْوكَ القتيلُ مازال قتيلا. فتعالَ يا أبي تعال. أنا لا أستطيع إليك ذهابا، فمن يحرسُ البنتَ النائمةَ في غيابي؟! من غيري يحرسها، وأنا كلبُ الحراسة الوفيُّ أبدا؟ لقد اشتقتُ إليك كثيرا يا أبي. إذن، أرجوك أن تشفقَ عليّ وتجيئني مرةً في العمر، فالعمرُ ينفد يا أبي. ولم يبقَ منه غيرُ القبر. وهذه البنتُ الشقيّة ترفض أن تمدّ لي يدَ العون. الحقَ أقولُ لكَ يا أبي. كنت أظن أن هذه البنتَ تمسكُ ببعض خيوط حياتي.ثمّ صرت أظن بأنّ هذه البنتَ لا تمسك بأيٍ من خيوط حياتي. ولكنني مقتنعٌ اليومَ بأنّ هذه البنتَ، واعذرني على خطئي اللغويَّ القادمَ، هيَ كلُّ حياتيَ الباقية. كثيرُ التقلّب في عواطفه ابنُك يا أبي. متناقضٌ إلى حدود الإشفاق ابنُك يا أبي. متناقضٌ هو ابنك على نحوٍ يبعث على الحيرة الدائمة. وما باليد حيلةٌ يا أبي. هذه جيناتك، فلا تلمني. أنت المسؤولُ وحدَكَ يا أبي، فأنت من أورثني هذا التناقض، مثلما أورثتني تلك الأرضَ التي لا أستطيع أن أموت فيها كما يموت البشر العاديّون في أراضي آبائهم وأجدادهم.اللعنة على هذا الموبايل الغبيّ. لم يرنّ طوالَ النهارِ. لم يرنّ إلا في اللحظة التي كان يتوجبُ عليه فيها أن يلزم الصمتَ. أن يخرس تماماً، فقد صنع ما لم تصنعه القنابل. لقد أيقظ حسنائي النائمةَ من غفوتها. اللعنة على من اخترع الموبايل!!! كان الجهاز بعيداً عني. كان في يمين رشا على سطح الكومدينو. ورشا كانت في يميني على السرير. زحفتُ بجسدي قليلاً باتجاه رشا لألتقط الموبايل، علّني أنقذ الموقف قبل فوات الأوان.ولكنّ الأوان كان قد فات. لقد أفاقتِ البنتُ من نومها. أنا آسف يا رشا! كنت ُ قد صرت لها ملاصقا.لم تعلّق بشيء على أسفي. بل ربما كانت كمن يشكر الموبايل على الرنين. لم تفتح البنت عينيها. التقطت الموابايل بيدٍ كسولة، من دون حتى أن تتحرك في رقدتها ولو قليلا. قلت لها: أعطيني النظارة. بدت كمن يرفض الانصياع لهذا الطلب الغبي.سألتها: مين المتصل؟ وبررتُ طلبي: ما بشوف منيح بلا نظارة. فتحت البنت عينيها بكسل، وألقت نظرةً على الشاشة، وقالت: ما في اسم، بس الرقم موجود. وقرأتْ عليّ الرقم التساعي بعجالة. ولم أعرفه. ولم تعطني النظارة. لم تلتفت إلى يمينها، بل انزاحت إلى يسارها، فتوسدتْ كتفي، وقالت: الحكي ما بدو نظارة. قلت لها: افتحي السبيكر. وأطاعتني. وظلّ رأسها مستريحاً على كتفي. وظلّ جهاز الموبايل راقداً في كفها المنتصبة على صدري.
سألتني: ليش عم تضحك؟ وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف لماذا كنت أضحك. قلت لها: اسمعي يا رشا! في موضوع مهم بدي أحكيه معك.- صمتُّ لحظةً، والبنت أصغت بانتباه – أنا عندي حساب بالبنك. قالت: أكيد عندك حساب بالبنك، ويمكن يكون حساب كبير، أقل منها يعني بعد كل هالمسلسلات اللي كتبتها للتلفزيون؟ قلت: يا ريت ما تقاطعيني! قالت: أمرك! قلت: على كل حال، ما عاد حساب كتير كبير، متل ما بتعرفي، ما عم أشتغل. قبل كام سنة كان حساب كبير. كان من ثمانية أرقام، هلأ ما عاد من ثمانية أرقام . وبغضّ النظر عن حجم المبلغ الموجود، أنا بدي تشاركيني فيه. – شو؟! قالت والدهشة تنضح من وجهها، ولعلّ أفكارها قد ذهبتْ بها إلى البعيد.قلت: بدي تشاركيني بالمبلغ. قالت والدهشة تعقد لسانها: بدك تشتريني؟ معقول إنت؟ ما أنا عم أعرض عليك إنو نام معك بتخت واحد! ولاّ كنت مفتكرني عم أمزح؟ أنا ما عم أمزح. وخلعتْ سترتها، وخلعت الكنزة، وخلعت القميص أيضاً.بعجالة كانت تفعل ذلك. امتدّت يداها إلى ظهرها لتفكّ عقدةَ حمّالة الصدر. صرختُ بها: شو عم تعملي؟! قالت، وكان صوتها يختنق بغصّة الخذلان: بدي أثبتلك إنو ما بدي منك فلوس. وخلعتْ حمّالة الصدر، فطمرتُ رأسي باللحاف. قالت: ليش عم تخبي وشك؟ ليكني قدامك، عم أشلح البنطلون.قلتُ لها من تحت اللحاف: إنتي وحدة حمارة. عرفتي شو إنتي؟ حمارة، حمارة، حمارة. صرختْ بي: حيّرتْ سماي! شو بدك؟. قلت من تحت اللحاف طبعاً: البسي تيابك بالأول، بعدين بقولك شو بدي، البسي فورأً ونزلي الأباجور، وشغلي الشوفاج، وعطيني إشارة، وإلا رح ضل مغطي راسي لتمشي من هالبيت، وما عاد بدي شوربة، امشي فوراً. والله ما عدت فهمت عليك شي.تمتمتْ وهي تعاود ارتداء ثيابها. ثم راحت تنفذ بقية أوامري: الأباجور، الستارة، الشوفاج. عادت واقتربت من السرير. جلست على حرفه من يميني، وقالت بصوتٍ مكسور، وبصيغةٍ تقريرية صارمة، رغم البؤس البيّن في ثنياته: عم أسمعك.رفعتُ الغطاء عن رأسي، واعتدلتُ برقدتي حتى صرت نصف جالس، ورحتُ أتأملها. رأيتها بائسةً تماماً. من المؤكد أنها كانت تتعذب. روحها تزأر بمقاومة الخيبة والألم. لعلّها كانت تخاف مني! لعلّها كانت تخاف عليّ! كان واضحاً لي بالعين المجردة أنها تعاني فرطاً في العواطف المائجة. اصطكّت أسناني بقشعريرةٍ مفاجئة لا أعرف إن كان مصدرها السخونة التي في عظاميَ المريضة، أو إنْ كان الخوف الذي تملّكني من رؤية البنت على تلك الحال المتهدّلة.انطبقتْ رموشُ عينيها إلى بعضٍ أمام نظرتي المتأملة. ما الحكاية؟ سألتُ في سري. أتراها تهرب من لقاء العين بالعين من بعدما فضحها ضعفُها أمامي؟ أو من بعدما لمحتُ نهدين صلبين متوثبين في صدرها الجميل عارياً من قبل أن أدفن رأسي باللحاف؟ مددتُ كفي أطلبُ كفها. أعطتني ما أردت، ولكن من دون حماسة ، ومن دون حتى أن تفتح عينيها. رجعتُ أقبّل ظاهر كفها. لا أظنها قد تأثرت بمبادرتي هذه ُ رغم ما فيها من نيةٍ صادقة بالمصالحة. كان في وجهها لامبالاةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ من كل الذي جرى، أو حتى بخيبةٍ مني ومن نفسها، وفي عينيها كان ثمة بللٌ رقيق. مددت يدي المحررة إلى وجهها أمسح آثار البلل من أطراف عينيها، وهمستُ لها أقول: أنا آسف! لم يتحرك فيها شيءٌ أمام هذا الاعتذار الذي قدّمتُه لها عن ذنبٍ لم أرتكبه. قلت في نفسي: إذن يجب كسرُ الحواجز كلها، وبضربةٍ واحدة. قلت: بالمناسبة، عندك صدر جميل. وأظنها شبه ابتسمت، ولكنها ظلت مطبقةً رموش عينيها، وقالت بصوتٍ واهن: بعرف. الصوت واهنٌ، رغم الفرح الذي لا يخفى في طيّاته على ذئبٍ عتيقٍ مثلي. قلت: أكيد بتعرفي، أنا اللي ما كنت بعرف. وظلّت صامتة. إذن، ضربتي لم تكن موفقة بما يكفي. يبدو أنّ خبرتي بالنساء صارت في تناقص ملموس. ما العمل ؟ قلت: اسمعيني يا رشا! ولم تفتح عينيها. سألتُ: هل تسمعينني؟ أومأتْ لي أن نعم. قلت: أنا لم أدفع النقود يوماً لامرأة مقابل جسدها. بل إنني أكره هذا الأمر. أبغضه. أمقته إنْ شئتِ. هل تعرفين لماذا؟ لأنني أرى فيه استغلالاً للنفوذ. إنْ كانت المرأة في حاجة إلى نقود، فأنتَ أمامَ أحد خيارين: إما أن تساعدها من دون مقابل، أو أن تتركها وشأنها وتمضي في حال سبيلك. لم أسلك يوماً طريقاً ثالثة. فكيف أسلكها اليومَ وأخون واحداً من أكثر مبادىء حياتي رسوخاً؟! وأخونه مع من؟ مع البنت التي لم تنم الليل من شدّة خوفها عليّ بعدما سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل. أنتِ يا رشا شخص قريب إليّ. أنتِ شديدةُ القرب إليّ، إلى قلبي، إلى نفسي. لقد اشتهيتُ جسدك مرّة. أعترف. وقد أشتهيه مرّةً ثانيةً وثالثة. لست أدري. ولكنني لن أدفع لك نقوداً مقابل هذا الجسد، أو هذه الشهوة.لن أخون نفسي. لن أمارس استغلال النفوذ فيما تبقى لي من أيامٍ في هذه الحياة. ابتدأتُ حديثي معك عن النقود ومن النقود لأنني كنت أريد أن أصل بك إلى نقطة بعيدةٍ عن جمال نهديك. – وابتسمتُ – على كل حال، ربّ ضارّةٍ نافعة ! فقد رأيت اليومَ منظراً جميلاً قد يساعدني في تجاوز هذه الكآبة وهذا المرض. شكراً لك! وشكراً لسوء التفاهم.يبدو أنه يكون ذا جدوى في بعض الأحيان. وهنا انزاحتِ الرموشُ الطويلة السوداء عن بعضها بكسلٍ مِغناج، وآثارُ البللِ مازالتْ عالقةً في الأهداب. قلت: هل أتابع؟ أومأتْ لي بعينيها الوسيعتين أن نعم.قلت: سوف أبوح لك بسرٍ ليس مهمّاً. أنا، وقد تتفاجئين، لم أتحرش يوماً بامرأة. أبداً. لم أكن البادىء في أية علاقة نسائية. لم أكن المبادر إلى تلك العلاقة.كنت أستجيب أو لا أستجيب. هذا أمرٌ آخر. ولكنني لم أكن صاحب المبادرة مع أيٍ من النساء اللواتي عرفت في هذه الحياة اللعينة. ما أقوله لا يندرج في بند الغرور. أقول حقيقة ما جرى لي مع الجنس اللطيف.هكذا الله خلقني، وليس عندي اعتراضٌ على حكمته..لم أكن واثقاً من أنها تسمعني باهتمام. ربما كان فكرها مشغولاً بأمرٍ آخر. لعلّها كانت تحاكم سلوكها الذي كان قبلَ قليل! أظنها كانت تبذل جهداً مضنياً لتقنع نفسها بصواب التعري الذي مارسته. ربما كانت تجلد ذاتها وهي تجد نفسها فريسةَ نوعٍ من الندم ثقيل الوطأة على أصحاب النفوس الرقيقة. لكنّ البنتَ خيّبتْ ظنوني من جديد. يبدو أنني بدأتُ أفقد الخبرة الكافية ليس في النساء فقط، بل في الحياة وأشيائها المختلفة، فقد اكتشفتُ فجأةً أن البنتَ كانت تستمع إليّ بحواسها جميعاً. وأنها كانت متأثرةً بما أقول. فقد ارتمتْ عليّ من فورها وأجهشتْ بالبكاء وهي تتمتم: أنا اللي آسفة. سامحني ! بترجاك تسامحني! فهمتك غلط. قلتُ لها وأصابع يدي تمشط شعرها الثقيل: ابكي، ابكي. وعلى رأي أم كلثوم: بيريحني بكايَ ساعات. واضح إنك مقهورة. بس شو نعمل؟ الكل مقهور بهالأيام. وأردفتُ ممازحاً، لكن هادا ما بيعني إنك مو حمارة. ضحكتْ، ورفعتْ جسدها عن جسدي، وقالت: شو هي حمارة حمارة؟! ما عندك غير هالكلمة؟! قلتُ: حمارة لأنك ما سمعتيني للأخير.الناس اللي مو حمير ما هيك بيتناقشوا. قالت: تفضل إحكي، وما رح كون حمارة. قلت: رح أحكي، بس مو هلأ، بالأول اغسلي وجهك، وبعدين طعميني. جعت، ثم كلّه على بعضه صحن شوربة، يعني حلّو يستوي، مانو خاروف مكتّف. ابتسمتْ، وقالت: صح ، كلّه على بعضه صحن شوربة، بس رح يكون أطيب صحن شوربة بتدوقها بحياتك. ونهضتْ وانصرفتْ لتحضر لي أطيب شوربة خضارٍ تناولتها في حياتي فعلاً. شوربة خضار ساخنة بلحم الدجاج. تناولنا الطعام سويّةً. جلسنا متربعين على السرير حولَ صينيةٍ كبيرة. قالت لي: بعد الأكل بدي أعمل دوش. سخنت المي بالقازان، بس بدي بيجاما. قلت : البيجامات اللي عندي كلها رجالية. قالت : مو قصة. قلت : شو بتعرفي تطبخي غير الشوربة؟ قالت: عرفت نسوان كتير بحياتك؟ –ولك وبعدين معك يا بنت؟! بسألك من الشرق بتجاوبيني من الغرب!! –إي شو كفرنا؟! –لأ ما كفرتي. انهبلتي.ثم تعالي نغير الموضوع. دراستك شلون؟! – دخيلك على هالدراسة! – ليه من شو بتشكي؟ اللغة العربية بحر، أو حتى محيط. اختصاص متل أي اختصاص تاني. – دخيلك على هالاختصاص! ممنوع إدخال حرف على حرف.شو أهمية إني أعرف هالقاعدة؟! – ما فهمت. شو هو الممنوع ؟ – يعني بدك تعمل حالك غشيم؟! ممنوع في اللغة العربية دخول حرف على حرف. – مين قال هالحكي؟ – الدكتور. – أنو دكتور؟ بقصد شو اختصاصه؟ بس ما يكون دكتور الأسنان اللي جبتيه يعالجني من الأنفلونزا قام كركبك بعتبة الألم!– أنو دكتور الأسنان إنت التاني؟ دكتور بالأدب العربي. أستاذ عنّا بالجامعة. – عم تحكي جد؟ - شو هالسؤال ؟! يعني أنا من وين بدي جيب هيك معلومة؟ – إذن ، دكتورك هادا حمار يا رشا!
- وبعدين معِك ؟
- خير ؟ شو في ؟ 
- أنا ماني مرتاح هون .
- بتحب أغيرلك الغرفة ؟
- لأ . الغرفة ظريفة كتير .
- لكان شو اللي زاعجك ؟
- إنتِ .
- أنا ؟! شو بدر مني لا سمح الله ؟
- اسمعيني منيح .. إنتِ ما بتعرفيني غير بالاسم ، يعني مانك ملزمة تجاهي بأي شيء. وهي منشأة كبيرة اللي عم تديريها . فندق أربع نجوم . منشأة خدمية . يعني إلها طابع اقتصادي . مانها جمعية خيرية . ممكن أفهم ليش أنا ضيف هون ؟!
- لأنك ضيف .
- يا سلام !
- شو اللي مدايقك بهالشي ؟
- اللي مدايقني إني قادر أدفع . صحيح إني ما عم أشتغل ، بس مع ذلك عندي كام ليرة . هادا طبعاً إذا خايفة علي .
- أكيد خايفة عليك ، بس أنا مو لهالسبب قلتلهن يعاملوك ضيف .
- إذن لأي سبب ؟
- إنت ابن المؤسسة العامة للسينما . وأنا هي المؤسسة إلها عندي مكانة خاصة .
- شو هالحجّة العظيمة هاي ؟ بعدين أنا ماني ابن المؤسسة العامة للسينما . كنت ابنها .
- أنا ما دخلني .
- ما فهمت . كيف يعني ما دخلك ؟ ما إنتِ المدير هون . المدير العام . وقالولي بالمحاسبة إنه هادا أمر منك إنتِ تحديداً .
- إي ما .
- شو هي ما ؟! وحياة الله إنك متل الأطفال . ناقص بعد شوي تحردي . عن جد ، شو يعني ما ؟
- ما بعرف ، ما دخلني ، ماني فاضية. بالإذن ! ناطريني بالمكتب . عندي اجتماع .
وتركتني ، ومضت . التقيتُها في بهو فندق برج الفردوس حيث أقيم منذ ثلاثة أسابيع . نظرتُ إثرَها وهي تذهب إلى المصاعد ، وتطلب أحدها . ولم أعرف ما أقول سوى : رولا الركبي ! يا ليتني كنتُ الإنسانَ الذي يسكنك !
كنت أتأملها من بعد هذه الغيبة الطويلة، وكان لديّ شعور غريبٌ، ولكنه ثابت: نحن لم نفترق لأكثر من يومين اثنين فقط. ذهبتِ المرأةُ إلى منزل والديها لأن أمها كانت مريضة. وها هي تعود الآن إلى بيتها. وأظن أنها كانت تفكر بالطريقة ذاتها، فقد ظهرت في عينيها، رويدا رويدا،غلالةٌ من دمعٍ شفيف.ولكنّ المشكلة أنّ تطوراتٍ كثيرةً وقعت في هذين اليومين. أين أذهب برشا ؟ لا أستطيع أنْ أتخلى عن هذه البنت التي أجزم في الصباح من كل يوم أنها تمسك بخيوط ما تبقى لي في هذه الحياة، ثم في المساء أجزم بأنّ هذه البنت لا تمسك بأيٍ من خيوط تلك الحياة المتبقية. قلت لعزّةَ وأنا أنظر في عينيها:" لن أتخلى عنك.هذا وعد.والآن قولي لي:ما حقيقة وضعك؟ ما حقيقة احتياجاتك؟ دعينا نبدأ باحتياجاتك المالية. قولي ولا ترحميني، وأعدك بأن أجعلك في غير ما حاجةٍ عند العاشرة من صباح غدٍ." والتزمتُ بالوعد الذي قطعته على نفسي أمامها. وسافرت إلى القاهرة. وتخليتُ عنها، لأنني في الحقيقة رجعتُ إلى دمشقَ بسبب رشا، وليس بسبب عزة، التي كنتُ قد صارحتها بأنّ أحداثاً كثيرةً وقعت في ذينك اليومين اللذين غابتهما عن البيت. وحدثتها عن رشا. وفي الحقيقة أنني خجلتُ لاحقاً من تلك الصراحة. وما مردُّ خجلي إلا احترامي ل (سر السعادة). لا يجوز أن نبصق في ماضينا، فإننا نكون عندئذٍ كمن يبصق في روح الوجع. أم تراني أجلد نفسي على ذنبٍ لم أرتكبه؟ أظن أنني كذلك. الصراحة خيرٌ من الغموض. قالت لي بعد أن اجتمعتْ برشا مرّةً: ولكنها طفلة. قلت: أعرف. قالت: إذن ماذا؟ قلت: لا أعرف.. قالت: ما الذي يحدث معك؟! ألا تكفينا المصائب التي من حولنا؟ ما الذي يحدث معك؟! ما الذي يحدث في هذه المدينة ؟!. وهأنذا الآن أفكر بالسؤال ذاته.. ماذا يحدث في هذه المدينة غيرُ تقلباتٍ عنيفة وانعطافات حادة؟ انعطافاتٌ لا يقدر على القيام بمثلها حتى (شوماخر) صاحب الأرقام القياسية في سباق السيارات. ولكنّ شوماخر يتبارى مع الآخرين في ميادين الرياضة وليس في حلْبة الشرور.وهذا فارقٌ مخيف.نحن نتسابق في الرداءة. إلى أين وصلنا يا الله ؟ وماذا زرعنا لنحصدَ هذا الخراب كله ؟! لن تحصد القمح إن كنتَ قد زرعتَ شعيراً.ولن تحصد شعيراً إن كنتَ قد زرعتَ زيوانا. هذا أمرٌ يعرفه حتى الأطفال الصغيرون. إذن، علينا أن نغيّر شيئاً ما في صيغة السؤال: مادام الجَنْيُ هذه الكوارثَ فما طبيعة الشرور التي زرعنا ؟ الأمر يحتاج إلى بحث مستفيض.إننا غالباً ما نتباهى بأنّ دمشقَ أقدمُ عاصمةٍ مأهولةٍ في العالم. وهي كذلك فعلاً. ولكنّ هذا الكلام يحمل في طيّاته إهانةً لنا كبيرة.نحن الأقدم. إذن، نحن أصحاب الخبرة الأكبر.هذا ما يقوله المنطق. منطق الحياة. منطق التاريخ. فالخبرات تراكمية. ما الذي تراكم لدينا في واقع الحال ؟ أتحدث عمّا قبل الكارثة. لدينا واحدة من أسوأ البنى التحتية في عواصم الدنيا.أظن أن دمشق في عام 2010 احتلت المركز (157) في عالم الإنترنت بين تلك العواصم المئتين . لدينا شبكة كهرباء فائقة التخلف. أما هذا الاختراع العجيب الذي اسمه طرقات فإننا نتحدى به شوماخر نفسه ، وليُحضِر معه من شاء من المتسابقين الأقوياء إلى حلْبة تخلفنا. سوف نصرعهم جميعاً.بالضربة القاضية. وبسرعةٍ قياسية. لدينا من التخلف ما يسمح لنا بتنفيذ هذه المعجزة التي ليس فيها غيرُ إعجاز التخلف. نقول إننا أول مَن بنى المساكن الجميلة.آلاف الأعوام نبني أجمل مساكن العالم: المنزل الدمشقي الذي هو جوهر العمارة العربية والإسلامية. حتى تلك التحفة المعمارية في مدينة غرناطة الإسبانية، والتي تُشتهر باسم (قصر الحمراء) ليست، في حقيقة الأمر ، إلا منزلاً دمشقياً بأبعادٍ معمارية عملاقة. لم أعثر خلال جولتي في ذلك القصر على تفصيل واحد ليس معروفاً لدي.والسبب في ذلك بسيط:أنا قادمٌ من دمشق وليس من نيويورك مثلا أو طوكيو أو مونتريال.كان القصر في ذلك اليوم يغصّ بالسائحين الأمريكيين واليابانيين والألمانيين والفرنسيين، ومن جميع جنسيات الأرض.الجميع كان مندهشاً من سحر المكان، منشغلاً بالتصوير إلى حدود الهبل بكل واحدٍ من التفصيلات التي يمرّ بها أو تمر به.لا يريد أن يفوته شيء من هذه الفتنة الآسرة.وحدي كنت في القصر بين جميع الحضور غير مندهشٍ.من المؤكد أنّ الأبعاد المختلفة قد لفتت انتباهي بقوة. أما التفصيلات فإنني أحفظها عن ظهر قلب. سبق لي أن سكنت عامين كاملين في أحد المنازل الدمشقية القديمة. وكنت أحلم دائماً بشراء منزلٍ في ذلك الجزء المفضل عندي من العالم.ولكن الأسعار كانت تسبقني دائما بخطوةٍ، أو بخطوتين أحياناً. ما من عمارة عربية أو إسلامية حول العالم ليس فيها رائحة دمشق، حتى (تاج محل) نفسه يعبق بتلك الرائحة الزكية. مئات السنين، بل الآلاف منها ، ونحن نبني أجمل مساكن الأرض..وفجأةً (في نصف قرنٍ واحدٍ فقط) نجد أنفسنا مقمّطين بالأحزمة العشوائية. والأنكى من هذا كله أننا مازلنا نتغنى بالياسمين الدمشقي.أكثر من نصف سكان دمشق ( أكثر من ثلاثة ملايين إنسان ) يقيمون في منازل غير مقبولة للاستهلاك الآدمي. منظر هذه المنازل غير صالح ٍ حتى للنظر، فهو يجرح العين بفجاجته. كيف نمت هذه العشوائيات ؟ من الذي سمح ببنائها أصلاً ؟ عشرات الأسئلة المعيبة.وكلها قبل وقوع الكارثة.أما وأنّ الكارثة قد وقعت فلم تعد المسألة في العيب وحدَه. لقد صارت المسألة أولاً في الشر الذي بات يسكننا. دمشق التي نتغنى بها لم تعد موجودة.بقي منها اسمها العريق ونساؤها الجميلات.ولا شيء آخر.فلولا أنّ في دمشق رشا ومثيلاتها لقلت: لقد باتت هذه المدينة ملعونةً تماما. ولكن حتى رشا.هل هي في مأمن من التشوّه أو حتى من الانقراض؟!هل هي في مأمنٍ من الذئاب الشابّة منها أو الشائخة ؟ اتصلتْ بي قبل فيلم الرعب بقليل.كنت أتناول القهوة في الكفتيريا بعد .قالت:"صباح الخير ! " ضحكتُ. فعن أيّ صباحٍ بعد العِشاء تتحدث هذه البنتُ المجنونة ؟ ردّت على ضحكتي تقول:" يبدأ صباحي أنا عندما أسمع صوتك." قلت لها:" ليت الوقتَ كان نهاراً !" قالت:" لماذا؟" قلت:" اشتقت إليك يا رشا." وماذا بعد؟ أوليس هذا الاشتياق ضرباً من العيب الذي أتحدث عنه ؟ أوليس جزءاً من التخلف؟ من الشر؟ فكيف يمكن لفتاةٍ مقبلةٍ تواً على الحياة أن تقاوم خبرة رجلٍ صارت الحياةُ وراءَه ؟! وهو فوق ذلك يملك عليها سلطاناً اسمه:الثقافة.أوليس هذا ضرباً من استغلال النفوذ، حتى وإنْ كان تحت مسمى الثقافة ؟ فتاةٌ مقبلةٌ ورجلٌ غائرٌ.الربيع والخريف.هذه المثنوية الأزلية. رواء الصّبا الغضّ في مقابل التغيرات الفيزيولوجية الفظيعة التي يسميها الأطباء:عكسيّة. فتاة لم تبرح الطفولةَ إلا قبل حينٍ من الزمنِ قليلٍ كثيراً في مواجهة بهلوان يقدم لها خدائعَ الحياة على نحوٍ يثير الإشفاقَ حيناً والإضحاكَ حينا.رجل يستطيع أن يتحدث ساعاتٍ طوالاً عن البون الشاسع بين القشيري وبين مجنون ليلى. " القشيري،على قلّة إنتاجه، لا عديلَ له بين شعراء الغزل العِذريّ عند العرب.بل إنه بلا عديل بين شعراء العصر الأموي قاطبةً. لا تنصتي بعد اليوم إلى أساتذتك الجامعيين يا رشا، فهؤلاءِ متخمون بالجهل.تريدين أن تعرفي طبعا وجه التفرد لذلك الشاعر الذي مات في الثالثة والعشرين من عمره.هذا حقك بالتأكيد.هذا واجبي كذلك.إذن، اسمعيني قليلاً." والقليلُ يصير كثيرا.والبنت تنصت بحواسها جميعا لكلّ التّرهات التي طالما أتقنها هذا المثقف في مراتٍ سابقة. إنها الوصفةُ المضمونةُ النتائجِ ساعةَ نصب شباك الغواية.إنها الوصفة السحرية بين شروق الشمس وأفول القمر.اشتقت إليك يا رشا.أم تراني كاذبا ؟ أم إنني ذئبٌ بلغ من العمر عِتيّا وآن له أن يتلقى الضربة الأخيرة ويهوي إلى قاعٍ سحيقٍ لا قاعَ له ؟ أظن أنه يجب عليّ أن أكون سعيدا لأن هذه المدينة قد صارت بلا ليل.أسئلة كثيرة تدور في رأسي كل يومٍ عن هذه المدينة التي باتت بلا ليلٍ.لا سهر.لا كتابة. كثيرون هم الذين يسألونني:كيف تقضي الليل هذه اﻷيام إذن ؟
صباح الخير !
اﻵن بالعلاقة مع النت مدينة دمشق مقسومة نصفين . نصف مهيص والنصف الثاني - اللي أنا كالعادة أنتمي إليه - لايص . لا حول ولا طول .صرلي ثلاثين ساعة على هالمنوال . شو أعمل ؟! طلعت من الفندق بكير . مشيت . جلست في كفتيريا اسمها داون تاون .بين الشعلان وأبو رمانة . شربت قهوة . عم فكر بسندويشة لبنة مع كاسة شاي . وعم فكر بفنجان قهوة جديد . والله ماني عرفان شو بدي . مبسوط إنه هي الكفتيريا بتنتمي لنصف دمشق اﻷول . عم أفكر أرجع للفندق وأجيب اللابتوب وأنشر هالكام بوست اللي كتبتهم مبارح . وعم أفكر أتكاسل وما أعمل أي شي ، سيما إنه الطقس حلو ، وصباح بلا انفجارات . وهذا طبعا شيء في دمشق نادر . سنرى . دخلت لحسابي . بين طلبات الصداقة وجدت طلب من إحدى الصبايا . كيف هيك ؟ ما هي صديقتي . كتبتلي من يومين ع الخاص تسأل : حذفتني من صفحتك ؟! وأنا والله ما عندي خبر . كانت كتبتلي من فترة شوية خصوصيات . وأنا في الحقيقة سري كتير غميق . يبدو إنه هي الصبية ندمت على البوح اللي مارسته واللي أنا أصلا ما طلبته . أنا شخص حقيقة ماني فضولي . أبدا .ولا بعمري تدخلت مرة وحدة بخصوصيات أحد من البشر . مين ما كان هاﻷحد يكون ، حتى لو زوجتي ، لما كنت متزوج طبعا . المهم .. تفاجأت بطلب الصداقة .. وما وجدت تفسير لكل شي حصل سوى إنه هاي الصبية هي اللي حذفتني .. الله يسهل عليها .. بس بهاللحظة عم أسأل حالي : قديش نحن مساكين !! أنا بحكيلك شغلة ، وأنا بعاقبك إنك سمعتني ، وأنا بتهمك بإنك فاشي منشان أبرر عمل رديء جديد أنا عملته مش إنت . شو هاد ؟ شو في؟ طيب حد أدنى من المنطق . من العقل .. أبدا . يحرم علينا . فعلا مساكين .. وأنا حقيقة متعاطف معنا ، مع بؤسنا ، مع خيبتنا ، مع مرارتنا .. نحن منوجع القلب . لكن بعضنا بيداوي هالوجع . بعرف صبية فلسطينية بلبنان من هذا النوع الثاني . لهاي الصبية بحب أقول :أنا كثير سعيد بمعرفتك .. ألف شكر إلك .. ألف شكر على وجودك بحياتي !
وأنا شخصياً مستعد للإيمان بالتآمر السويدي على أبناء شعبي لولا وجودُ بعض الملاحظات لديّ، فالمؤامرةُ على فلسطين بخاصة وسوريا بعامة قديمة ٌجداً. لم تبدأ ب(سايكس- بيكو). ربما كانت البداية الفعلية سبّاقة ًعلى المستر سايكس والمسيو بيكو بنحوٍ من عشرين عاماً.إننا نحب دائماً أن ننسى أو أن نتناسى ( فندق الفرسان الثلاثة ) في بازل السويسرية، وننسى أو نتناسى النتيجة الأبرز التي خلص إليها المؤتمرون هناك وقتئذٍ: (فلسطين يهودية كما هي إنكلترا إنكليزية ) . لقد رُفع هذا الشعار قبل مئة وعشرين سنةً خلت، فما الذي أجّل التنفيذ إلى اليوم؟ قد يردّ عليّ أحد المتحمسين لنظرية المؤامرة قائلاً:"لأننا لم نسمح لهم بتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة." وهنا أجدني أسأل بمنتهى البراءة:" إذن،لماذا تسمحون لهم اليومَ بذلك؟" وببراءة أيضاً أسأل:" لماذا تدفعون الفلسطينيين دفعاً إلى المجهول؟" وللمناسبة فقط، أتحدث هنا عن العرب جميعاً.لا استثناءات. ثمة قصصٌ مرعبة يعيشها الفلسطينيون (حتى الأطفالُ الرضيعون منهم) في مطارات العرب وموانئهم البحرية ومنافذهم البريّة، من دون ذنبٍ ارتكبوه سوى أنهم فلسطينيون.أعود إلى الشتات الجديد. الشتات الذي فرض عليّ دخول هذا العالم الذي يسمونه، ولستُ أدري لماذا، افتراضياً. أنا لا أراه كذلك حتى وإنْ كان كذلك فعلاً. العينُ مِغرفةُ الكلام. هذا صحيح بالمطلق. لكن ماذا والعينُ بصيرة؟ كيف العمل عندئذٍ يكون؟ المؤلم في الحكاية أنّ البصر لا يمتدّ إلى كندا وجنوب إفريقيا وبقية الأرض التي يتيه فيها من يهمّنا أمرهم من البشر. تكتب المراهقة الصغيرة تالة من مالمو السويدية على الفيس بوك: فلسطينية وأفتخر ويللي مو عاجبو ينتحر – يشعر بالسعادة. والأصح طبعاً: تشعر بالسعادة. واضح أنّ الخطأ مصدره مشكلة عند الفيس بوك مع اللغة العربية،أو العكس. تعلّق هبة يوسف (لا أعرف هذه البنت. ليست من العائلة. مجرد تشابه في الأسماء.) على كلام تالة: الله حيو فلسطيني والاسم بيكفيني. ترد تالة: الله حيو هبّوش (الشدّة على الباء من عندي. أنا أعتذر إليكِ حبيبتي تالة عن هذا التدخل السافر في خصوصياتك اللغوية!) وترى هبة أنّ الواجب يقتضي ردّ التحية: هههه تسلميلي تيتو. ويتدخل جد تيتو لأمها فيكتب من ألمانيا (لا أعرف من أيّة مدينة في ألمانيا): أصيلة يا روح جدك. وأكاد أضحك. وأسأل نفسي: أليس من واجبي المشاركة في هذا الكرنفال الصغير؟ ولكن ماذا أكتب؟ هل أقول: أصيلة يا بنت اليوسف؟ ولكنّ بنت اليوسف تعود بعد دقيقة واحدةٍ فقط إلى طفولتها، فتكتب: العمر بيخلص والجلي ما بيخلص. وهنا أضحك من جديد، ولكنني أكتب إليها هذه المرّة، وأسألها:عم يتعبوكي بالجلي يا حبيبتي؟ أنا رح أتصرف، ورح فهمها لأمك إنو بنات اليوسف ما بيوقفوا قدام المجلى. فتضحك البنت. أسمع رنّة ضحكتها وأنا في دمشق. وتكتب من بعد الضحكة: والله اشتقتلك! وأنا كمان اشتقتلك يا عمري يا تالة!. وتكتب الحلوة وئام من مدينة مرسين التركية: عم تشتي. ما هذا البوست؟ لست أسأل عن الترجمة. أعرف المعنى: السماءُ تمطرُ. جملةٌ اسمية. مبتدأ وخبر، رغم أنّ الخبرَ فيها جملةٌ فعلية. وعلى التقدير يمكنني القول: هي جملة فعلية تم فيها تقديم الفاعل على الفعل. وئام الحلوة لا تفهم هذا الكلام الذي أقول. هي في الثامنة من عمرها بعد. وأكبر خوفي أن تظل الطفلةُ الجميلةُ في الثامنة من عمرها، حتى وإن بلغتْ الثمانين، فأنا لا أعرف إلى أين سوف يحملها هذا التيهُ الجديد. ربما أخذها إلى إسكندنافيا. ولست أدري إن كان في إحدى اللغات الإسكندنافية جملةٌ اسميةٌ يكون الخبرُ فيها جملةً فعلية. على أية حال، هذا ليس أمراً جوهرياً في الحكاية. الأمر الجوهري هو أنّ التيهَ قد ابتدأ. مَنْ كانت البنتُ تخاطبُ حين قالت: عم تشتي؟ بالتأكيد لا أحد. إذن، ما الحكاية؟ هل اكتشفت البنتُ المطر؟ حتماً لا. بل إنني أستطيع أن أراهن بأنها قد غرقت في المطر ذاتَ يومٍ في مخيم اليرموك وهي في طريق عودتها إلى المنزل من مدرستها القريبة. إذن، ما الذي دفعها إلى كتابة هذا البوست؟! قضيتُ وقتاً غيرَ قصيرٍ أفكّر بالأمر. لقد كتبتْه ليلاً.هل أيقظها المطر من النوم، على سبيل التخمين؟ جائز أنّ المطر كان قوياً فأقلق راحة البنت التي تعاني فرطاً في النعومة. ولكنّ هذا الإيقاظ لا يستوجب الدخول إلى الفيس وكتابة هاتين الكلمتين. فهي، أي البنت، لا تحمل جيناتي المؤرقّة. إنها تدخل في النوم سريعاً. وتنام دائماً بعمق. وأشكُّ بأن يوقظها المطر. وحتى لو أيقظها فإنني أشك بأن يجعلها تغالب النعاس لوقت يكفي من أجل الدخول إلى النت. إنني أعرف هذه البنتَ جيداً. أحبها وتحبني، رغم شجاراتنا القديمة. لقد غفرتْ لي ذنوبي كلَّها. بنتٌ حلوةٌ، متسامحة. ربما كانت في الثالثة بعدُ من عمرها حين كانت تغضب مني وتغضب عليّ لأنني أدّعي زوراً وبهتاناً ملكيتي لوسادتها الصغيرة. كانت تقول لي غاضبة: هاي تعوتي. ولو ترجمتُ هاتين الكلمتين إلى العربية الفصيحة لوصلنا إلى الأتي: هذه الأشياء لي. ولكن يا حبيبتي نحن مختلفان على وسادة واحدة. كيف تجمعين المفرد يا بنت؟ وأضحكُ. وتبكي. وأعيد لها وسائدها. وتنام بعمق، من دون أن يوقظها المطر. ما الذي يحدث في مرسين إذن؟ شاهدتُ البوست أو قرأته في الصباح. كانت البنت نائمة. كتبتُ أسألها: بعدها عم تشتي؟ وقرأتُ الردّ في صباح اليوم التالي: لا مبارح وقفت لا همزة، لا شدّة، لا فاصلة، لا نقطة، لا شيء سوى أنّ التيه قد ابتدأ فعلاً. حتى براءة الجواب تعلن ذلك صراحةً. هل التيه عالمٌ افتراضي؟! سؤالٌ غبيٌ بالتأكيد. إنه الفِصامُ ذاته الذي بدأتُ أعيشه هنا.الأعراضُ اليومَ ذاتُها. أما في غدٍ، فالله وحدَه يعلم كيف تكون! فها هي البنتُ تغيّر صورة الغلاف على صفحتها كل يومٍ تقريبا. وها هو أخوها يصير أكثرَ منها إيجازاً. ها هو يحذف المبتدأ، ولا يُبقي لنا علانيةً غيرَ الخبر. يكتفي الولد بكلمة واحدة، ولكنه يمطّها كثيرا: مللللللللللللللللللللللللللل.. من الواضح أنّه يتعمد أن يمطّ الكلمة من أجل التوكيد على معناها الحقيقي وليس الافتراضي. لقد وصلت الفكرة. شكراً بسّام! خيرُ الكلام ما قلّ ودل. هكذا قالت العرب قديما.لا، هذا العالم ليس افتراضياً، حتى وإنْ كان كذلك، فهذا التيهُ واقعيٌ أكثرَ مما ينبغي. سمعتُ اليومَ بنبأ موت أحد أصدقاء الطفولة. محمد العائدي. الفلسطيني محمد العائدي. أبو نايف. مات قبل أربعة أيام. مات بالسكتة القلبية. حمل شباب عائلة العائدي جثمان كبيرها. وضعوه في سيارة، وراحوا يجوبون مقابر دمشق بحثاً عن واحدة تقبل إيواءه بين موتاها. بلا جدوى. لا مشكلة مالية لدى هؤلاء الشباب. إنهم يملكون الكثير من النقود. ويعرضون الكثير منها مقابل حفرة صغيرةٍ في أرض أيٍ من مقابر المدينة. بلا جدوى. دفنوه في البريّة البعيدة. دفنوه ليلاً. وربما باتوا في العراء. لم أستوضح هذه النقطة الأخيرة. ربما كانت نتاج مخيلة كاتب سيناريو مريضة. ولكنّ المؤكد أنهم دفنوه في البريّة ليلاً. لم يكن أمامهم حلٌ آخر، فإكرامُ الميت دفنُه. هذا ما يوصي به الإسلام. وأبي قال مرّةً: الذي ما له وطن، ما له في الثرى ضريح، ونهاني عن السفر. هكذا قال المغني. ولكنّ المشكلة هي أنّ محمود درويش نفسَه قد عاش في التيه معظم حياته، رغم أنّ أباه قد نهاه عن السفر، فالسفر لم يكن واحداً بين جملة خيارات أمامه، تماماً كما هي حال الفلسطينيين بعامة. السفر عند الفلسطيني خيارٌ إلزامي، لأنه، باختصار، بديلُ الموت اليتيم. إنه الباب الوحيد الذي بقي ليس مفتوحاً، بل مواربٌ حسب. وهذا الباب لا ينفتح على أيّ مطرحٍ غير التيه.الحقَ أقول لكم أيها العرب:أنتم المتآمرُ الأولُ على حق العودة، وعلى بقية حقوق أخوتكم. الحقَ أقول لكم أيها العرب:أنتم المتآمر الأول على أنفسكم، حتى إنني بتّ أستغرب مِن سذاجة مَن يتآمر عليكم!.. من : يوميات كاتب
اتصلتْ بي على الموبايل فجأةً بعد أن علمتْ بالطلاق الذي وقع بيني وبين زوجتي الأخيرة. لم أكن قد رأيتها أو سمعت صوتها منذ سنواتٍ بعيدة. سألتني إن كنت أوافق على لقائها. قلت لها: نحن لسنا أعداء، وقد كان لنا أوقاتٌ مشتركةٌ حلوة، وإنني لا أتذكر أوقاتَنا الحلوة إلا بحبٍ، رغم قساوة النهايات التي وصلت إليها علاقتنا. قالت: على سيرة النهايات أظنك مديناً لي بالاعتذار. قلت: عن أي شيء بالضبط أعتذر؟ قالت: لقد أبكيتني كثيراً في نهاية مسلسل الغفران. قلت: يبدو أني مدين بالاعتذار لنساء كثيراتجداً. قالت: لا شأن لي بالنساء الكثيرات جداً، فأنا كنت شريكة لك في تلك النهايات، وشخصية عزّة هي أنا، وأنا بكيت أكثر من الجميع لأن هذا كان وجعي أنا. عزّة هي أنا، وليس تلك النساء الكثيرات جداً. أنا وحدي بين جميع من شاهد المسلسل يعرف روح الوجع الذي عشناه سوية أنا وأنت. المتفرجون شاهدوا ما قد تم عرضه عليهم، أما أنا فقد عشت حتى تلك اللحظات التي يبدو أنك لم تجرؤ على كتابتها، لسبب أو آخر. قلت: هناك الرقابة طبعاً، أي أنّ هناك سقفاً صلباً لا يمكن مناطحته برأسٍ عارية. ولكنني مع ذلك، فقد كتبت شيئاً من الوجع الخفيّ الذي تتحدثين عنه أو: روح الوجع كما تسمينه. ولكنني أعطيته اسماً مغايراً، أو فلنقل: وضعته تحت عنوان مختلف. – وماذا يكون هذا العنوان المختلف ؟ – سرُّ السعادة. – من المؤكد أنك تمزح. – بل إنني لا أقول غير الصدق. – أنت تفاجئني. أنت دائماً تفاجئني. – وأنتِ لا تتخلين عن هذه العادة السيئة. – أية عادة هي ؟ – دوام المفاجأة.– هل تعرف ماذا كانت مشكلتي معك ؟ – أتذكر أن الذي لك معي لم يكن مشكلة واحدة. – لا، بل هي مشكلة واحدة فقط. – إذن، لا أعرف كيف أختار، فأنا مازلت أتذكر بأنها أكثر من واحدة. – أعرف أنّ ذاكرتك قوية، وهذه كانت مشكلتي الوحيدة معك. – إلى ماذا ترمين بالضبط ؟ ماذا تريدين أن تقولي ؟ – لقد قلتُ وانتهى الأمر. إنك لا تنسى أبداً. – وهل هذا الذي تقولين ينطوي على إدانةٍ من نوعٍ ما ؟ – بالتأكيد نعم، ولكن ليس الآن. فيما مضى. فيما مضى يا صديقي. لم تكن تنسى. لم تكن تغفر. إنها لعنة الذاكرة. فهل غفرت الآن ؟ وهل ما زالت ذاكرتك قوية؟ – أظنها مازالت قوية. – شيء مؤلم، ولكن قل لي: هل نشرت ذلك الذي تسميه سرّ السعادة ؟ - نشرت بعضاً منه. – أين ؟ أو : هل أستطيع قراءته ؟ – بكل سرور يا عزّة ! – هههه صار اسمي عزّة ؟ على أية حال إنه اسم جميل... من رواية : عَتَبَة الألم
أقيم منذ ثمانية شهور تقريبا في منزل صديقٍ لي في حي ركن الدين. صديقي هذا ليس من اﻷكثرية التي من المفترض أنني أنتمي إليها بحكم الفرز المذهبي. إنه من إحدى اﻷقليات التي أجدني مصنّفا فيها أيضا على نحوٍ أو آخر. فالفلسطيني في سوريا (وهذا من مفرزات الكارثة التي تعصف اليومَ بالبلد) صار مشكوكاً بطبيعة انتمائه. صار مشكوكاً بهويته. صار فجأةً ينتمي إلى اﻷكثرية وإلى اﻷقليات في آن. وهذا كله يتوقف على هويّة الناظر إلى هذه الهوية. ازدواجيةٌ مقلقةٌ على نحو يتطلب إعادة طرح الكثير من الأسئلة بشكل مغاير للطرائق التقليدية كلها. والسؤال الذي يطرح نفسه قبل أيّ سؤال ملّحٍّ آخر في حالٍ كهذه هو: إلى أين يمكن لهذه الازدواجية أن تحمل من يعاني أعراضها الثقيلة؟ إلى أين إن ليس إلى الفِصام؟ وهل هذا الفِصام ُجوهرُ " المسألة الفلسطينية" في مستواها السوري؟! لست واثقاً من الجواب. لست واثقا من شئ سوى أن هذا الأمرَ يدفع إلى الهذيان. لست واثقاً من شيء سوى أنه أمرٌ يذبح من دون أن يُميت. هذه الازدواجيةُ، هذا الفصِامُ، هذه المثنويةُ. هذه مجتمعةٌ ومجتمعةً تشكل ما يمكنني أن أسميه: متلازمة اﻻحتضار المتصل ( فلو أنها نفسٌ تموتُ جميعةً ) كما كان امرؤُ القيس يرجو ( ولكنها نفسٌ تساقَطُ أنفسا ) . و حتى الموتُ لم يعد رحمةً لطالبه من أمثالي، فبعض المقابر لم تعد تقبل جثامين الفلسطينيين بين موتاها ، أما بعضها الآخر فلا يقبل ذلك إلاّ بتعهدٍ صريح من أحياء الميت بنقل الرفات من المكان بعد أن تهدأ الأحوال. ما أقوله ليس إشاعة. إنه خبر أكيد. اسألوا، إن كانت الحقيقة تعنيكم. الفلسطينيون السوريون هذه الأيام يتهامسون فيما بينهم بأسئلة كانت من الجرائم قبل أقلّ من ثلاثة أعوام: هل نحن عرب؟ وإن كان الجواب:نعم، يطفو على سطح الأسئلة: هل أخوتُنا العربُ عربٌ أيضا؟ وإن كان الجواب نعم، يأتي السؤال الباعث على الوجع : إذن، ما هذه الأُخُوَّةُ الملعونة ؟!.. من : يوميات كاتب
أترك الولد مع طربه، وأعود إلى نفسي. ماذا على الطاولة أيضاً؟ علبةُ محارم. ساعةٌ يدٍ لا أحبها.لا تشبهني. دفترٌ صغيٌر أسجل عليه ملاحظةً هنا أو l`h d,ملاحظةً هناك. قلمٌ يابانيٌ اشتريتُ منه دزينةً كاملةً قبل يومين. كنت محظوظاً على نحوٍ غريب حين عثرت على هذه الأقلام في إحدى المكتبات، فقد اختفت من الأسواق مؤخراً لتحلّ محلها الأقلامُ الصينية التي غالباً ما تخذلك حين تكون بأمسّ الحاجة إلى تسجيل ملاحظةٍ أو خاطرةٍ مرقتْ في رأسك، وتخاف عليها من الضياع بين زحمة الحياة وأشيائها. قنينة ماء معدني متوسطة الحجم. صحنٌ لأعقاب السجائر لم تتفق العربُ على اسم له محدد. في مصر يسمونه (طفّاية)، بينما يسميه السوريون (منفضة)، ولا أعرف ماذا يسمونه في الخليج أو في المغرب. ثمّة ولّاعةٌ هي أحسنُ ما قدمت لنا الصينُ في هذا البلد. يمكنني بها أن أشعل السجائرَ، ونارَ البوتوغاز، ويمكنني استخدامُها كذلك ضوءاً كاشفاً. ولن يعرف قيمة هذه الميزة الأخيرة أحدٌ في العالم أكثرَ ممّا يعرفها السوريون. هذه الولاّعة زهيدة الثمن ومع ذلك فهي تساوي وزنها ذهباً في لحظةَ العتمة. ولحظاتُ العتمةِ كثيرةٌ عندنا. لا يمكن لأحدٍ أن يعرف بالضبط متى سوف ينقطع التيار الكهربائي، أو كم سيطول هذا الانقطاع. بالأمس دام إحدى عشْرَةَ ساعةً متصلة. ماذا يوجد على سطح الطاولة بعد؟ في الحقيقة: لاشيء آخر. مازلتُ أسمع أم كلثوم تغني من ألحان محمد القصبجي : العين عزيزة والقلب غالي .. وأسمع كذلك انفجاراتٍ عنيفةً لا تبعد عني أكثر من كيلومترين اثنين فقط. وأنتظر مكالمةً من رشا.عجيبٌ أمر هذه البنت! لا يحلو لها الاتصالُ بي إلا في قطعة الليل الأخيرة. حتى عندما اتصلتْ بي أول مرّة كان الفجر يرسل إشاراته للخليقة ببدء يومٍ جديد. لم يكن قد مضى على الطلاق بيني وبين زوجتي إلا أسابيعُ قليلة. لم تعتذر الصبيّة التي لا أعرفها عن الاتصال في مثل هذا الوقت، بل قالت:" أعرف أنك ساهرٌ بعد.أعرف أنك الرجل الذي لا ينام الليل." "وهل هذه المعرفة تعطيكِ الحق بإزعاجي؟!" "لا طبعاً، ولكن لماذا الإزعاج مادمتَ غير نائم؟" " قد تزعجين باتصالك هذا شخصاً آخرَ في المنزل." " غير ممكن." " لماذا؟" " لأنني أعرف أنك وحيد." وأضافت:" أعرف أنك وحيدٌ تماماً." "ومن أين لكِ هذه المعرفة؟" "إنني أتابع أخبارك." " ولماذا تتابعين أخباري؟ " "لا أعرف بالضبط، ولكنني أشعر بأنّ أمرك يهمني." ما هذا الحوار؟! لو كتبتُه في أحد المشاهد التلفزيونية لأصاب الجميعَ بالضجر:المنتج والمخرج والممثلين والجمهور." هل أستطيع أن أراك؟" سألتني." نعم، تستطيعين." "متى وأين؟" واتفقنا على موعدٍ..والتقينا، ولم أكن أعلم في يوم اللقاء ذاك بأن هذه البنت سوف تمسك ببعض خيوط حياتي، على نحوٍ من الأنحاء، وأنني بسببها سوف أرجع إلى دمشق من منفاي الاختياري. التقيتها أول مرّة في ربيع عام 2012 وتركتها، وسافرت إلى القاهرة في أواخر العام نفسه، ورجعتُ إليها من المنفى عند أوائل الصيف من العام التالي، ولم أقل للفتى عامر أكثر من: أعود بسبب امرأة. كم في هذه الكلمات البريئة من حقيقة تنقصها البراءة!! لم أقل له: أنا مثلك أيضا أيها الولد الفلسطيني. سمعت مثلَكَ ارتجافةَ عظام البنت من هول ما نزل على المدينة من صقيع. كنت أسألها أجوبةً محددةً عن أسئلةٍ محددة:البرد والطعام والثياب والمواصلات العامة وأصوات القنابل.هي بنت فقيرة. تقيم بعيداً عن أهلها مئاتٍ غيرَ قليلةٍ من الكيلومترات. تستأجر مع صديقة ٍ لها منزلا في واحدة من العشوائيات التي أحاطت بالمدينة كما يحيط السوارُ بالمعصم. منزلٌ شديدُ التواضع. هكذا وصفتْه لي. لم أزرها في ذلك المنزل مرّة. كنت أطلب منها على الموبايل أجوبةً محددة عن أسئلتي المحددة. – قوليلي حقيقة وضعك: بردانة؟ جوعانة؟ خايفة؟ كانت تردّ على جميع أسئلتي السابقة بكلمتين اثنتين فقط:" أنا بخير. " " ولكنني أراك في صوتك يا رشا. وأرى أنك لستِ بخير." "والله أنا بخير. وكل شيء يمكن احتماله لولا.." " لولا ماذا يا رشا؟" وتكاد تبكي، أو لعلها بكت:"هذه المدينة صارت قاسية.هذه المدينة لم يعد فيها حنان." هل هي دعوة مُلْزِمةٌ، رغم عفويتها، للعودة إلى الديار؟ ارجع أيها الذئب العتيق. ما هذا الضجر الذي تمارسه بعيداً؟ حتى إنك لا تغادر الفندق حيث تقيم منذ شهور.هل هو أمرٌ عليَّ تنفيذُه بلا نقاش ؟ فهل ثمة شخصٌ غيري معنيٌ بهذا الحنان المفقود؟ا وهل أنا مَن سرق الحنان من عذارى هذه المدينة؟! لا أفهم. ولكنْ،عليّ أن أكون مطيعاً، فالمفقود أشدُّ هولاً من القصف والصقيع. يجب أن أكون كريماً، وأمنح إحدى هؤلاءِ العذارى شيئاً من الحب والحنان.أعترف أني كنتُ مشتاقاً لرشا.. شبابها الغضّ.شعرها الأسود الثقيل.بشرتها البرونزية.عيناها السوداوان.أسنانها البيضاء كثيراً.حيويتها المفرطة.صوتها العذب.آراؤها الغريبة ببعض الأدب العربي:امرؤ القيس لا بأس به.المتنبي لا يصلح أن يكون أكثر من بائعٍ جوّالٍ في حواري دمشقَ وحلب. القشيري ليس إلا لصّاً سطا على أشعار مجنون ليلى، أخذ منه الصور والمفردات وأعاد بناءها على نحوٍ بهلواني. أما الشعراء المحدثون فليسوا إلا الخردة التي يبيعها المتنبي على عربته الجوّالة. واستدركتْ:"باستثناء محمود درويش طبعاً." لستُ أوافقها الرأي، ولكنْ، حقُّ الرأي عندي مكفولٌ، مكفول. لم أقل لها يومئذٍ شيئاً من رأيي في المسألة. لزمتُ الصمتَ تماماً. " وماذا أيضاً يا رشا؟" " لماذا لاتترك التدخين؟ إنه يضر بالصحة جداً." " سوف أتركه قريباً يا ماما." وتضحك البنت:" أنا ماما؟" " نعم،أنتِ ماما." وتظل تضحك. وأحمل ضحكتها إلى المنفى، ولا أحدّث بشيء من أمرها لذلك الفتى الفلسطيني الذي التقيته في مدينة السادس من أكتوبر بمصادفة تشبه الحتمية. ما هذا؟! جرسُ المنزل. أجفلُ. وبصراحة أكثر: أخافُ. أنظرُ إلى ساعتي اليدوية على سطح الطاولة بجانبي. تمام الثالثة. الثالثة التي في الفجر. من يمكن أن يكون القادم؟!! النصيحة التي من ذهبٍ في دمشقَ هذه الأيامَ هي: لا تفتح باب منزلك بعد الساعة العاشرة مساءً.
. وقالوا: لا وجودَ لهذه البنت في الحياة، ولم يكن لها وجودٌ في يومٍ من الأيام. ولا أعرف كيف جزموا بهذه المعلومة الأخيرة، فقد احترق السجل المدني لفلسطينيي مخيم اليرموك بالكامل. في هذه الحال، أنا أيضاً لا وجود لي في هذه الحياة. ولكنني في الحقيقة موجود.أجلس الآن إلى الكومبيوتر في ركن الكتابة في منزل أحد أصدقاء عمري حيث أقيم منذ شهورٍ وحيداً عند سفوح جبل قاسيون. أشرب قهوةً وأدخن سيجارة في وقت متقدمٍ جداً من ليلةٍ باردة. وأسمع أم كلثوم تغنّي من ألحان محمد القصبجي : العين عزيزة والقلب غالي..إنني موجود.حواسي كلها ناشطة.العين لا تكذب.أمامي على الطاولة ومن حولي قرابة خمسَ عشرةَ علبة سجائر معظمها فارغ تماماً، ولا أعرف لماذا لا أرميها في كيس الزبالة بعد، وعلى سطح الطاولة من يميني جهاز موبايل يسمونه ذكياً، من دون أن أعرف وجه ذكائه، فأنا لم أستخدمه طوال ثلاثة شهور تقريباً إلا كوسيلة اتصال بدائية. فقط. لم أتقن استخدامه بأكثر من هذا إلا مؤخراً. صرت قادراً على الدخول بواسطته إلى حسابي في الفيس بوك. واعتبرت نفسي بهذا الإنجاز البسيط أهمّ من بيل غيتس شخصياً.أحدُ أبناء أحدِ أخوتي ابتلاني به في القاهرة. كنت قد أعطيته نقودا ليشتري لي أشياء أحتاجها. غاب الشاب عني ساعة من الزمن، وعاد يحمل إليّ هذا الجهاز، وقال:"هذا ما تحتاجه." واكتشفتُ من اليوم الأول بعلاقتي مع الذكاء أنّ الشركة الصانعة قد ارتكبت خطأً فنياً لا يُغتفر عندما نسيت أن تكتب تحذيرا صريحاً يقول: (يُمنع بيعُ هذا الجهاز لمن تجاوز الثانيةَ عشرةَ من العمر.) وبجانب جهاز الموبايل أرى بعض الأدوية أيضاً.أحدها عقارٌ منوّم (أعاني أرقاً مزمناً، وسوف أعود إلى هذه المسألة بعد قليل). جرّبتُه عديدَ المرّات ولم أحصل منه على غفوة حتى لو كانت قصيرة، رغم أنّ الشركة الصانعة (وهي إحدى الأذرع الأخطبوطية في تروست الصناعة الدوائية الأمريكية) تؤكد في النشرة المرفقة أنه عقارٌ أكيدُ المفعول.هذا العقار الأمريكي الأكيد المفعول شديدُ الشبه بتلك المتممات الغذائية الأمريكية وغير الأمريكية التي تملأ صيدليات الدنيا، والتي تعِدُك بالنشاط والحيوية من دون أية أعراضٍ جانبيةٍ غيرِ مرغوبٍ بها. لقد جرّبتُهاهي أيضاً. وجدتها غير ضارّة في شيء على الإطلاق. ولكنها في الحقيقة ليست نافعة كذلك. ورغم هذا فإنني لا أتوقف عن شرائها بين حينٍ وحين. ماذا لديّ على الطاولة أيضاً؟ كتاب (الحماسة): أقولُ لصاحبي والعيسُ تَهوي / بنا بينَ المُنيفةِ فالضِّمارِ...تمتّع مِن شميمِ عَرارِ نجدٍ / فما بعدَ العشيّةِ مِن عَرارِ... القشيري في حماسة أبي تمّام. وبجوار (الحماسة) قطعة شوكولاتة لا أتذكر متى اشتريتها، ولا أتذكر أنني قد اشتريتها لنفسي. ربما اشتريتها لرشا ونسيت أن أحملها إليها، نسيت رغم أنّ ذاكرتي قوية، أو حتى قوية جداً. قويّة إلى الحد الذي يجعلني أومن بوجود رابطة أكيدة بين الأرق وبين قوّة الذاكرة.أظن أنّ الأطباء الذين زرتهم في عياداتهم بشكوى الأرق لم يحسنوا التشخيص. لم يسألني أيٌ منهم شيئاً عن ذاكرتي التي تستحضر آلاف الأسماء والأحداث في لحظة قصيرةٍ جداً من عمر الزمن. عند العصر من يوم أمس، مررتُ بأولادٍ يلعبون كرة القدم بصخب في الطريق بينَ السيارات، غيرَ مبالين بالقذائف المدفعية والصاروخية التي تطير فوق رؤسهم منطلقةً من قمم قاسيون إلى شرق المدينة وجنوبها. الأطفال خُلقوا للعب، فكيف لأحدٍ أن يلومهم وهم يمارسون كرة القدم، حتى لو بينَ السيّارات في الطريق؟ إنه المكان الوحيد المتاح لهم في الدنيا من أجل أن يلعبوا. ذكر أحدُهم اسم (ميسي) لاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير. ربما كان الطفل يُشبّه نفسه بميسي من بعد رميةٍ جيدة، أو من بعد هدفٍ قد سجّله بين سيارتين تحتلّان نصفَ الشارع، وثلاثةَ أرباعِ الرصيف. كان الطفل مبتهجاً وفخوراً على نحوٍ مجنون. أما أنا فقد تابعت طريقي بهدوء وقد حملني الاسم سريعاً إلى برشلونة حيث يلعب هذا الشاب الذي صار ثالث الأساطير التي قدّمتها الأرجنتين للعالم من بعد مارادونا و تشي غيفارا. انفلتت السلسلة من عقال الذاكرة دفعةً واحدة. برشلونة المقتولة.عاصمة الثورة الإسبانية. المدينة الذبيحة من الوريد إلى الوريد. ذبحها الجنرال (فرانكو) والعالم كله يتفرج. فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة،الخ... الديمقراطيات كلها حجزت لنفسها مقاعد في صفوف المشاهدين. ما الداعي لاستفزاز الجنرال المدعوم من النازية على نحوٍ سافرٍ في بغضه؟ ما الداعي لاستفزاز الفوهرر القابع في برلين، والقابض على آلةٍ عسكرية لم تعرف البشرية لها نظيراً في جهنميتها؟ الجميع يتحاشى صداماً مع النازيّة، حتى الاتحاد السوفياتي. كان يعلن تعاطفه مع الثورة الإسبانية في وسائل الإعلام المختلفة، وكان في الوقت عينه يمدّ الآلة العسكرية النازية بالنفط ومشتقاته. كانت الثورة الإسبانية يتيمةً، فالجميع يؤْثر السلامة، لأنّ هتلر ينتظر ولو مجرد احتجاجٍ من أيّ أحدٍ في ديمقراطيات العالم.سوف يكون ذلك الاحتجاج على ما يجري في إسبانيا من مذبحة سبباً وجيهاً لإحراق العالم كله.إلهُ النازية يبارك القتل بلا حدود.حتى إنّ النازية تكفلت بالمهام التي كان يصعب على الجنرال تنفيذُها. والديمقراطيات تظل تؤْثر السلامة. من يجلب الدّبّ إلى كرمه غيرُ الأحمق ؟ أتذكر جيداً أنّ سلاح الجو الألماني هو الذي ارتكب مجزرة (غيرنيكا). وأنه قد فعل ذلك بناءً على طلبٍ من الجنرال، من بعد أن استعصت المدينةُ على قواته. تقول الكتب جميعها (المتخصصةُ بهذا الشأن) إنّ أشعة الشمس قد حُجبت عن المدينة في نهار المجزرة، فقد كان في سماء ذلك النهار ألفٌ من قاذفات القنابل النازيّة. أتذكر الأندلس وشاعرَها الجميلَ( لوركا ) ولحظةَ إعدامه، من بعد محاكمة ميدانية قصيرة، بتهمة التحريض على الثورة ضد الجنرال البغيض. لوركا خرج من الحياة إلى الأبد، وإلى الأبد ترك وراءه عرس الدَّم و بيت برناردا آلبا. أتذكر آرنست همنغواي. لِمنْ تُقرع الأجراس؟ حقاً، لمن كانت الأجراسُ تُقرع يا آرنست؟ من أجل أية قيامةٍ كانت الأجراسُ تُقرع ؟ أتذكر موت الجنرال من بعد ما يقرب من أربعين عاماً على المجزرة التي ارتكبها في البلاد طولاً وعرضاً.سمع الجنرالُ المحتضرُ ضجةً تحت القصر. سأل المحيطين بفراش موته:"ما هذه الضجة التي أسمع؟" قالوا له:" إنه الشعب الإسباني يا سعادةَ الجنرال..الشعب الإسباني جاء يودعك." ولم يفهم الجنرال ما قيل له. لم يستوعب أنه مائتٌ، فمِثلُه لا يموت. مِثلُه خالدٌ خلودَ الوجود نفسه، إن لم يكن خلودَ الله سبحانه، وأستغفر الله العظيم لي وللجميع. قال الجنرال للمحيطين به:" ولماذا جاء الشعب الإسباني يودعني؟ إلى أين هو راحلٌ شعبي الحبيب ؟!" وتظلّ السلسلةُ منفلتةً من عقالها على نحوٍ شيطاني.أتذكر موت قيصر الفاشيّة الإيطالية، فالموتُ بالموتِ يُذْكَر. وأتذكر الواقعية الجديدة التي صنعها شبابٌ إيطاليون موهوبون . بل إنّ موهبتَهم لا ضفافَ لها.. روما مدينة مفتوحة و سارق الدراجات و الأرزّ المرّ و ليالي كابيريا و معجزة في ميلانو و امرأتان. هناك كان حاضراً ذلك الفرنسي المدهش: جان بول بلوموندو. من لم يشاهد بلوموندو مرةً تظل حياتُه ناقصةَ الدهشة.. بيير المجنون..على آخر نَفَس..الموجة الفرنسية الجديدة.. فرنسوا تريفو.. الأربعمئة ضربة..جان لوك غودار..حَمَلَةُ البنادق..أتذكر ذلك العرض الموسيقيّ المذهل: أمريكي في باريس.وهذا بدوره يأخذني إلى الرقص في المطر و قصة الحي الغربي. أتذكر(ناتالي وود) على نحوٍ خاصٍ جداً. كان عمري ستةَ عشَرَ عاماً حين بعثت ُإليها رسالة غرام إلى هوليود. كتبتُها بلغةٍ إنكليزية ركيكة. خجلتُ من عرض الرسالة على أخي يوسف. أخي الكبير. يوسف سامي يوسف. كان يعرف اللغة الإنجليزية على نحوٍ أكثرَ من كثير، مما جعله ندّاً قوياً ل ( ت.س. إليوت ) عندما ترجم عديد قصائده إلى اللغة العربية. نعم، خجلت. فلتبق الأخطاء اللغوية على ما هي عليه. وبررت خجلي بضرورة التكتم على حبيَ الكبير لنجمة هوليود الساحرة. أظنها كانت في السادسة والعشرين من عمرها وقتئذٍ. واليومَ أومن بأن تلك الرسالة لم تصل إلى المرسلة إليها، فهي امرأة فائقة النعومة، وفائقة الرهافة. كان من المحال ألا ترد عليّ ولو بكلمتين أو ثلاث. كتبت أشكو لها ما ألاقي من الأرق. لم أخبرها بشيء عن الذئب الصغير الذي أنا عليه (الجروُ الضائعُ وليس الحَمَلَ الضائع.. أرجو أن تنتبهي للفرق يا آنستي !) ولكنني في الحقيقة حذفت هذه الجملة من صيغة الرسالة النهائية، ولم أخبرها بشيء من أمر ذلك الذئب الصغير الذي يعيش معي وأعيش معه والذي يحرمني النومَ كلّ ليلة. قلت لها: إنني لا أنام الليلَ بسببكِ أنتِ يا حسناءَ النهار.. تذكرتُ مليوناً من التفصيلات ولم أكن قد ابتعدت عن ميسي الصغير أكثر من عشرين خطوة ، فما زال الطفل يصرخ مبتهجاً من الهدف الأسطوري الذي سجله في فرجةٍ بين سيارتين تحتلان نصف الطريق وثلاثة أرباع الرصيف ، وتعيقان حركة المركبات والمشاة في آن ... من : يوميات كاتب
لقد شوشتني حكاية هذه البنت لدرجة أني – في لحظة من اليأس أو من الملل – اعتقدت بأن القصة التي رواها لي الفتى عامر ليست إلا من بنات أمنياته، غير أنّ بعض اليقين ساورني، أو همس لي بخلاف ذلك بعدما سمعت عن بناتٍ كثيرات قصصاً تجعل الرضيعَ يشيخُ من قبل الفِطام، فعاد إليّ بعضُ اليقين بإمكانية الوصول إلى نتيجة مقنعة. ولكنّ المؤلمَ في الموضوع أنها لن تأتي إلا بعدما فات الوقت...اليوم هوالثلاثاء 4.2.2014... في مثل هذا اليوم قبل خمسةَ عشرَ شهراً ابتدأ القصف على مخيم اليرموك، ثم لم يتوقف حتى هذه اللحظة. اليومَ، وفي قلبِ القلبِ من دمشق، مررتُ بساحة المحافظة التي تعرفها أغلبيتنا باسم (بوابة الصالحية)، والتي ربما كان اسمها الرسمي:(ساحة الشهيد يوسف العظمة).اليومَ مررت بمحل صغير في تلك الساحة يبيع العصائر الطازجة، ومن بينها عصير قصب السكر.اليومَ توقفت أمام المحل الصغير على الرصيف برهةً أفكر بتناول كأس من ذلك العصير.اليومَ حسمت أمري وتابعت طريقي منصرفا عن ذلك المحل الصغير نازلاً باتجاه مقهى هافانا حيث كان لي موعدٌ بعد نصف ساعة مع رشا.اليومَ عاودتني صورة ذلك الشاب بال(تي شيرت) اﻷبيض وحنظلةُ يملأ صدره. ذلك الشاب الذي ركب البحرَ قبل شهرٍ من اليوم، فحمله الموجُ إلى واحدٍ من قيعان البحور اﻹيطالية. عامر أمين!. سلامٌ عليكَ يومَ وُلدتَ ويومَ رحلتَ ويوم َتُبعثُ شاهداً..و.. شهيدا !
إنه أحد شباب مخيم اليرموك الذين التقيتهم بالمصادفة في مدينة السادس من أكتوبر في ضواحي القاهرة. وكلمة المصادفة في ذلك المكان والزمان ﻻ معنىً حقيقيٌ لها،ﻷنها مستنسخةٌ من الحتمية. فالمكان يعجّ باللاجئين السوريين والفلسطينيين السوريين. أظنه اﻵن قد أقفرَ منهم. كنا في أوائل الصيف (2013)، وكان يلزمني بعض الثياب التي تلائم الطقس الحار، فقد غادرتُ دمشق في عز الشتاء. لفت انتباهي وأنا أتسكع في سوق المدينة المركزية قميص (تي شيرت )أبيض اللون يرتديه شاب طويل القامة، ناحل القوام، أسمر البشرة، في أواسط العشرينات من العمر، وعلى صدر القميص صورة كبيرة لِ (حنظلة). أعجبتني الفكرة، فأنا أيضا من المغرمين ب (ناجي العلي). قلت للشاب:" قل لي من فضلك؛من أين اشتريت هذا القميص؟" قال:" ليس من هنا." "ماذا تقصد ب هنا؟" ابتسم مختصرا احتماﻻت سوء التفاهم:" هذا القميص اشتريته من مخيم اليرموك." " آ..أنت فلسطيني إذن. " " نعم.فلسطيني من مخيم اليرموك.اسمي عامر." تصافحنا، وقدّمت له نفسي أيضا. قال إنه يعرف هذا الاسم جيداً، وإنه يعرف شخصا من أقربائي. ودعاني لتناول كأسٍ من عصير قصب السكر. قبلت دعوته، وجلسنا على أحد اﻷرصفة نشرب العصير ونتحدث في شؤون المخيم بخاصة، وشؤون الفلسطينيين عموما. حدثني مطوّﻻً عن القصف الذي استهدف المخيم "قصف عشوائي تماما." تركته يسترسل بالحديث. لم أخبره مثلا أنني كنت شاهدا ًعلى ذلك القصف وتلك العشوائية، وأنني أقمت تحت القنابل ثمانية أيام قبل أن أهرب في اليوم التاسع بعد أن سقطتْ إحدى القذائف على المنزل الملاصق لمنزل أخي حيث كنت أقيم. لقد قتلتْ تلك القذيفةُ والداً وما وَلَد. تركتُ الشاب يروي تجربته مع القصف كما عاشها هو ﻻ كما رأيتها أنا، فقد بدا لي أنه كان ناشطاً في المخيم، وبالتالي فإنّ معرفته بحقيقة ما قد جرى هناك أكثر صحةً وشموليةً من معرفتي أنا بالأمر كلّه..سألته: " تتحدث عن المهارة التي عوقبتم عليها، متى وأين اكتسبتم هذه المهارة ؟ " قال:" كان لنا تجربةٌ صغيرةٌ في العمل اﻹغاثي قبل سنواتٍ قليلة. هل تتذكر قصة الفلسطينيين العراقيين الذين هربوا من سكاكين مليشيات السلطة هناك؟" "طبعا أتذكر. لقد هربوا إلى سوريا." " صحيح وغير صحيح. سوريا لم تسمح لهم بالدخول إلى أراضيها ﻷكثر من عدّة كيلومترات. بنوا لهم خياما في الصحراء مع العقارب واﻷفاعي. كانوا بلا طعام، بلا دواء، بلا كساء، بلا نقود، بلا أي شيء. هربوا من المذبحة بأرواحهم فقط، فكانوا يحتاجون إلى كل شيء، وصرنا مضطرين على أن نحمل إليهم كل شيء، بما في ذلك الماءَ الصالحَ للشرب. لم يكن في مخيم اليرموك مشكلة بتجميع المال الضروريّ ﻹغاثة شعبنا. أهل الخير في المخيم كثيرون.المشكلة كانت في أن ذلك المخيم الصحراوي يبعد مئات الكيلومترات عن مخيم اليرموك. ومع ذلك نجحنا. و أطباء المخيم فيهم البركة." قلت:" أنا ﻻ أراها تجربة صغيرة. فلماذا تسميها أنت كذلك؟" قال:" كان العدد وقتئذ محدودا. لم يصل الرقم اﻹجمالي للهاربين من المجزرة إلى عشرين ألفا. أما عدد السوريين الذين نزحوا إلى مخيم اليرموك، فالله وحده يعلم به." " ألم يكن لديكم سجلات؟" "ﻻ. لم نهتم بهذا الجانب من المصيبة." "هل يمكن الحديث عن نصف مليون نازح كما يقول بعضهم ؟ " " ﻻ. هذا رقم كبير جدا. أظن أن مجموع من نزح إلينا أقل من نصف هذاالعدد." " هل تعرف من كان البادىء بقصف المخيم؟ النظام يقول: العصابات المسلحة هي من استجرّ الفلسطينيين إلى النزاع المسلح، بينما تقول المعارضة بخلاف هذا تماما، فأين الحقيقة ؟ " " الحقيقة أنّ من يقصف المخيم الآن هو النظام وأزلامُه من الفلسطينيين. أما البدايات، فلا أحد بريء.حتى هؤلاء." وأومأ بعينيه إلى عامة المارّة. قلت:" وما دخل هؤلاء الغلابة؟" قال:" ونحن ماذا؟ألسنا غلابة مثلهم؟!" "بلى.مثلهم أو أكثر." "إذن، لماذا يقسون علينا؟" قلت مبتسماً:"لا يقسو على الغلبان إلا الغلبان.""ولكن المفروض أنّ العكس هو الصحيح.المفروض ألا يحنّ على الغلبان إلا الغلبان مثله."وصمت لحظة قصيرةً وأضاف: "هل تستطيع أن تدلّني على السبب الذي يكرهوننا من أجله؟" أظنني كنت قادراً على الإجابة عن هذا السؤال، ولكني آثرت الصمت من خشيةٍ أن أبدو مملّا ًمثل أولئك المحللين الاستراتيجيين الذين يحتلّون شاشات التلفزة العربية بالطول و بالعرض. قلت:" وأنت تظن أن النظام قصف المخيم بسبب إيواء النازحين؟" "أعطني سبباً آخرَ." "وجود مسلحين مثلا في المخيم." ضحك،وقال:"مسلحون يعني السلاح. فلو كان لدينا سلاح لما هجمنا على الجولان في الذكرى الأخيرة للنكسة بقبضات عارية، ولما سمحنا لليهود أن يقتلوا عشرين شابا ًمنا ونحن بلا حول وﻻ قوة. كنا استخدمنا السلاح الذي تتحدث عنه. كنا أطلقنا النار على أقل تقدير. ولكن الحقيقة هي: لم يكن هناك أي تبادل ﻹطﻻق النار. لقد كنتُ حاضراً مع الشباب في الجولان. أغلبية من شارك في ذلك الهجوم كانوا من شباب مخيم اليرموك. ولكنّ الرصاص كان يئزّ من جانب واحد فقط، فعن أي سلاح تتحدث يا أستاذ؟" وصمت لنصف دقيقة تقريبا قبل أن يضيف:"على أية حال، ما حدث لسورية كان لا بدّ أن يشمل الفلسطينيين فيها."" لماذا هذه اللابد؟" " لأنّ محمود درويش قالها للعرب من زمان." " وماذا قال محمود درويش للعرب؟" " مأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم." ونظر إليّ بطرف عينه ليعرف إن كنتُ قد كشفت أمره.أظنه كان يعلم بأن هذا الكلام ليس لمحمود درويش. حتى إنه صمت برهةً كمن ينتظر ما سوف أقول بهذا الشأن. وأنا لم أقل شيئاً.أظنني كنت أتواطأ معه على الغشّ. لزمتُ الصمتَ بكل سرور. لن أقول له: إن لدى الفلسطينيين شعراء جميلين غير محمود درويش، منهم سميح القاسم، ومنهم أيضاً توفيق زَيّاد، الذي قال للعرب: أناديكم، أشد على أياديكم،أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم، وأهديكم ضِيا عيني، ودفءَ القلب أعطيكم، فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم. أظن أنّ الشاب كان سعيداً بصمتي، أو حتى بجهلي. وأنا ما آثرتُ الصمت إلا لسببٍ بسيط: لن أكسب شيئاً لو خيّبت أمله بمحمود درويش. حتى لو استشهد الفتى بالمتنبي لصادقتُ، من دون تردد، على أن هذا الشعر الجميل منتحلٌ من محمود درويش، رغم الأعوام الألف التي تفصل بين الرجلين. كنت سأفعل ذلك حتما مادام الفلسطينيون بعامة، والشباب منهم على نحوٍ خاص، يصيبون نشوةً غريبةً من أمر هذا الشاعر الذى استحال أيقونةً مقدسة لدى الشعب الذي لم يعد يملك غير الأسى. محمود درويش.. نبيّ الفلسطينيين الجديد.. لقد انتصر الغشُّ بجدارة، وظهر أثره جلياً في وجه محدثي. انتهينا من عصير قصب السكر ونحن على الرصيف جالسيْن بعد. سألني عن غدي. قلت له إنني راحل إلى بيروت بعد أيام قليلة، وقد أرجع إلى دمشق." لماذا دمشق في هذه الأوقات العصيبة؟" " لديّ أسبابي." "الأبناء ؟ الشغل؟" "لا،لا هذا ولا ذاك." ابتسم وقال:" تعود من أجل امرأة إذن." قلت:"ربما عدت بسبب امرأة، وليس من أجل امرأة." نظر إليّ غير مدركٍ شيئا من لعبة الكلمات المتقاطعة هذه. فهمتُ نظرته, ولكن ماذا أقول له؟ هل أروي له قصة شابّة اسمها رشا، تدرس في جامعة دمشق - كلية الآداب - قسم اللغة العربية - وتعشق مثله محمود درويش، رغم أنها ليست فلسطينية ؟.هل أقول له إنني أتصل بها بالموبايل كل يومٍ تقريباً. أو بالأصح: كلّ ليلة، وإننا نتحدث طويلا؟ لم أكن أمانع بالحديث عن هذه الشابّة الجميلة، وعن قصتي - أنا الرجل الكهل – معها، ولكنّ الذي دفعني إلى السكوت خشيتي من أن تبدو الحكايةُ كلُّها خارجَ السياق، فابتسمت وقلت للشاب:"أنا نفسي لا أعرف ماذا يحدث.على أية حال، هكذا المثقفون دائما. يعقدّون البسيط من الكلام والأفكار. ثم دعك مني، وقل لي: أليس ثمة فتاة ٌفي دمشق تستأهل أن تعود بسببها أو من أجلها؟" قال:"بلى." قلت:"حدّثني عنها." "ماذا أقول؟ إنها بردانة." "عفواً؟" "هذه آخر كلمة سمعتها منها." " أين تقيم في دمشق؟" " في المخيم.. مخيم اليرموك." "هل هي فلسطينية؟ " " فلسطينية مثلي ومثلك." " ما اسمها؟" " ليلى." " وما حكاية بردانة؟" "بردانة - وصفن ثانيتين أو ثلاثاً.. يبدو أنه كان يفكر بالترجمة المناسبة للكلمة. وبدا أنه لم يعثر عليها- يعني تشعر بالبرد. قالت لي: بردانة. كان هذا على الموبايل.اتصلتُ بها من هنا, من القاهرة.كانت هذه آخر المكالمات بيننا. كانت في الشتاء الأخير عندما ضربت دمشقَ عاصفة ٌثلجية. كانت المدينة بلا كهرباء، بلا وقود، بلا تدفئة. هل تصدق؟ لقد سمعت على الموبايل طقطقة عظامها من ارتجافة الصقيع." وصمت. لقد هبط عليه حزن ثقيل.جاريته بالصمت لحظةً احتراماً لحزنه، ثم قلت:"وماذا جرى بعدئذٍ؟""لا شيء." " كيف لا شيء؟ " " انقطع الاتصال. ومازال مقطوعاً إلى اليوم. أخشى أن يكون قد وقع لها مكروهٌ ما، فربما عرفوا أنّ أمرَ هذه البنت يهمّني." " ومن يكون هؤلاء؟" " الذين يريدونني حيّاً أو ميتا." " النظام؟ " " النظام وغير النظام." " مَن مثلاً غيرُ النظام ؟" "أوه! كثيرون يا أستاذ.. لقد قلت لك قبل قليل:لا أحد بريء. لقد تعرضنا لخدعةٍ كبيرة. بعض مَن ادّعى ومازال يدّعي أنه جيشٌ حر لم يكن في الحقيقة إلا لصوصاً وقاطعي طريق. سيناريو شديد الخبث يعجز عن حبكته كاتب مثلك مشهود له بالمهارة." " شكراً على هذه الشهادة ! " " أعمالك في غنىً عن شهادتي، ولكن..." " ولكنْ ماذا ؟ لمذا صمتَّ ؟ " " أنت عائدٌ إلى دمشق، فهل تستطيع مثلاً..؟ " " لماذا أنت مترددٌ في الكلام؟. لوعدتُ إلى دمشق فهل ترغب بأن أتصل بهذه البنت وأنقل لها منك رسالة ما؟ أطمئنها عليك مثلاً؟ هل هذا ما تريد قوله ؟" " في الحقيقة نعم. هذا ما أردت أن أطلبه منك، ولكنني أتردد لأنّ موبايلها مطفأ. لن تصل إليها." قلت ممازحاً:"يبدو أنك لستَ مشتاقاً إليها." " ماذا تقول يا أستاذ؟! إنني أفكر بها ليل نهار.أحلم بها ليل نهار. أنا أصلاً كنت أخطط لإخراجها من سوريا بأيّ شكل. كنت أخطط للمجيء بها إلى هنا كي نتزوج. على كل حال، ليتك تحاول أنْ تعرف شيئاً عنها. وشكراً لك سلفاً." "يبدو أنك متشائم حول وضعها." متشائم كلمة صغيرة." " لا أعرف بماذا أستطيع أن أساعدك أكثر من محاولة الاتصال. ومع ذلك.. هل تفهمني؟. أنا أريد أن أقدّم مساعدة ما. ولكنني لا أعرف كيف." "وأنا لا أريد أن أحمّلك مسؤولية.لا أريد أن أورطّك فجأةً بمشكلة أنت في غنىً عنها." "مشكلة من أي نوع؟" "وكيف لي أن أعرف ماذا يحدث هناك بالضبط؟!الله وحده يعلم." "أنا في غنىً عن المتاعب فعلاً، ومع هذا سوف أحاول أن أعرف شيئاً عن حقيقة هذه البنت وحقيقة ما جرى لها؟" "هل تستطيع ذلك؟. أقصد هل عندك علاقات بمسؤولين كبار؟" "أعدك بأن أبذل أفضل ما لديّ." "وأنا لن أنسى لك هذا الجميل مادمتُ حياً." " ولكنني أحتاج لبعض المعلومات. ماذا كانت تشتغل مثلاً، وأين؟" " إنها لا تشتغل. مازالت صغيرة , عمرها تسعة عشر عاماً. مازالت تدرس- واغتصب ابتسامة - حمارة. رسبت بالبكالوريا السنة الفائتة." وابتسمتُ أنا أيضا. وسجّلتُ على موبايلي بعض المعلومات عن تلك البنت التي اسمها ليلى، وسألت:"ولكن، لماذا أنت مطلوب؟هل قتلت أحداً؟هل أطلقت النار على أحد؟" "أقسم بالله العلي العظيم أنني لم أحمل أيّ سلاح، ولو كان مجرد شفرة حلاقة." " وأنا أصدقك، وأعدك بأن أبذل أفضل ما لديّ. لكن، ومن باب الفضول، لماذا أنت مطلوب؟" " يا إلهي !!..هل تستطيع أن تقول لي لماذا يموت هؤلاءِ الذين يموتون في كل ساعة، بل في كل دقيقة في عموم أنحاء سوريا؟" " أرجو المعذرة!اعتبر أنك لم تسمع مني هذا السؤال الأخير.- وصمتُّ لحظً قصيرةً قبل أن أعود إلى الكلام - وماذا أنت فاعلٌ الآن؟" "ماذا أنا فاعل بخصوص أي شيء؟" "ما هي مشاريعك لغدٍ وبعد غد؟ هل ستبقى هنا في مصر مثلا؟" "وسط هذه الكراهية للفلسطينيين؟! أعوذ بالله ! ""بماذا تفكر إذن؟" "ليس أمامي إﻻّ البحر." "إلى أين؟" "إلى حيث يحملني الموج." تمنّيت له التوفيق مع المجهول. تبادلنا أرقام هواتفنا النقّالة.اتفقنا أن نظل على تواصل. نهضنا عن الرصيف. تصافحنا. وافترقنا. ثم لم نلتقِ مرةً ثانية. ولم يتصل أحدنا بالآخر.لا أعرف لماذا لم يتصل بي، ولكنني أعرف جيداً لماذا لم أتصل أنا به، رغم أنني بقيتُ أتسقطُ أخبارَه. كنت أحب أن أنقل إليه نباً سارّاً عن ليلى. ولكنني لم أصل إلى أية نتيجة مفرحة بهذا الخصوص، رغم أني بذلت أفضل ما لديّ كما وعدت. وفي مجتمع يعيث به الفسادُ فساداً يكون أفضل ما لديك هو: النقود. وفي الحقيقة إنني لم أبخل مقابل المعلومات التي جاءت شحيحةً، متضاربةً، وغيرَ قابلة للتصديق أحياناً. قالوا لي: هذه البنت صارت في لندن. وقالوا: ماتت تحت القصف في مخيم اليرموك . وقالوا : ماتت تحت التعذيب في أقبية أحد أجهزة الأمن. وقالوا ماتت تحت التعذيب لدى إحدى الجماعات المتطرفة . وقالوا: لا وجودَ لهذه البنت في الحياة، ولم يكن لها وجودٌ في يومٍ من الأيام.
 وبلحظة واحدة في صباح يوم شتائي بارد من شهر كانون اﻷول- ديسمبر عام2012، وبنيرانٍ، قيل إنها صديقة، تضرر البناء، وصار منزلي بحاجة إلى ترميم.نزحتُ إلى أحد الفنادق في قلب المدينة. لم يعد لي مكان سوى الفندق. كان ثمة بيوتٌ كثيرة مشرّعة ٌأبوابُها ﻻستقبالي. كلّها في مخيم اليرموك. وكلّها بات أسيرَ القذائف، مهجوراً من أصحابه. لم يبق أحدٌ من العائلة مطرَحه. الجميع نزح. الأغلبية هاجرت. بقي لي في سوريا شقيق واحد. إنه أصغرنا جميعا. يقيم اﻵن في منزل كالجُحْرِ في(دُمّر-البلد). إذن، ليس أمامي سوى الفنادق. سائح في مدينتك!! ربما كانت هذه هي الكوميديا السوداء بعينها. وليس هذا وقت الكوميديا، حتى لو كانت سوداوية الطابع. فما دمتَ سائحا ًتقيم في فندق، فليكن هذا الفندق خارجَ المسرح. سافرت إلى القاهرة. رأيت هناك وسمعت أحد مشاهير اﻹعلام المصري يؤدي التحية (على الهواء مباشرة ) للخواجة اﻹسرائيلي، تقديرا منه لما يفعله هذا الخواجة بالفلسطينيين المجرمين الغدّارين الذين جاؤوا أباهم عِشاء يبكون. يوسف و أخوته. وكان على قميصه دمٌ ليس كذبا ًهذه المرة، فيوسفُ ليس في الجبّ يا أبانا. يوسف أكله الذئب فعلاً. وهذا قميصه تعرفه من رائحته يا أبانا...(هذا القميصُ قميصُ يوسف..وهذا الدمُ دمُه.) قال الشيخ الكفيف, و قال: (صبرٌ جميل و الله ُالمستعان). ارتحلتُ إلى بيروت. لم أتفاجأ بما لقيت هناك. صرت عصياًّ على المفاجأة. وجدتني بحاجة إلى موافقة الجيش اللبناني من أجل السماح لي بزيارة أسرة أخي المشرّدة من مخيم اليرموك في دمشق إلى مخيم نهر البارد في طرابلس. اعتراف: الحصول على تلك الموافقة لم يكن صعباً، ولكنه حتميٌّ. قررت العودة إلى دمشق، بصرف النظر عما ينتظرني هناك، ففي دمشقَ وحدها أستطيع أن ألملم بعضي إلى بعضي. وعدت. وبكى أخي الصغير حين رآني أعود.بكى على كتفي. كثيرا بكى.
في شهر أيار عام 1988 قتلوا أبو جهاد في تونس .. مين اللي قتله ؟. أظن إنه الجميع كان إله مصلحة بموت هذا الرجل . والأسباب لم تكن سرّاً . كان أبو جهاد رافض الشيء المقترح على الفلسطينيين في أوسلو التي باتت على الأبواب . حتى إنه استبق أوسلو بإشعال الانتفاضة . وغير أوسلو والانتفاضة ( تجرأ )على مهاجمة مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب . في الحقيقة إنه الهجوم كان زغير ، رغم ما قالته اليهود عن خسائرهم الكبيرة . لكن حتى لو كان هجوم زغير ، فما هي الضمانات بألا يكون بروفة لهجوم كبير قادم ؟. لا يوجد ضمانات . إذن ، يجب التخلص من هذا الرجل بأي شكل من الأشكال . قتلوه بمئة وخمسين رصاصة . لم أسمع في حياتي عن قتلٍ بهذا الغلّ . وإذا استثنيتُ أفلام الأكشن والخيال فإنني لم أشاهد هذا القتلَ على الشاشة إلا مرّةً واحدة : في المشهد الختامي من الفيلم الأمريكي التحفة ( بوني و كلايد ) . . قتلوه في تونس ، ودفنّاه في مخيم اليرموك .. كانت جنازةً مهيبة .. كنتُ أحدَ المشاركين فيها .. ذهبتُ بعد الدفن أزور أجمل نساء حياتي .. عمتي فاطمة .. عمتي الوحيدة .. فاطمة يوسف .. وجدتها تبكي على أبو جهاد .. وعندما رأتني أمامها صار لديها سببٌ آخرُ للبكاء ، فقد تذكرتْ أخاها ( أبي ) الذي مات في عزِّ الشباب ( 34 عاماً ) .. عملتُ على تهدئتها . لم أنجح . بل إنّ امرأتي الجميلة ازدادت بكاءً .. يبدو أنّ الأحزانَ يجرُّ بعضُها بعضا مثلَ المقطورات على سكة الحديد .. لقد تذكرتِ المرأةُ أباها ( جدّي ) الذي مات في عزِّ الشباب هو الآخر ( 34 عاماً ) .. احتضنتُ امرأتي الجميلة ورجعتُ أهدئها .. ونجحتُ هذه المرّة .. ولكنّ نجاحي لم يدمْ أكثرَ من دقيقةٍ واحدة .. لقد انفجرتِ المرأةُ الجميلةُ بالبكاء من جديد .. وبعدين معك يا عمتي ؟!. شو في كمان ؟! قالت لي : تذكرتْ أكثر يوم أسود بتاريخ الفلسطينيين .. وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف عن أيِّ الأيام كانت تتحدث ، فجميع أيام الفلسطينيين سوداء .. استوضحتُ منها الأمرَ ..قالت : يوم استشهد عبد القادر الحسيني ، بهذاك اليوم يا عمتي كل الفلسطينيين عرفوا إنهن صاروا أيتام ... رحمة الله عليكي يا عمتي .. رحمة الله على عبد القادر الحسيني .. رحمة الله على أبو جهاد ( خليل الوزير ) .. رحمة الله على وديع حدّاد .. رحمة الله على كل الرجال اللي رحلوا وهمّ ثابتين في الميدان ، رغم إنهم تركونا أيتام .
بهداك اليوم الخريفي من عام 2006 ، وقبل المغرب بشوي حسيت بنغزة في الخاصرة . فوراً فهمت شو ناطرني . سبق وعشت هيك لحظة عدة مرات .. بهداك الخريف اللي قبل تمن سنين كان العرض الأول لمسلسل الانتظار .. النغزة بعد المغرب تطورت لموجات متعاقبة من الألم ، ثم الألم الشديد .. قالتلي زوجتي : خليني آخدك عَ المستشفى .. قلتلها : رح أقاوم . وما بدي مساعدة الدكاترة والأدوية .. قالت : كيف يعني ما بدك مساعدة الأدوية ؟! شو هالمنطق العجيب ! ثم إنه الأدوية لشو عملوها ؟ مو لمساعدة المريض ؟ قلت : مبلى ، وأنا مش مريض . أنا فقط موجوع .. قالت : يا سلام ! كيف يعني موجوع ومش مريض ؟! هاي ما سمعتها غير منك . قلت : البحصة بالكلية أو بالحالب هي مجرد وجع . وجع ابن كلب ، نعم ، لكنه مجرد وجع ، وصعب تصنيفه تحت أي نوع من المرض .. قالت : ليش كيف بيكون المرض إذا ما كنّاعم نتوجع ؟. قلت : ما بعرف ، ثمّ بلا نكد . شايفتيني متحمل ؟! قالت : ما هو أنا عم أحكي لأنك مانك متحمل .. قلت : ما بدي مستشفيات ودكاترة ، وجعي وبعرفه ، ورح أتخلص منه بطريقتي .. كنّا جالسين في الصالون .. نهضتُ من قعدتي ، وذهبت إلى غرفة النوم . ارتديت ثياب الخروج .. لحقتْ بي زوجتي إلى هناك .. قالت : شو عم تعمل ؟! قلت : بدي أطلع أمشي . المشي لمدة طويلة أفضل أدوية القولنج الكلوي .. قالت : ما بدك تشوف المسلسل ؟ قلت : لأ .. قالت : شو حكايتك مع هادا المسلسل بالذات ؟ اليوم الحلقة التناش وإنت لهلأ ما شفت منه غير عشرين دقيقة . شو حكايتك ؟ قلت : ما عندي حكاية . عم أنزعج من فواصل الإعلانات التجارية ، ثم إنه المنتج رح يبعتلي بكرا نسخة كاملة من المسلسل بجودة عالية . بشوفه بعدين على مهلي . قالت : أوكي ، منبقى نشوفه سوا ، بس خليني هلأ آخدك عَ المستشفى .. قلت : ما بدي مستشفيات ولا عاد تناقشيني بالموضوع .. وخرجتُ من المنزل . ورحت أمشي .. مشيت أربع ساعات أو أكتر شوي . ومع إنه المشي الطويل هو فعلاً العلاج الأمثل للقولنج الكلوي ، إلا إني ما استفدت منه بشي هداك اليوم .. رجعت للبيت قبل نص الليل بحبة .. استقبلتني زوجتي بالعتاب : شغلت بالي .عالقليلة كنت خد معك الموبايل .. قلتلها : أنا آسف ، الموبايل نسيته . آسف إذا شغلت بالك ! قالت : طبعاً شغلت بالي ، ثم إنه رن كتير بعد ما انتهى عرض الحلقة ، فوق الستين رنّة ، هلأ بدهن يظنوا إنك متكبر عليهن .. قلت : الموبايل أنا نسيته ، وأسفي إلك إنتي فقط لأني شغلت بالك ، أما شو بدهن يظنوا الناس فهي مشكلة أنا بحلّها بعدين .. قالت : كيف حاسس حالك هلأ ؟. قلت : أسوأ من المغرب .. قالت : خليني آخدك عَ المستشفى .. قلت : فوتي نامي .. قالت : شلون يعني أفوت أنام وإنت بهالحالة ؟! قلت : حالتي فعلاً سيئة ، لكني لسه قادر أقاوم ، وإنتي ما رح يطلع بإيدك تعمليلي شي ، لذلك فوتي نامي ، ولما بعجز عن المقاومة بصحيكي .. قالت : كلمة شرف ؟. قلت : كلمة شرف .. الساعة أربعة الصبح لقيت نفسي أمام أحد خيارين : إما برمي حالي من البرندا وبموت وبرتاح من الوجع ، وإما بصحّي زوجتي من نومها .. أخدت بالخيار التاني .. دخلت لغرفة النوم ، وجلست على حرف السرير ، وحطيت إيدي على كتف المرأة الغفيانة ، وناديتها باسمها .. صحيتْ بسرعة .. قالتلي : شو ؟. قلت : ما عاد فيني أقاوم .. خلال ثواني كانت قايمة من الفراش .. لبست تيابها بدقيقة .. ويا دوب غسلت وجهها .. ومشطت شعرها كيف ما كان .. وأخدت رزمة فلوس من غرفة المكتبة ورمتها بشنطاية الإيد .. ومسكت دراعي وساعدتني بنزول الدرج والوصول للسيارة .. بيتنا كان في صحنايا ، والمستشفى اللي رايحينله بحيّ العدوي .. زوجتي كانت عم تسوق بسرعة عالية .. قلتلها : ديغول كان يقول لسائق سيارته لا تسرع فأنا مستعجل .. قالت : ومين هاد ديغول بلا زغرة ؟. ما قدرت أضحك من سؤالها بسبب الوجع .. فعلاً مين هاد ديغول ؟! ما هيِّ معها حالة طارئة .. قلتلها : أنا آسف ! قالت : على شو ؟. قلت : على كل شي ، حتى على وجودي بهالحياة .. قالت : هانت .. شوي ومنوصل .. كانت الطريق طويلة للمستشفى اللي منتعالج فيه عادةً .. وزوجتي زادت من سرعة السيارة .. أكيد كذا رادار لقطنا بالصور، وخاصةً على أتوستراد درعا .. قلت لزوجتي وأنا عم أحاول اضحك وألهي نفسي عن الوجع : كم مخالفة عملتي بهالمشوار ؟. قالت : إي مندفع المخالفات ، المهم نقصّر مدة الوجع . ثمّ مو لهيك انوجدت المصاري ؟ مو هيك إنت دائماً بتقول ؟. قلت : مبلى .. وبقيت عاجز تماماً عن الضحك .. وصلنا أخيراً إلى المستشفى .. عايني طبيب الإسعاف المناوب .. طلع بنفس التشخيص : قولنج كلوي .. سألني إذا بدي نام عندهن .. قلت : طبعاً بدي نام .. طلب من زوجتي تعمل إجراءات تسجيل الدخول وتدفع سلفة للمحاسب .. وعطاني إبرة مسكن بالعضل .. دقائق معدودة واختفى الألم .. اختفى نهائياً .. خرجت من المستشفى .. جلست على حرف الرصيف .. وشعلت سيجارة .. كان طلع النهار .. إجت زوجتي لعندي .. جلست جنبي على حرف الرصيف .. سألتني : كيف حاسس حالك ؟. قلت : حاسس إني رجعت بني آدم .. قالت : معقول إنت ؟! معناها قديش كنت عم تتوجع ؟! قلت : البني آدم ما بيستاهل الوجع ، وأنا بهاللحظة عم أحكي عن الوجع مو عن المرض . البني آدم بيستاهل العافية في بدنه وفي نفسه .. قالت : المهم إنت هلأ منيح ، وما رح نختلف عَ الباقي .. هادا كله صار بشهر تشرين الأول عام ألفين وستة .. لكن نحن هلأ بشهر أيار ألفين وأربعتاش .. بقلب الليل .. ما عندي حدا أصحّيه من النوم .. ولا حتى عندي سيارة .. ولا عندي مسلسل عم ينعرض على شي محطة .. وبالتالي جهاز الموبايل ما رح يرن ستين مرّة ، وعلى الأرجح ما رح يرن ولا مرّة وحدة . اللي كانوا يتصلوا للسلام والاطمئنان هاجروا . وغير هيك : نازل بفندق .. وأكيد ما في تكسي بشوارع دمشق بمثل هاي الساعة وهاي الظروف الأمنية الفظيعة .. هاي الليلة أنا فعلاً لازم أقاوم .
عام 1990صدرت رواية ( الزورق ) عن إحدى دور النشر في القاهرة . جاء في أحد المشاهد كلامٌ لا أستطيع أن أنقله بحرفيته لأنني لا أملك نسخةً من تلك الرواية هذه اللحظة . ولكن بالمعنى ، وعلى لسان بطلها المهندس الشاب ابن مخيم اليرموك نسمع الآتي : لو نزل الفلسطينيون في نيويورك لحوّلوا ماديسون سكوير غاردن إلى ساحة أبو حشيش . انتهى كلام بطل الرواية التي تعرضتُ بسببها إلى حملة من الانتقادات الواسعة من عديد المثقفين الفلسطينيين ، إذ كيف أتجرأ على التلفظ بكلامٍ مثل الذي قيل أعلاه !!!. ودارت الأيام ، وحلّت المصيبةُ بسوريا ، وشملتْ الفلسطينيين فيها . وصار مخيم اليرموك عند الفلسطينيين ( ولا أستثني نفسي ، رغم أنني لا أقيم في المخيم منذ خمسةَ عَشَرَ عاماً ) جنّةَ الله على الأرض . وقد سمعتُ هذا الكلامَ أيضاً من عديد الفلسطينيين العاديين منهم والمثقفين ، وقرأته على صفحات التواصل الاجتماعي هنا أو هناك .. اليومَ قرأت بوست كتبته سيدة قريبة لي ( زوجة ابن أخي – مقيمة في السويد مع أسرتها ) تقول فيه إنّ بساط الريح قد حملها إلى مخيم اليرموك من أجل أن تقيم حفل عشاءٍ للأهل والأصدقاء على سطح منزلها حيث ستقدم للجميع وجبةً من المشاوي المنزلية . لكن وعندما حطّ بها البساط في المخيم المنكوب لم تجد سطح المنزل لأنّ المنزلَ كلَّه تمّ تدميرُه . انتهى البوست . قرأتُ التعليقات . ثمّةَ صديقةٌ لكنّتي مقيمة في السويد فيما فهمت ، تكتب الآتي : ولا يهمك خيتا ، إحنا الفلسطينيين وين ما اجتمعنا منعمل مخيم . انتهى كلامُ صديقةِ كنّتي . إذن ، ما قاله بطل روايتي ليس غريباً عن المزاج العام للفلسطينيين ، فلماذا كان الهجومُ عليَّ بعدَ صدورِ الرواية التي نفدت من السوق بسرعةٍ ربما كانت قياسية ؟! في الحقيقة إنني لم أهتم لانتقادات المثقفين الفلسطينيين وقتئذٍ ، وذهبتُ في قناعاتي حول مزاج أبناء شعبي إلى حدود التطرف في روايتي الفلسطينية التالية ( بوّابّةُ الجنّة ) ، فكان مشهد الختام في الجنّة . في قطعةٍ من الجنّة مخصصة للفلسطينيين لها شكل المخيم .. أرجو ألاّ تحتجوا عليّ الآنَ أيها الفلسطينيون الحزانى ، فقد تندمون في الجنّة !
ولم يكن ثمّةَ مناسبةٌ ، بعد ذلك الصيفِ ، تجعلني أزور هذا المستشفى إلا اليومَ . وجدته مثلَ بيتٍ هجره أصحابُه منذ زمنٍ بعيد . وجدته شبه خاوٍ على عروشه ، مترهلاً ، هرماً ، شاحباً . لقد فقدَ الفلسطينيون توهجهم الذي كانوا قد صنعوه حينَ بذلوا الدماء غزيرةً من أجل فلسطين . وفلسطينُ ليست حجارةً و ترابا . إنها المبتدأُ والخبرُ ، والصليبُ والمصلوبُ والجُلْجُلَة ، والبيتُ الإنسانيُّ الواحد ، والنظامُ العالميُّ القديمُ ، وحقُّ الإنسانِ في الخطأ . والتسليمُ بالقضاءِ في ساعات الرحيلِ الموجِعة ، والعفوُ حينَ المقدرة ، وتحريرُ المرأةِ من عبودية القرنِ العشرينَ البغيضة ، وقلقُ الأمهاتِ في انتظارِ عودةِ الأولادِ من غياهبِ السفر ، وحكاياتُ الجَدّاتِ عن الإنسِ والجانِ وعلاءِ الدينِ وقمرِ الزمان . إنها ، باختصار ، الفكرةُ التي ليست للبيع ، فكلبٌ ابنُ كلبٍ مَنْ قال : كلُّ شيءٍ للبيع .. لم أجد في الاستعلامات من أسأله إلا ممرضةً نائمةً وقد صالبت ذراعيها على سطح طاولةٍ أمامها ووضعت رأسها هناك . لم أوقظها . دخلتُ في شبكةٍ من الدهاليز والأدراج المتشابكة ببعضها على نحوٍ غير مفهوم . اهتديتُ أخيراً إلى مكان أمي . غرفةٌ واسعةٌ في الطابقِ الثاني بابُها مُشَرَّع . وقفتُ بالبابِ لحظةً قصيرةً وألقيتُ نظرةً على ما بداخلِ الغرفة . ثلاثةُ أسرَّةٍ مصفوفةٌ على نسقٍ واحد . وليس من مريضٍ سوى أمي . الإضاءةُ شحيحةٌ أو تكادُ أنْ تكونَ معدومة . ثمةَ غيومٌ في السماء تمنع نورَ الشمسِ من زيارةِ الأرضِ إلاّ قليلا . والمصابيح الكهربائية مطفأة . ما من أحدٍ يحتاج النورَ ههنا . أمي نائمة . تقدّمتُ إلى سريرها ، ووقفتُ بجانبها ، وألقيتُ عليها نظرةً متأملة . لم أرَ إلاّ بعضَ وجهها فقط . كانت تغطّي رأسها ببشكير. آثارُ الزمن محفورةٌ بعمقٍ في الوجه الذي بدا لي متعباً كما لم يكن من قبلُ أبدا . وآثارُ الوجعِ محفورةٌ بعمقٍ أيضا . كم عاشت إلى اليومِ في الحياة ؟ هي نفسُها لا تعرفُ عددَ سنين وجودِها ، أو عددَ سنين عذابها . لا تعرف ذلك بدقّة ، وإنْ كانت تعلم أنها شارفتِ الثمانينَ حتماً . غير أنها بدتِ اليومَ كمن تجاوز مئةً من الأعوام . بقيتُ واقفاً عندَ رأسها أنظر إلى بعضِ وجهها متأملاً اندفاعةَ الزمن الذي راح وانقضى . كرومُ التينِ والزيتون . أرضُ يوسف عبد الرازق الذي انفجر دماغُه وهو على ظهر فرسه في الطريق إلى عكا. طراءةُ الأصباح في أراضي القمح والمشمش والصبّار والكرمة ، وحليبُ البقر الطازج ، والقهوةُ اليمنية السخينة ، وخوابي الزيت ، وأغاني الحصاد ، وطائراتُ اليهود ، ودباباتُ اليهود ( طوبى لفاتح قريةٍ ! ) ، والرحيل من بعد رحيلٍ من بعد رحيل ، وموتُ الزوجِ وموتُ الابنِ وموتُ الأخِ وموتُ ابنِ الأخِ وموتُ ابنِ الأخت . يا ربي ! جميعهم رحلوا شبابا . الجميع بلا استثناء . مَن لم تقتله الحرب قتلته الأوجاع . كم نستطيع أن نودَّع في الحياة من أحبتنا ؟! وكم نستطيع أن ندفع من الضرائب ؟! ومن أجل ماذا ندفع تلك الضرائبَ كلَّها ؟! أمن أجل فلسطينَ نفعل ذلك ؟! وفلسطينُ ليست حجارةً وترابا . إنها علمُ الجهات . والجهاتُ ست . هكذا قالت غانيا . جهةٌ ندخل منها ، وشرقٌ ، وغربٌ ، وشمالٌ ، وجنوب ، وجهةٌ نخرج منها ولا نعود . وبقيتُ أتأملُ بعضَ الوجهِ المتخفي بعضُه تحتَ بشكير ، وأقرأ تاريخ شعبٍ أنهكهُ البحثُ في علم الجهات . وغمرني طوفٌ من حبٍ إلى هذه المرأة . كم نسيتها في زحمة أيامي ! وكم نسيتها في فراغ أيامي ! وكم لم أتذكرها إلاّ حين أخشى حتى الموتِ من أن أفقدها إلى الأبد ! جلستُ على حرف السرير الموازي لسريرها ، من دون أن أتوقف عن تأمل بعض وجهها بنفسٍ موجوعة . ولعلّ نضوبَ الضوء زاد في وجع نفسي الموجوعة . ثمّةَ بابٌ جانبيٌ يفضي إلى شرفةٍ دونَ ريب . وثمّةَ شبّاكٌ عريض . ومازال في الوقت بقايا نهار . نهضت من مطرحي ، وحاولت أن أفتح الباب والشبّاك . ولكن ليس للباب مقبض ، وليس للشبّاك مقبض ، فانتهت محاولاتي إلى لا شيء ، واضطررتُ على إشعالِ النور في الغرفة . نورٌ مرتجف ، بل دائمُ الارتجاف ، ينبعث من مصباحٍ غازيٍّ ممددٍ فوق البابِ المُشَرَّع . إضاءةٌ توجع العين ، وتزيد في وجع النفس . أطفأتُ النور ، ورجعت أجلس في مكاني وأنظر متأملاً إلى المرأةِ التي جعلتْ تفيقُ من دون أن تصحو . كانت كمن يستيقظ من كابوس . نهضتُ من مكاني ، واقتربتُ من سريرها ، وانحنيتُ عليها . نظرتْ إليَّ ، وقالت : إنت مين ؟ قلت : أنا حسن . قالت : مش سامعة . قلت : أنا حسن . حسن . ابنك . قالت : إنت حسن ؟ قلت : أنا حسن . قالت : مش عم أشوف مليح . قلت : على مهلك يمّا ! قالت : بعدك سهران لإسّه ؟ قلت : كيف سهران يمّا ؟ الدنيا بعدها ما صارتش المغرب . قالت : بتضحك عليّ . قلت : وليش بدي أضحك عليكي ؟ قالت : لأنك بدكيش ياني أصلّي الصبح . وكانت لا تكفُّ عن التحديقِ إليّ . لعلّها مازالت لا تراني إلاّ كتلةً ضبابيةَ الملامح ، غائمةَ الأبعاد . وتتعبُ من التقاط ملامحي وأبعادي ، وتشيحُ بوجهها عني ، وتروحُ تحدّق من حولها في أرجاء الغرفة .. عن أيِّ شيءٍ تبحثينَ يا عجوز ؟! طراءةُ الصباحات ، وحقول القمح ، والقهوة اليمنية السخينة ، وندى الصبّار ، والتين والزيتون ، والجهات ستٌ يا أمي . تركنا الجهاتِ خلفَنا . تركناها كلَّها إلاّ واحدة . جهةٌ نخرج منها ولا نعود . لا نعود يا أمي . فليس في الزمان من بقايا . وليس من بقايا في المكان .
من رواية : رسالة إلى فاطمة – خريف 1993