مقطع من فيلم بوابة الجنة , سيناربو الكاتب حسن سامي يوسف
الاثنين، 29 سبتمبر 2014
الأحد، 28 سبتمبر 2014
توقفتُ عن ملاحقة الطائرة ، ورجعتُ بنظري إلى الأرض فوقع بصري على رشا. كانت مشرقةً أكثر مما ينبغي. كانت وضّاءةً، ريّانةً، لا تكاد تمشي على الأرض. كانت ما تزال في طرف الشارع. نهضتُ من قعدتي وتوجهت صوبها. كانت تحمل في يدها اليمنى كيساً من النايلون أنيقاً. وحين وصلتُ إليها ووصلتْ إليّ ارتمت عليّ وعانقتني. كان عناقها لي عنيفاً ، وأكثر. كان لا يخلو من وحشيّة. أحسستُ بالخجل، فنحن في الطريق، وفي وضح النهار، والشهود كثيرون، و ربما كان مِنْ بينهم مَنْ يعرفني.قلت لها:" ولك عيب يا بنت ! " قالت: " ليش عيب؟" وسألتُ نفسي: فعلاً، ليش عيب؟ ولم أهتدِ إلى جوابٍ سريع.ولكنها ساعدتني بالتقاط طرف الجواب من دون أن تدري. قالت:" ثمّ أنا البنت مو إنت." قلت: " صح، إنتي البنت، بس أنا شايب." ابتعدتْ عني بضعة سنتمترات، وجعلتْ تتأمل عينيّ من خلف النظارة الطبية حولهما. ارتبكتُ في لقاء العين بالعين.والبنت لا تبالي بارتباكي.أصابع يدها المحررة تروح تعبث بشعري." شو صابك ؟! " أسأل مستغرباً، فترد ضاحكة:" تسلملي هالشيبة ! " ولست أعرف من حقيقة ما قد حدث تلك اللحظة سوى أنني اتخذت قراراً يقطع العلاقة بهذه البنت الناضرة. لقد صارت هذه البنت، فجأةً،عبئاً ثقيلاً عليّ لا أقدر على تحمل أوزاره، فقد عادت هرمونات الذكورة إلى النشاط فجأةً من بعد طول بياتٍ في خلايا الذئب العتيق. لقد اشتهيتُ جسدها حين لقاء العين بالعين. هذا أمر لا إنصاف فيه.وهذا أمرٌ لم يحدث بيني وبينها في أيّة مرّةٍ سابقة.أظنها قد أحست بتباريح ما ألاقي، فهدأتْ قليلاً، وحاولتْ مداراة الموقف. لكنها لم تنجح.قالت لي بعد أن جلسنا:" هذه لك." وقدمتْ لي كيس النايلون الأنيق.قلت:" ما هذا؟ " قالت: " حلويات شاميّة." "وهل مازال ثمة من يصنع الحلويات الشامية في دمشق؟" " نعم. ومازال ثمة من يشتريها أيضاً." وأضافت:" في المناسبات العظيمة طبعاً." عودتي إلى دمشق مناسبة عظيمة ! ما الثمن؟ بحر الحنان الذي جفّ إلى آخر قطرةٍ فيه ؟! ما الثمن؟ وهل أنا قادرٌ على أن أدفع ؟ ليس أنا، بل قلبي المتعب.ضميري المثقل بالآثام القديمة. أنا لست ثعلباً. لم أكن ثعلباً في يومٍ من الأيام.أنا الآن ذئب هرِمٌ لا أكثر. لست ذئب البحار. لست ذئب البوادي. أنا ذئب شائخٌ بات ينتظر الضربة الأخيرة من قبل أن يهوي صريعاً. المسألة كلها: متى وكيف وأين ومن أين.لا أقول:لماذا ؟ الجواب واضح.المرايا لا تكذب.... من رواية : عتبة الألم .
كانت البنت فائقة الوضوح.وهذا أمر رائع، رغم أنه متعبٌ جداً. يجعل خياراتك قليلة. يجعل قراراتك ضعيفةً ومترددة. أكثر من سبعة شهورٍ انقضت على ذلك النهار الذي اتخذت فيه قراري المفاجىء ببتر العلاقة مع هذه البنت. سبعة شهور وأنا أقنع نفسي- كل يوم - بأنه لم يبقَ في الكرْم غيرُ الحطب. سبعة شهورٍ وأنا أكذب على نفسي وعلى رشا أيضا. وما سبب ذلك الكذب غيرُ وضوحها الفائق.أعترف بأنني بتّ أخاف عليها من ذلك الذئب الشائخ الذي يسكنني. ذلك الذئب المحتضر، والذي يصحو من سكرة الموت بين حينٍ وحين ويجيل النظر في الأرجاء من حوله بحثاً عن فريسة سهلة التقطيع على أنيابه التي نخر السوسُ حتى جذورَها. يا نسيمَ الروح قولي لرشا.. ليت بقية النساء كنّ معي كذلك ! عندما سألتني عزّة على الموبايل إن كنت أرضى لقاءها.قلت لها:" بالتأكيد أرضى،فنحن لسنا أعداء،حتى إنني أتذكر الخوالي معك من الأيام بين وقتٍ وآخر.ولا أتذكرها إلا بحب." والتقينا في مقهى هافانا. وشكتْ لي الأيام َوغدرَها. واشتكت من زواجها الثاني الذي احتضر توّاً، ووصفته بالعاثر. وتمنت لو أن عادت بنا الحياة إلى تلك الأوقات العذبة "عندما كنا سويةً أنا وأنت." قلت لها يومئذٍ:" ولكنّ الموتى لايرجعون إلى بيوتهم في المساء." قالت:" قرأت هذا الكلام في إحدى رواياتك التي كتبتها بعد طلاقنا. وأعتقد أنك كنت تقصدني أنا." " لقد كنت أقصدك أنت فعلاً.والآن قولي لي: ماذا كان سيحدث لو رجعتْ بنا الحياةُ إلى تلك الأوقات التي كانت عذبةً، بل حتى كثيرة العذوبة ؟ " قالت:" كنت سأرفض الطلاق.وكنت سأقاتل من أجل ذلك بلا رحمة." وصدقتها..صدقتها بلا حدود، وقلت:" لا أرى ساعة حول معصمك.هل هذا على علاقةٍ بغدر الأيام؟ " " لا.عندي ساعةً يابانية،ولكنّ حزامها المعدني يسبب الحساسية. " خلعت ساعتي السويسرية من يدي، وقلت للمرأة التي كان لي معها أوقاتٌ عذبة:" أعطيني يدك لو سمحت ! " ومدّت يدها، ووضعتُ الساعة حول معصمها، وقلت:" هذه لا تسبب الحساسية.
تذكرت أن علاقتي بأستاذ (نظريات الدرامة) كانت شائكة. وكان لي علاقة شائكة أيضا بأستاذ مادة (الفلسفة) وبأستاذ مادة (اﻹلحاد) وبتلك اﻷستاذة الشقراء الجميلة التي كانت تدرسنا مادة (علم الجمال)، وبالسيدة العجوز التي تدخن الكثير من السجائر وتدرسنا مادة (السينما و الأدب). وعدا هؤﻻء الخمسة كان ثمة واحدٌ وعشرون أستاذاً لواحدةٍ وعشرين مادةً مختلفة، ربطتني بهم علاقةٌ طيبة، حتى إني حصلت على علامة (ممتاز) غير مرّة.إذن، لم أكن طالبا مشاغبا، أو غبيّا، أو كسوﻻً. فأين المشكلة مع بعض اﻷساتذة ؟ أين المشكلة مع أستاذ (نظريات الدرامة) مثلاً ؟ ربما كنت أهابه أكثرَ من اللزوم، شأني شأنُ بقية طلاب صفي. كان عددنا أربعةَ عشرَ: سبعة شباب وسبع صبايا، وكلنا في عمر الورود بعد. كنا قابلين للتقصف بسهولة. وأستاذنا شخص مشهور.كتبه في اﻷسواق تلقى رواجا واسعا. كان أحد كبار المثقفين في الحقبة السوفياتية المتأخرة. ولكنه كان متعاليا على طلابه الذين مازالوا في حقل الثقافة يَحْبون بعد. ﻻ يقدرون على المشي بعد. وكان هذا الرجل المشهور يطالبنا بالذهاب إلى اﻷولمبياد واﻻشتراك في سباق الماراثون. وربما كان يطالبنا بأكثر من ذلك: التتويج بالميدالية الذهبية، فنحن نستحقها حتماً، ما دام هو أستاذنا أو مدربنا. طلبك هذا يفتقر إلى العدل يا حضرة البرفسور.قررت يوماً- في إحدى المحاضرات - أن أكون مشاكسا بحكم عناد الشباب. قلت له: " يا حضرة البرفسور ! أنتم تسمونها نظريات، ولكنكم تتحدثون عنها بوصفها قوانين.أﻻ ترون في هذا تناقضا ما ؟ " ردّ علي يقول:" الدرامة التي نعرفها هي نتاج تجربة البشر منذ سوفوكل اﻹغريقي وحتى ميلر اﻷميركي مرورا بشكسبير اﻹنكليزي وموليير الفرنسي وإبسن النرويجي وتشيخوف الروسي." رحت أهز برأسي موافقا على صحة هذا الكلام، وسألت:" وماذا بعد ؟ " تنهد البرفسور وقد بدأ يضيق بي ذرعا، فقد كان يكره الأسئلة من طلابه، وقال:"هذه الدرامة عرفناها جيدا، وفي التالي يمكننا الحديثُ عن قوانينَ من نوع ما.- واستدرك،وأضاف - ولكنْ..- واستدرك مرة ثانية - ولكنّ التجربة اﻹنسانية لم تستكمل دورتها." "إذن،ماذا؟" " إذن، الحياة مفتوحة على كل اﻻحتماﻻت. ومادامت كذلك فلا يمكن للنظرية أن ترقى إلى مستوى القانون، فقد تفاجئنا الحياة في أية لحظة بأمر ينسف الكثير من القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي سنة." " أمرٌ مثل ماذا حضرة البرفسور؟ الحرب مثلا؟ لقد خبرتها البشرية جيدا. أنتم هنا في روسيا أكثر الناس دراية بويلات الحروب من بعد أن عشتم صراعاً دموياً مرعباً مع النازية الألمانية.أريد أمثلة حضرة البروفسور عن طبيعة ذلك الشيء الذي يمكنه أن ينسف القواعد التي بنيناها خلال أكثر من ألفي عام.السلطة مثلاً ؟ العبودية ؟ الحب؟ لديكم في أوروبا قصتان عن الحب أتعبتا عيون البشر حول الأرض من البكاء. لديكم روميو و جولييت. ولديكم الأهم منها: تريستان وإيزولدا.أظن أن جميع الأمم قد خبرت الحب جيداً.نحن العرب على سبيل المثال كان عندنا قبيلة اشتهرت بأن الشباب فيها والصبايا كانوا يموتون حين يعشقون.هذه القبيلة اسمها عِذرة.وقد ظهرت لدينا سلسلة طويلة من الشعراء اسمهم العِذريون، رغم أنهم لا ينتمون بصلة قربى إلى تلك القبيلة." لقد تعمدت الاستفاضة في الحديث.كنت مستعداً أن أقول أي كلام من أجل إغاظة البروفسور المغرور الذي وقف وسْطَ القاعة مكتّفاً ذراعيه حول صدره يتأملني (باستخفافٍ حتماً)، أما زملائي فقد كانوا سعداء بجراءتي، كانوا يبتسمون لي ولو بعيونهم فقط."هل انتهيت يا ولد؟ " قال البرفسور وهو يشملني بنظرة فيها الكثير من عدم الرضا.." انتهيت من ماذا حضرة البرفسور؟ " " من محاضرتك عن تاريخ الحب حول العالم." " محاضرة؟.أنا ؟.أبداً..لم أقصد شيئاً من هذا." " ألم تكن تقرأ علينا درساً في تريستان و إيزولدا، وأؤلئك الشباب والصبايا الذين كان يقتلهم الحب؟ " " لا أبدا حضرة البرفسور.كنت أريد أمثلة حول طبيعة ذلك الشيء الذي قد يجعلنا ننسف تعب آلاف السنين.فقط أمثلة.أريد أمثلة حضرة البرفسور." " تريد أمثلة. حسناً.ولكن قل لي: هل تعرف أحداً من هؤلاء الشباب والصبايا الذين يموتون من العشق، والذين أستطيع أن أراهن بأنك لست منهم؟ أظنك تنتمي إلى فصيلة بعيدة عن الموت حباً. أظنك من هواة التسكع بين النساء.أليس كذلك؟ " " إلى حدٍ ما حضرة البرفسور. " " إلى حدٍ ما ! يا سلام ! وماذا تعني هذه ال إلى حدٍ ما؟ هل نحن أمام نصف حقيقةٍ مثلاً؟ أو إننا نتحدث عن ربع حقيقة؟ أليس ثمة قانونٌ واضحٌ يحكم علاقتك بالنساء؟ ألا تملك مثل هذا القانون ؟! " " أظن أنّ أمراً كهذا لا يخضع لقانون ثابت. " " أيّ أمرٍ هو؟ هل تستطيع أن تحدده بالضبط؟. " " نعم أستطيع. الحب. المرأة ." " وبماذا تختلف الدرامة عن المرأة؟ " " لا أعرف حضرة البرفسور. سبق أن طرحتم عليَّ هذا السؤال ، وقلت لكم إنني لا أعرف أوجه الاختلاف بين الاثنتين، ولا أعرف أوجه التشابه أيضاً . " " برافو ! والأصح طبعاً ليس برافو.هل تدري لماذا؟ لأنك تملك نصف حقيقة، ثم لا تبذل أيّ جهدٍ للبناء على ما تملك. هل هو نوعٌ من الكسل مثلاً ؟ " " لا حضرة البرفسور، إنني لست كسولاً . " " إذن أنت مشاغب أو فوضوي." " لستُ فوضوياً ولستُ مشاغباً أيضاً. " " لستَ كسولاً، ولستَ مشاغباً، ولستَ فوضوياً، فمن تكون؟ لماذا لا تحاول بناء شيء على ما تملك من معرفة؟ " " لم يخطر الأمر ببالي يوماً. " " إذن، متى سيخطر ببالك؟ حين تقع في هوى بنتٍ من هؤلاء الذين يموتون حين يعشقون؟! " " لا أظنّ بوجود مثل هذه البنات في زماننا المعاصر. " " كيف وصلتَ إلى هذا الاستنتاج الغريب؟!! قلت إنها قبيلةٌ. والقبيلة بالضرورة مجموعةٌ كبيرةٌ من الناس. أين ذهبتْ جيناتهم؟! لا يمكن أن تكون قد تبخرت. وبالمناسبة أمر هذه القبيلة العربية ليس سراً، عديدُ الكتاب الأوريبيين كتب حول هذه الظاهرة الغريبة،وبالمناسبة أيضاً، ماذا أنت فاعلٌ لو وجدتَ نفسك عالقاً في الغرام مع واحدةٍ من هؤلاء البنات؟. " " لا أظن بوجود هؤلاء البنات اليومَ حضرةَ البرفسور. " " لا تظن !. رائع.. جوابٌ رائع يعفيك من أية مشقة في التفكير! هذا ليس جيداً ! " ويفضّ البرفسور اشتباك ذراعيه حول صدره ويستدير منصرفاً إلى كرسيه المريح على المنصة الكبيرة وهويردّ بتعاليه المعتاد على أسئلتي الصبيانية:" تكون مخطئا أيها الفتى إن كنت تعتقد بأن الهوّةَ كبيرةٌ في الدرامة بين النظرية وبين القانون. إنها ليست سوى خيطٍ رفيعٍ جدا عليك أن تملك بصراً حديديا لكي تراه. وحين تراه يجب أن تحافظ على بصرك حديديا من أجل ألا تفقد ذلك الخيط، ﻷنه سوف يساعدك في الوصول إلى خلاصك." " خلاصي من أي شيء يا حضرة البرفسور ؟ " "ومن أين لي أن أعرف ماذا تخبئ لك الحياة ؟! الشيطان وحده يعلم ذلك. وفي جميع اﻷحوال أنت لست طالبا في كلية الرياضيات أو الفيزياء.إنْ كنتَ تبحث عن سهولة العيش فاذهب إلى هناك.هناك الحياة سهلة.هناك القوانين واضحة..واضحة، صارمة، باردة، محايدة، وبالتالي الحياة عندهم سهلة جداً..سهلة إلى حد أنهم قادرون، ببساطة،على بناء محطات الفضاء، وقادرون، ببساطة أكبر،على الوصول إلى المريخ في الزمن القريب، قادرون على القيام باكتشافات هم يسمونها مذهلة، وأنا أسميها هراء، فإنني أتحداهم جميعا أن يحضروا اﻵن إلى هذه القاعة وأن يكتشفوا ما في نفس طالبي المسكين الذي يقف أمامي عاجزاً عن معرفة الفرق بين النظرية وبين القانون. تذكر دائما أيها الفتى أنك ﻻ تتعاطى الرياضيات أو الفيزياء. تذكر دائما أنك هنا. وهنا اﻷمور معقّدة، فهنا قد يجتمع الشيءُ وضدُّه في سلةٍ واحدة، ويكونان برفقة طيبة جدا. عليك أن تتأقلم مع هذا الوضع، رغم غرابته."
خرجتُ من الفيس. أغلقت الموبايل. قلتُ بصوتٍ مرتفع: اعمليلي قهوة ورجعيلي سجايري، أنا ماني عبد عندك. سمعتُ ضحكتها. قالت من دون أن تتوقف عن الضحك: بنصحك تكون عبد عندي أنا. أنا أرحم من غيري بكتير. مين غيرك؟ سألتُ. قالت: لا تعمل حالك غشيم. قلت في نفسي: لا حولَ ولا قوّة إلا بالله! قالت من بعيد: سمعتك. رحت أسأل نفسي: من وين إجتني هالمصيبة؟ قالت: كمان سمعتك. قلت في نفسي أيضاً: أحاول أن أنام. قالت: لا تنام. هذه البنت تعلمُ الغيبَ أم ماذا؟ قالت: عم أعملّك زهورات. قلت: ما بحبها. قالت: مو على كيفك. بعدين مو أنا ماما؟ بدك تسمع كلمة الماما. طمرتُ رأسي تحت اللحاف. وأغفيتُ سريعاً. كانت إغفاءةً قصيرةً على نحوٍ غريب. لعلّها لم تدم أكثر من دقيقةٍ، أو بعضٍ من دقيقة. قالوا كم لبثنا. إنها تأثيرات المرض دون شك. ومن تأثيرات المرض أيضاً: فقدانُ الإحساس بالمحيط. مَنْ هذه البنتُ تكون؟ أم إنني صعدت إلى السماء وصرت في مواجهة الملائكة؟ من أنتِ؟ كدتُ أسألها. كانت ملاكاً على هيئة أنثى. امرأةٌ صغيرةٌ تفيض عافيةً ومَلاحةً. يا الله!! إنها هناء.قالت لي:متى ستأتي؟. اشتقت إليك ، اشتقت إليك كثيراَ، وطال إليك انتظاري! قلت لها: أنا قادمٌ يا هناء! أنا قادم. أرجوك يا ألاّ تملّي الانتظار، أعرف أني تأخرت. سامحيني يا هناء!! - هل سببت لك العذاب؟ هل سوف تظل تتعذب؟ - من أنتِ يا هناء؟ - أنا حمامةُ الأيكِ. – بل غصّةُ العُمرِ أنتِ.. وفتحتُ عينيَّ. كم لبثنا؟ رفعتُ عن رأسي الغطاء وكنت أتعرق.رأيتها تقف على بعد خطوةٍ من السرير أو نصف خطوة. سألتني بصوتٍ يفيض بالندم: صحّيتك؟ قلت: لأ ما صحّيتيني، ما بعرف ليش صحيت، ولا بعرف كيف نمت.كانت ترتدي واحدةً من بيجاماتي الشتوية السميكة، ولكنها كانت بيجامةً مكويّة، وأنا شأني شأن غالبية الرجال العازبين لا أكوي البيجامات.وحدها الملابس الخارجية أرسلها إلى المصبغة. كانت ترتدي بيجامتي السماوية المفضلة لديّ.وكان هذا اللون يليق بها تماماً.كان وجهها وضّاءاً، وكانت عيناها أكثرَ بريقاً من أيّ وقتٍ مضى، وشعرهُا الثقيلُ أيضاً كان أكثر غزارةً من أي وقتٍ مضى. كانت تقف حاملةً صينيةً صغيرةً عليها كأسان زجاجيتان يتصاعد منهما البخار. اعتدلتُ في رقدتي بأمرٍ من بريق عينيها. الطلب في تينك العينين واضح. تريد البنت أن تجلس متربعةً قبالتي على السرير كما فعلنا مع الشوربة. وهذا ما كان.قالت لي: كنتَ عم تحلم. – لا أعرف كيف دخلتُ في الغفوة. - كنتَ تتحدث إلى إحدى النساء. – حقاً؟ - نعم، أظن ذلك،امرأة ربما كان اسمها هناء.- ربما! لا أتذكر هذا الحلم.- لماذا تهرب دائماً عند الحديث عن النساء في حياتك؟- لا ، إنني لا أهرب.على أية حال، هناء لم تكن من نساء حياتي. – من هي إذن؟ حدثني عنها. قلت لها بعدما تناولتُ رشفةً من الزهورات الساخنة: لا أحبّ هذا الدواء.قالت: رجعتَ تهرب.- سوف أحدثك عن هناء. هذا وعد، ولكن ليس الآن.- متى إذن؟ - في وقت آخر. – يا سلام! هل تضحك عليّ؟ في وقتٍ آخر!! قد يكون هذا الوقت الآخر بعد سنة أو حتى سنتين، أليس كذلك؟ - لا، بل سوف يكون قريباً جداً. – اليوم. – حاضر، اليوم، بشرط أن تعفيني من تناول هذا الدواء. ضحكتْ. قلتُ لها: "عال! هذا يعني أنّ مزاجك رائق. إذن اسمعيني، ولكن اسمعيني للنهاية قبل أن تنطقي بأيّ حرف، اتفقنا؟ – أومأتْ بعينيها الحلوتين أن نعم. – ممتاز. أعود إلى موضوع النقود.أنا أملك حساباً بالبنك، وأنا أريد أن تشاركيني هذا الحساب. وأنا أيضاً لا أقوم بهذه الخطوة من أجلك أنت، بل من أجل نفسي. هل سبق أن كان لك حسابٌ في البنك ذاتَ يوم؟ -أومأتْ بهزة بالكاد مرئية من رأسها أن لا.- الأمر بسيط. ثمة شيء في نظام البنوك اسمه: حساب مشترك.وهذا ما سوف نفعله أنا وأنت. تصيرين شريكتي في هذا الحساب. ويصير من حقك أن تتصرفي بالمبلغ الموجود لديهم بكل بساطة، ومن دون أية مساء لة من أية جهة. من المؤكد أنك تسألين نفسك: لماذا؟ الجواب على لماذا هذه سهل. إنني سوف أعتمد عليك في اللحظة التي لا تتكرر في عمر الإنسان مرتين. " وكان عليّ ألاّ أصمت بعد تلك المقدمة التي بدتْ مقنعةً إلى الآن. صمتيَ المفاجىءُ منحَ الصبيّةَ فسحةً من الوقت للتفكير المضني. لقد بان ذلك في عينيها اللتين لم تعودا صافيتين تماماً. ظلّتْ تحدق في عينيّ راجيةً ألاّ أنطق تلك الكلمة التي لم أستطع النطق بها بتلك البساطة التي ميّزتِ المقدمةَ المقنعة. ولكنْ لا بدّ مما ليس منه بدّ. قلت مرةً واحدة كمن يرمي عن كاهله عبئاً ثقيلاً: " القبر." هبطَ على البنت صمتٌ ثقيلٌ مرّةً واحدة. أظنها أصيبت بالبكم. هكذا بدتْ لي تلك اللحظة. ظلّت تحدق بي. كانت تفعل ذلك بثباتٍ عجيب، لدرجة أني لم أعد قادراً على الاستمرار بالنظر في عينيها. تشاغلتُ عن عناد نظرتها بشرب الزهورات التي أكرهها. وعندما استنفدتُ وسيلتي هذه للهروب من المواجهة معها، ورجعتُ إلى لقاء العين بالعين وجدتُ النظرةَ ذاتَها جاهزة ًفي استقبالي. لعلّها كانت بتلك النظرة تقول لي: أنا أحميك من الموت، فلا حاجة بك إلى القبر. شبابي الفوّارُ كفيلٌ بتوفير الأمن و الحماية من كل سوء ينتظرنا نحن الاثنين. تعال نتشارك في هذا وليس في حسابك البنكيّ، فهذا أمرٌ جدير بالمشاركة، وربما كان الأمرَ الوحيدَ الجدير بذلك. قلت قافزاً فوق جميع ما قرأت من أفكارٍ في العينين الوسيعتين: لم يبقَ لي في هذا العالم أحدٌ سواكِ يا رشا. الجميع رحل. وبقيتُ مثلَ السيف فردا.كلماتٌ شهيرةٌ غنتها السيدةُ فيروز، ولكنني في الحقيقة لا أعرف قائلها. كنت كمن يستجدي الموافقة على طلب القبر المفاجىء. كنت كمن يستجدي ليس تعاطفاً، بل عطفاً. ولكنّ هذه الطاغيةَ الصغيرةَ التي تقابلني لا تعرف الشفقة. لا وجود لكلمةٍ كهذه في قاموس شبابها العامر بمفردات الحياة الفائرة. لم يكن قد تغير في نظرتها إليّ شيء. كانت كمن يردّ على ما أفكّر به حول قاموس مفرداتها. نعم، الحياة، وليس الموت. ومضيتُ أتوسلُها وأنا أفقدُ أسلحتي واحداً بعد آخر: بالأمس يا رشا. بالأمس في قلب الليل احتلني الرعبُ من خشية أن أفقد حقي في العدالة التي كنت قد فقدتها في الحياة، فليس عدلاً أن أفقدها في الموت أيضاً. تصورت أنني مائتٌ بلا ريب، وبأنّ أحداً لن يعلم بموتي قبل عودة صديقي من السفر بعد شهرٍ وأربعة أيام. ماذا كان يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة الطويلة؟ فهل أذهب للقاء ربي متحللاً؟.ألا تكفيني الذنوب التي اقترفتها في حياتي؟ ألن يكون هذا التحلل اعترافاً بذنب الموت وحيدا مثل ذلك السيف فردا؟ فأنا سيفٌ مثلومٌ يا رشا. لم أعد صالحاً لغير الانصهار في الفرن المعدني، فأعودَ مادةً خاماً تحتاج إلى تصنيعٍ من جديد. هل تدركين ما أقول؟ هل تشعرين بجسامة الذنب الذي أرتكب؟أليس هذا الذنب وحدَه كفيلٌ بإلقائي إلى العذاب خالداً فيه خلودَ العذاب نفسه؟ ولكن هل تعرفين طبيعة ذلك العذاب الذي أخشى؟ أخشى أنني لن أعثر في الموت على راحتي. أخشى أنني لن أكون قادراً في الموت على أن أنام لو كنت متحللاً. لكِ أنْ تتصوري حجم ما سوف ألاقي من جحيم عندئذٍ. هل تدركين الآن حاجتي إلى القبر يا رشا؟ القبر مكان تتحقق فيه العدالة. بل هو المكان الوحيد الذي تنسجم فيه العدالةُ مع نفسها، فلا تميّز بين قتيلٍ وبين قاتله، أو بين جلّادٍ وبين ضحيته. لا تقولي لي إنك قد قرأتِ هذا الكلام في إحدى رواياتي من قبل، فأنا أعرف أنك لم تقرئي شيئاً من تلك الروايات. لم أسمعك يوماً تأتين على سيرتها، ولو من بعيد. سمعتك تتحدثين عن مسلسلاتي التلفزيونية كثيراً. حتى ذلك المسلسل الذي عرضوه وأنتِ بعدُ تسلخين عن بدنك جلد الطفولة وترتدين بدلاً منه روح البنت المراهِقة. ذلك المسلسل الذي عشقتْ فيه صبيةٌ في أوائل العشرينات من عمرها كاتباً خمسينياً، وعشقَها. مازلتِ إلى اليومِ تلومينني على نهاية القصة. إلى اليومِ لا تغفرين لي انفصالَ العاشقيْن الذي يفتقرُ أولَّ ما يفتقر إلى العدالة التي أنشدها الآن حول ضرورة أن أمتلك في هذه الحياة قبراً. ما حكايتك يا رشا؟ لماذا تنظرين إليّ بهذه الغرابة؟ لماذا تمدّين كفك إلى جبيني؟ " لقد عاودتك السخونة." نظرتِ البنتُ إلى معصم يدها. لم يكن هناك ساعة. يبدو أنها نسيتها في الحمّام. نظرتْ إلى ساعتي اليدوية على سطح الكومدينو من يميني، وقالت: حان وقت الدواء. وقالت: " لا تخف! سوف نكسر عتبة الألم. " ونهضتْ عن السرير. انتصبتْ على الأرض مثل شجرةٍ سنديان راسخة الجذور في الصخور العميقة قبلَ أن تنحني على الصينية وترفعها من على الفراش، وتمضي إلى المطبخ. لم تتأخر هناك. رجعتْ سريعاً، وقالت: لقد جئتك بالدواء. وقالت: سوف نعبر عتبة الألم. أعطتْني الجرعة الموصوفة، وأسقتني ماءً طازجاً أحضرَتْه مع الدواء في كأسٍ زجاجيةٍ كبيرة. وتمنّت لي الشفاء العاجل، وانصرفت إلى المطبخ من جديد. ومن جديدٍ رجعتْ سريعاً. كانت تحمل في يمينها ولّاعتي السحرية وسيجارةً واحدة أشعلتها لي بنفسها، وقالت: أنا أفي بوعودي دائماً. وانصرفتْ إلى المطبخ أيضاً. لم أعرف من أجل أيّ شيء ذهبتْ هذه المرّة. الذي أعرفه هذه المرّة أنها تأخرت هناك كثيرا. لم ترجع إليّ سريعاً مثلما توقعتُ. حسبتُ تأخرها نوعاً من الاحتجاج على التدخين، وحسبته نوعاً من الإشفاق عليّ وعلى نفسها وهي تشاهد بأمّ العين إصراراً لديّ غريباً على الإضرار بالصحة. ولكنها تأخرت من الزمن ما يكفي لتدخين عشر سجائر. ما الذي تفعله البنت في المطبخ هذا الوقتَ كلَّه؟ سألتُ نفسي. حتى إنني لست أسمع أيةَ طرطقة. لا شيءَ غيرُ الصمت. أم إنها ليست في المطبخ؟ هل تكوي الثياب مثلاً؟ تلك الثياب التي لم أرسلها إلى المصبغة؟ شغلتْ غيبتُها بالي. ناديتُ: رشا! لم ترد على ندائي. ناديتها من جديد، فلم ألقَ غيرَ الصمت جوابا. نهضتُ من رقدتي. كنتُ أخشى أنّ مكروهاً قد وقع. نهضتُ بسرعة من الفراش نتيجة تلكَ الخشية، فلّفّتْ بيَ الدنيا، وجلستُ على حرف السرير مرغما. أغمضتُ عينيّ، والتقطتُ أنفاسي، وأسندت رأسي بكفين اكتشفتُ ضَعفهما سريعاً. وانتظرتُ استقرار الدوخة بي في مكانٍ ما على وجه هذه البسيطة التي تراءت لي شديدةَ الضيق. وحين مرقتِ اللحظةُ على خير، نهضتُ متوخياً الهدوء في الحركة. وجدتني ثابتاً على الأرض. هذا رائع. الصحةُ تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراه غيرُ المرضى. عبارةٌ لا نتذكرها في غير أوقات الشّدّة، رغم أننا نعرفها منذ الأزل.أخذتُ طريق المطبخ الذي لا بابَ له. وهذا كان من مقترحات المهندس الذي أشرف على تصميم المنزل قبلَ عشرين سنة تقريبا. وعبرَ الباب المفتوح دائماً رأيتها.كانت تجلس على كرسيٍ إلى طاولة الطعام. وكانت قد ألقتْ رأسها فوق ذراعها اليمنى الممدودة بلا مبالاةٍ على سطح الطاولة. وبلا مبالاة أيضاً كانت تتدلى ذراعها اليسرى في حيزٍ صغيرٍ من مساحة المكان الكبيرة. بدتْ لي مثلَ لوحةٍ معلّقةٍ على حائطٍ في أحد المتاحف القليلة التي زرتها حول العالم. لستُ مولعاً بالمتاحف. كثير من الأصدقاء يلومني على هذا الشيء. كيف تعود من باريس من دون أن تدخل متحف اللوفر؟! لم أجد نفسي معنياً بجوابٍ عن هذا السؤال، رغمَ عشقي للانطباعية الفرنسية، والتعبيرية الألمانية.. رشا! ناديتها. قالت: نعم؟– هل كنتِ نائمة؟ – لا. – ناديتك ولم تردّي. – صحيح، ناديتني مرتين. – لماذا لا تردين إذن؟ – أحببتُ أن أخلو إلى نفسي قليلا. – وأنا أفسدت عليك خلوتك! أليس كذلك؟ – ليس مهماً الذي فعلتَه. – ولكنْ ما بكِ؟هل تبكين؟ – لا، لست أبكي. ورفعتْ رأسها بكسلٍ عن ذراعها اللامبالية، ونظرتْ إليّ كي تبرهن لي على صدق ما تقول. لم يكن في عينيها بلل، أو حتى أثرٌ لبلل. جلستُ على كرسيٍ يجاورها. تأملتها مليّاً. كانت قد ألقت من جديد رأسها على ذراعها. ما الذي يدور في دماغ هذه البنت؟ قالت لي فجأةً: بالمناسبة! وصمتتْ لحظةً. ووجدتُ الفرصة مواتيةً لتطرية قسوة الهواجس التي تطوف في روحها المتعبة. قلت: بأية مناسبة؟ ظهرت ابتسامةٌ صغيرةٌ على وجهها مثل طيفٍ عابر، وقالت: بمناسبة وجودك في حياتي. وعادت إلى الصمت وقد هجر الطيفُ مطرَحَه. وكنت متشوقا لمعرفة ما سوف تقول بالمناسبة. ولم تجعلني أنتظر طويلاً. قالت: أنت الرجل الوحيد الذي شاهد صدري عارياً. قلت: وهل هذا ما يؤرقك الآن؟ قالت: لماذا تحبّ أن تفهمني على نحوٍ خاطىء؟! قلتُ: في الحقيقة إنني لا أحبُّ ذلك يا رشا، ولكنّ هذا ما استنتجته من وحدتك. قالت: يبدو أنك لا تجيد الاستنتاج دائماً، فأنا لستُ متذمرةً ولستُ نادمةً على أنك رأيت صدري العاري، ولم أقل ما قلت إلا بالمناسبة، رغم أنّ المناسبةَ في الحقيقة غير موجودة. ولكنكِ اعترفتِ تواً بمناسبة وجودي في حياتك! قلتُ محاولاً تطريةَ الجو من جديد. قالت: هذا ليس مناسبة، هذا وجود، هذا ليس شيئاً عابرأً. لم افهم. قلت: ماذا تقصدين؟ قالت: إنني متعبة، وأريد أن أنام ولو نصف ساعة، أو حتى عشرين دقيقة. ونهضتْ، وانصرفتْ إلى غرفة النوم التي تعرفها. ألقيتُ إثرَها نظرة. وسألتُ نفسي: ما الذي تريده مني هذه البنت؟ ما الذي تريده فعلاً؟ أنا أريد أن أساعدها. أحبُّ أن أساعدها، ولكن عليّ من أجل ذلك أن أعرف أولاً حقيقة ما تلاقي من التعب. وتناسيتُ في لحظتي تلك أن أسأل نفسي عما أريده أنا منها؟ إنني أريد أن تشاركني الحساب المصرفي. هل أستغلّها؟ هل أستغلّ شهامتها؟ ولكنني كنت صريحاً معها. قلت لها: ليس من أجلك أنتِ، بل من أجلي أنا. ولكنْ هل الصراحةُ تمحو النيّة في الاستغلال؟ أوليست الصراحة أشدَّ خبثا من المراوغة أحيانا؟ لم أصل إلى أجوبة عن هذه الأسئلة. عقلي مشوشٌ تماما. القبر. نعم، القبر. آخرُ منازلِ الحياة. لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ. ظلّ عقلي مشوّشا.فكّرت بتدخين سيجارةٍ ثانية. ولكنّ السجائرَ في حقيبة البنت اليدوية. الحقيبة أمامي على سطح الطاولة. يجبُ عدمُ التمادي. زجرتُ نفسي. لن أفتح حقيبة البنت. لن أستبيح خصوصياتها تحت أية ذريعة. وليذهب النيكوتين إلى جهنم. نهضتُ عن الكرسي على مهلِ. الحمد لله! لا دوخة. الحمد لله! ذهبتُ إلى غرفة النوم بخطىً بطيئةٍ، لكنها غيرُ مترنحة،رغم افتقارها إلى الثبات الواثق على الأرض. رشا تحتلّ مطرحي من السرير. تحتل النصفَ الأيمن. ما هذا الاعتداء السافر؟! سألتُ نفسي وأنا أنظر إلى البنت متبسما. كنت سعيداً بوجودها في فراشي، وفي بيجامتي المفضّلة أيضا. هل أطلب منها أن تذهب إلى النصف الآخرَ من السرير؟ فعلى الكومدينو في هذا الجانب أشيائي الصغيرةُ كلها: موبايلي الذكيّ، ونظارتي الطبية الغبية، وكتاب الحماسة، ودفتر ملاحظاتي الاستباقية، وقلمٌ ياباني يكتب بسلاسة حتى من دون تدخلٍ مني.يقرأ أفكاري ويدوّنها من تلقاء نفسه. من المحزن أن انقضى العمرُ من دون أن أزور هذا البلد الذي اسمه اليابان، مع أنني وصلت إلى تخومه، ولم يعد يفصلني عنه غيرُ ساعة طيرانٍ واحدة، هي المسافة التي أظنها تفصل اليابان عن كوريا. وكوريا لم تكن بين ملفات أحلامي البعيدة. كانت اليابان تحتل بين تلك الأحلام جميعاً موقع الصدارة.منذ عام 1958 وأنا مندهشٌ من السحر الذي تصنعه اليابان في العالم. مذ رجع أخي من بيروت في نقاهة ما بعد جراح الحرب. مذ أعطاني تلك الليرات الخمس، ومذ أعطاني علّاقة مفاتيح أيضا. لم أكن أملك أي مفتاح لأي باب، ولكنني، مع ذلك، كنت سعيداً بتلك العلّاقة أيمّا سعادة، فقد كان يتدلي منها أيقونةٌ من زجاج يحمل كل ألوان الطيف حسب انعكاسات الضوء على صفحتها، ومن الجانبين. عددٌ لا يتناهى من أشكال الفتنة الآسرة، حتى تحت إضاءة لمبة الكاز الفقيرة. قال لي أخي يومئذٍ: هذه من اليابان. قلت لأخي يومئذٍ: أنا أحب اليابان يا أخي.فضحك، وأرسل أصابع كفه الطويلة القوية إلى حلقات شعري الخرنوبي ترعى فيها بكل حنان الأبوّة. هل أطالب رشا بالانتقال إلى نصف السرير الآخر؟ ولكنْ، ربما كانت البنتُ نائمة! ناديتها باسمها همساً. لم تردّ على ندائي. انحنيتُ فوقها قليلاً. سمعتُ أنفاسَها الغافية. بطيئةً تلك الأنفاسُ كانت، ولكنها منتظمة. البنت مرهقة. من المؤكد أنها في سهادٍ مذ سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل في ليلتها الفائتة. تركتُها ترتاح. اللعنةُ على من يوقظُ صبيّةً مرهقةً من نومها!!!اللعنةُ على هذه المدافع التي راح المنزل يرتجّ من وقع انفجارات قذائفها فجأةً.أرجوكم يا حماةَ الديارِ! أوقفوا هذا القصفَ قليلا! لا توقظوا البنتَ من نومها.لا توقظوا هذه البنتَ من نومها.فهذه البنتُ الصغيرة متعبة جداً، إذن، دعوها بسلام تستريح قليلا، ولا تزعجوها. أتوسلُ يا حماةَ الديارِ إليكم. كنتُ قد صرتُ في الفراش أنا أيضاً. وكنت لا أرفع بصري عن جارتي الحلوة.أجارتنا إنّ المزارَ قريبُ. وكنت أقول في نفسي: يا الله كم في هذه البنت من مشقة!! حتى المدافع لا تستطيع انتزاعها من المشاركة في وجبة الرز مع الملائكة. وكنت بذلك فرِحا. وكان المساءُ قد هبطَ على المدينة. كانت عيني على رشا، وكانت أذني على انفجارات المدافع، وتذكرتُ أمّي التي لم أكن بِرّاً بها، فعاودني عواء الذئب يترجّع صداه في جنبات رأسي. موجعاً ذلك العواءُ عاودني. أبي يا أبي!. جَرْوكَ الضائعُ مازال ضائعا.جَرْوكَ القتيلُ مازال قتيلا. فتعالَ يا أبي تعال. أنا لا أستطيع إليك ذهابا، فمن يحرسُ البنتَ النائمةَ في غيابي؟! من غيري يحرسها، وأنا كلبُ الحراسة الوفيُّ أبدا؟ لقد اشتقتُ إليك كثيرا يا أبي. إذن، أرجوك أن تشفقَ عليّ وتجيئني مرةً في العمر، فالعمرُ ينفد يا أبي. ولم يبقَ منه غيرُ القبر. وهذه البنتُ الشقيّة ترفض أن تمدّ لي يدَ العون. الحقَ أقولُ لكَ يا أبي. كنت أظن أن هذه البنتَ تمسكُ ببعض خيوط حياتي.ثمّ صرت أظن بأنّ هذه البنتَ لا تمسك بأيٍ من خيوط حياتي. ولكنني مقتنعٌ اليومَ بأنّ هذه البنتَ، واعذرني على خطئي اللغويَّ القادمَ، هيَ كلُّ حياتيَ الباقية. كثيرُ التقلّب في عواطفه ابنُك يا أبي. متناقضٌ إلى حدود الإشفاق ابنُك يا أبي. متناقضٌ هو ابنك على نحوٍ يبعث على الحيرة الدائمة. وما باليد حيلةٌ يا أبي. هذه جيناتك، فلا تلمني. أنت المسؤولُ وحدَكَ يا أبي، فأنت من أورثني هذا التناقض، مثلما أورثتني تلك الأرضَ التي لا أستطيع أن أموت فيها كما يموت البشر العاديّون في أراضي آبائهم وأجدادهم.اللعنة على هذا الموبايل الغبيّ. لم يرنّ طوالَ النهارِ. لم يرنّ إلا في اللحظة التي كان يتوجبُ عليه فيها أن يلزم الصمتَ. أن يخرس تماماً، فقد صنع ما لم تصنعه القنابل. لقد أيقظ حسنائي النائمةَ من غفوتها. اللعنة على من اخترع الموبايل!!! كان الجهاز بعيداً عني. كان في يمين رشا على سطح الكومدينو. ورشا كانت في يميني على السرير. زحفتُ بجسدي قليلاً باتجاه رشا لألتقط الموبايل، علّني أنقذ الموقف قبل فوات الأوان.ولكنّ الأوان كان قد فات. لقد أفاقتِ البنتُ من نومها. أنا آسف يا رشا! كنت ُ قد صرت لها ملاصقا.لم تعلّق بشيء على أسفي. بل ربما كانت كمن يشكر الموبايل على الرنين. لم تفتح البنت عينيها. التقطت الموابايل بيدٍ كسولة، من دون حتى أن تتحرك في رقدتها ولو قليلا. قلت لها: أعطيني النظارة. بدت كمن يرفض الانصياع لهذا الطلب الغبي.سألتها: مين المتصل؟ وبررتُ طلبي: ما بشوف منيح بلا نظارة. فتحت البنت عينيها بكسل، وألقت نظرةً على الشاشة، وقالت: ما في اسم، بس الرقم موجود. وقرأتْ عليّ الرقم التساعي بعجالة. ولم أعرفه. ولم تعطني النظارة. لم تلتفت إلى يمينها، بل انزاحت إلى يسارها، فتوسدتْ كتفي، وقالت: الحكي ما بدو نظارة. قلت لها: افتحي السبيكر. وأطاعتني. وظلّ رأسها مستريحاً على كتفي. وظلّ جهاز الموبايل راقداً في كفها المنتصبة على صدري.
سألتني: ليش عم تضحك؟ وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف لماذا كنت أضحك. قلت لها: اسمعي يا رشا! في موضوع مهم بدي أحكيه معك.- صمتُّ لحظةً، والبنت أصغت بانتباه – أنا عندي حساب بالبنك. قالت: أكيد عندك حساب بالبنك، ويمكن يكون حساب كبير، أقل منها يعني بعد كل هالمسلسلات اللي كتبتها للتلفزيون؟ قلت: يا ريت ما تقاطعيني! قالت: أمرك! قلت: على كل حال، ما عاد حساب كتير كبير، متل ما بتعرفي، ما عم أشتغل. قبل كام سنة كان حساب كبير. كان من ثمانية أرقام، هلأ ما عاد من ثمانية أرقام . وبغضّ النظر عن حجم المبلغ الموجود، أنا بدي تشاركيني فيه. – شو؟! قالت والدهشة تنضح من وجهها، ولعلّ أفكارها قد ذهبتْ بها إلى البعيد.قلت: بدي تشاركيني بالمبلغ. قالت والدهشة تعقد لسانها: بدك تشتريني؟ معقول إنت؟ ما أنا عم أعرض عليك إنو نام معك بتخت واحد! ولاّ كنت مفتكرني عم أمزح؟ أنا ما عم أمزح. وخلعتْ سترتها، وخلعت الكنزة، وخلعت القميص أيضاً.بعجالة كانت تفعل ذلك. امتدّت يداها إلى ظهرها لتفكّ عقدةَ حمّالة الصدر. صرختُ بها: شو عم تعملي؟! قالت، وكان صوتها يختنق بغصّة الخذلان: بدي أثبتلك إنو ما بدي منك فلوس. وخلعتْ حمّالة الصدر، فطمرتُ رأسي باللحاف. قالت: ليش عم تخبي وشك؟ ليكني قدامك، عم أشلح البنطلون.قلتُ لها من تحت اللحاف: إنتي وحدة حمارة. عرفتي شو إنتي؟ حمارة، حمارة، حمارة. صرختْ بي: حيّرتْ سماي! شو بدك؟. قلت من تحت اللحاف طبعاً: البسي تيابك بالأول، بعدين بقولك شو بدي، البسي فورأً ونزلي الأباجور، وشغلي الشوفاج، وعطيني إشارة، وإلا رح ضل مغطي راسي لتمشي من هالبيت، وما عاد بدي شوربة، امشي فوراً. والله ما عدت فهمت عليك شي.تمتمتْ وهي تعاود ارتداء ثيابها. ثم راحت تنفذ بقية أوامري: الأباجور، الستارة، الشوفاج. عادت واقتربت من السرير. جلست على حرفه من يميني، وقالت بصوتٍ مكسور، وبصيغةٍ تقريرية صارمة، رغم البؤس البيّن في ثنياته: عم أسمعك.رفعتُ الغطاء عن رأسي، واعتدلتُ برقدتي حتى صرت نصف جالس، ورحتُ أتأملها. رأيتها بائسةً تماماً. من المؤكد أنها كانت تتعذب. روحها تزأر بمقاومة الخيبة والألم. لعلّها كانت تخاف مني! لعلّها كانت تخاف عليّ! كان واضحاً لي بالعين المجردة أنها تعاني فرطاً في العواطف المائجة. اصطكّت أسناني بقشعريرةٍ مفاجئة لا أعرف إن كان مصدرها السخونة التي في عظاميَ المريضة، أو إنْ كان الخوف الذي تملّكني من رؤية البنت على تلك الحال المتهدّلة.انطبقتْ رموشُ عينيها إلى بعضٍ أمام نظرتي المتأملة. ما الحكاية؟ سألتُ في سري. أتراها تهرب من لقاء العين بالعين من بعدما فضحها ضعفُها أمامي؟ أو من بعدما لمحتُ نهدين صلبين متوثبين في صدرها الجميل عارياً من قبل أن أدفن رأسي باللحاف؟ مددتُ كفي أطلبُ كفها. أعطتني ما أردت، ولكن من دون حماسة ، ومن دون حتى أن تفتح عينيها. رجعتُ أقبّل ظاهر كفها. لا أظنها قد تأثرت بمبادرتي هذه ُ رغم ما فيها من نيةٍ صادقة بالمصالحة. كان في وجهها لامبالاةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ من كل الذي جرى، أو حتى بخيبةٍ مني ومن نفسها، وفي عينيها كان ثمة بللٌ رقيق. مددت يدي المحررة إلى وجهها أمسح آثار البلل من أطراف عينيها، وهمستُ لها أقول: أنا آسف! لم يتحرك فيها شيءٌ أمام هذا الاعتذار الذي قدّمتُه لها عن ذنبٍ لم أرتكبه. قلت في نفسي: إذن يجب كسرُ الحواجز كلها، وبضربةٍ واحدة. قلت: بالمناسبة، عندك صدر جميل. وأظنها شبه ابتسمت، ولكنها ظلت مطبقةً رموش عينيها، وقالت بصوتٍ واهن: بعرف. الصوت واهنٌ، رغم الفرح الذي لا يخفى في طيّاته على ذئبٍ عتيقٍ مثلي. قلت: أكيد بتعرفي، أنا اللي ما كنت بعرف. وظلّت صامتة. إذن، ضربتي لم تكن موفقة بما يكفي. يبدو أنّ خبرتي بالنساء صارت في تناقص ملموس. ما العمل ؟ قلت: اسمعيني يا رشا! ولم تفتح عينيها. سألتُ: هل تسمعينني؟ أومأتْ لي أن نعم. قلت: أنا لم أدفع النقود يوماً لامرأة مقابل جسدها. بل إنني أكره هذا الأمر. أبغضه. أمقته إنْ شئتِ. هل تعرفين لماذا؟ لأنني أرى فيه استغلالاً للنفوذ. إنْ كانت المرأة في حاجة إلى نقود، فأنتَ أمامَ أحد خيارين: إما أن تساعدها من دون مقابل، أو أن تتركها وشأنها وتمضي في حال سبيلك. لم أسلك يوماً طريقاً ثالثة. فكيف أسلكها اليومَ وأخون واحداً من أكثر مبادىء حياتي رسوخاً؟! وأخونه مع من؟ مع البنت التي لم تنم الليل من شدّة خوفها عليّ بعدما سمعتْ صوتيَ المريضَ على الموبايل. أنتِ يا رشا شخص قريب إليّ. أنتِ شديدةُ القرب إليّ، إلى قلبي، إلى نفسي. لقد اشتهيتُ جسدك مرّة. أعترف. وقد أشتهيه مرّةً ثانيةً وثالثة. لست أدري. ولكنني لن أدفع لك نقوداً مقابل هذا الجسد، أو هذه الشهوة.لن أخون نفسي. لن أمارس استغلال النفوذ فيما تبقى لي من أيامٍ في هذه الحياة. ابتدأتُ حديثي معك عن النقود ومن النقود لأنني كنت أريد أن أصل بك إلى نقطة بعيدةٍ عن جمال نهديك. – وابتسمتُ – على كل حال، ربّ ضارّةٍ نافعة ! فقد رأيت اليومَ منظراً جميلاً قد يساعدني في تجاوز هذه الكآبة وهذا المرض. شكراً لك! وشكراً لسوء التفاهم.يبدو أنه يكون ذا جدوى في بعض الأحيان. وهنا انزاحتِ الرموشُ الطويلة السوداء عن بعضها بكسلٍ مِغناج، وآثارُ البللِ مازالتْ عالقةً في الأهداب. قلت: هل أتابع؟ أومأتْ لي بعينيها الوسيعتين أن نعم.قلت: سوف أبوح لك بسرٍ ليس مهمّاً. أنا، وقد تتفاجئين، لم أتحرش يوماً بامرأة. أبداً. لم أكن البادىء في أية علاقة نسائية. لم أكن المبادر إلى تلك العلاقة.كنت أستجيب أو لا أستجيب. هذا أمرٌ آخر. ولكنني لم أكن صاحب المبادرة مع أيٍ من النساء اللواتي عرفت في هذه الحياة اللعينة. ما أقوله لا يندرج في بند الغرور. أقول حقيقة ما جرى لي مع الجنس اللطيف.هكذا الله خلقني، وليس عندي اعتراضٌ على حكمته..لم أكن واثقاً من أنها تسمعني باهتمام. ربما كان فكرها مشغولاً بأمرٍ آخر. لعلّها كانت تحاكم سلوكها الذي كان قبلَ قليل! أظنها كانت تبذل جهداً مضنياً لتقنع نفسها بصواب التعري الذي مارسته. ربما كانت تجلد ذاتها وهي تجد نفسها فريسةَ نوعٍ من الندم ثقيل الوطأة على أصحاب النفوس الرقيقة. لكنّ البنتَ خيّبتْ ظنوني من جديد. يبدو أنني بدأتُ أفقد الخبرة الكافية ليس في النساء فقط، بل في الحياة وأشيائها المختلفة، فقد اكتشفتُ فجأةً أن البنتَ كانت تستمع إليّ بحواسها جميعاً. وأنها كانت متأثرةً بما أقول. فقد ارتمتْ عليّ من فورها وأجهشتْ بالبكاء وهي تتمتم: أنا اللي آسفة. سامحني ! بترجاك تسامحني! فهمتك غلط. قلتُ لها وأصابع يدي تمشط شعرها الثقيل: ابكي، ابكي. وعلى رأي أم كلثوم: بيريحني بكايَ ساعات. واضح إنك مقهورة. بس شو نعمل؟ الكل مقهور بهالأيام. وأردفتُ ممازحاً، لكن هادا ما بيعني إنك مو حمارة. ضحكتْ، ورفعتْ جسدها عن جسدي، وقالت: شو هي حمارة حمارة؟! ما عندك غير هالكلمة؟! قلتُ: حمارة لأنك ما سمعتيني للأخير.الناس اللي مو حمير ما هيك بيتناقشوا. قالت: تفضل إحكي، وما رح كون حمارة. قلت: رح أحكي، بس مو هلأ، بالأول اغسلي وجهك، وبعدين طعميني. جعت، ثم كلّه على بعضه صحن شوربة، يعني حلّو يستوي، مانو خاروف مكتّف. ابتسمتْ، وقالت: صح ، كلّه على بعضه صحن شوربة، بس رح يكون أطيب صحن شوربة بتدوقها بحياتك. ونهضتْ وانصرفتْ لتحضر لي أطيب شوربة خضارٍ تناولتها في حياتي فعلاً. شوربة خضار ساخنة بلحم الدجاج. تناولنا الطعام سويّةً. جلسنا متربعين على السرير حولَ صينيةٍ كبيرة. قالت لي: بعد الأكل بدي أعمل دوش. سخنت المي بالقازان، بس بدي بيجاما. قلت : البيجامات اللي عندي كلها رجالية. قالت : مو قصة. قلت : شو بتعرفي تطبخي غير الشوربة؟ قالت: عرفت نسوان كتير بحياتك؟ –ولك وبعدين معك يا بنت؟! بسألك من الشرق بتجاوبيني من الغرب!! –إي شو كفرنا؟! –لأ ما كفرتي. انهبلتي.ثم تعالي نغير الموضوع. دراستك شلون؟! – دخيلك على هالدراسة! – ليه من شو بتشكي؟ اللغة العربية بحر، أو حتى محيط. اختصاص متل أي اختصاص تاني. – دخيلك على هالاختصاص! ممنوع إدخال حرف على حرف.شو أهمية إني أعرف هالقاعدة؟! – ما فهمت. شو هو الممنوع ؟ – يعني بدك تعمل حالك غشيم؟! ممنوع في اللغة العربية دخول حرف على حرف. – مين قال هالحكي؟ – الدكتور. – أنو دكتور؟ بقصد شو اختصاصه؟ بس ما يكون دكتور الأسنان اللي جبتيه يعالجني من الأنفلونزا قام كركبك بعتبة الألم!– أنو دكتور الأسنان إنت التاني؟ دكتور بالأدب العربي. أستاذ عنّا بالجامعة. – عم تحكي جد؟ - شو هالسؤال ؟! يعني أنا من وين بدي جيب هيك معلومة؟ – إذن ، دكتورك هادا حمار يا رشا!
- وبعدين معِك ؟
- خير ؟ شو في ؟
- أنا ماني مرتاح هون .
- بتحب أغيرلك الغرفة ؟
- لأ . الغرفة ظريفة كتير .
- لكان شو اللي زاعجك ؟
- إنتِ .
- أنا ؟! شو بدر مني لا سمح الله ؟
- اسمعيني منيح .. إنتِ ما بتعرفيني غير بالاسم ، يعني مانك ملزمة تجاهي بأي شيء. وهي منشأة كبيرة اللي عم تديريها . فندق أربع نجوم . منشأة خدمية . يعني إلها طابع اقتصادي . مانها جمعية خيرية . ممكن أفهم ليش أنا ضيف هون ؟!
- لأنك ضيف .
- يا سلام !
- شو اللي مدايقك بهالشي ؟
- اللي مدايقني إني قادر أدفع . صحيح إني ما عم أشتغل ، بس مع ذلك عندي كام ليرة . هادا طبعاً إذا خايفة علي .
- أكيد خايفة عليك ، بس أنا مو لهالسبب قلتلهن يعاملوك ضيف .
- إذن لأي سبب ؟
- إنت ابن المؤسسة العامة للسينما . وأنا هي المؤسسة إلها عندي مكانة خاصة .
- شو هالحجّة العظيمة هاي ؟ بعدين أنا ماني ابن المؤسسة العامة للسينما . كنت ابنها .
- أنا ما دخلني .
- ما فهمت . كيف يعني ما دخلك ؟ ما إنتِ المدير هون . المدير العام . وقالولي بالمحاسبة إنه هادا أمر منك إنتِ تحديداً .
- إي ما .
- شو هي ما ؟! وحياة الله إنك متل الأطفال . ناقص بعد شوي تحردي . عن جد ، شو يعني ما ؟
- ما بعرف ، ما دخلني ، ماني فاضية. بالإذن ! ناطريني بالمكتب . عندي اجتماع .
وتركتني ، ومضت . التقيتُها في بهو فندق برج الفردوس حيث أقيم منذ ثلاثة أسابيع . نظرتُ إثرَها وهي تذهب إلى المصاعد ، وتطلب أحدها . ولم أعرف ما أقول سوى : رولا الركبي ! يا ليتني كنتُ الإنسانَ الذي يسكنك !
- خير ؟ شو في ؟
- أنا ماني مرتاح هون .
- بتحب أغيرلك الغرفة ؟
- لأ . الغرفة ظريفة كتير .
- لكان شو اللي زاعجك ؟
- إنتِ .
- أنا ؟! شو بدر مني لا سمح الله ؟
- اسمعيني منيح .. إنتِ ما بتعرفيني غير بالاسم ، يعني مانك ملزمة تجاهي بأي شيء. وهي منشأة كبيرة اللي عم تديريها . فندق أربع نجوم . منشأة خدمية . يعني إلها طابع اقتصادي . مانها جمعية خيرية . ممكن أفهم ليش أنا ضيف هون ؟!
- لأنك ضيف .
- يا سلام !
- شو اللي مدايقك بهالشي ؟
- اللي مدايقني إني قادر أدفع . صحيح إني ما عم أشتغل ، بس مع ذلك عندي كام ليرة . هادا طبعاً إذا خايفة علي .
- أكيد خايفة عليك ، بس أنا مو لهالسبب قلتلهن يعاملوك ضيف .
- إذن لأي سبب ؟
- إنت ابن المؤسسة العامة للسينما . وأنا هي المؤسسة إلها عندي مكانة خاصة .
- شو هالحجّة العظيمة هاي ؟ بعدين أنا ماني ابن المؤسسة العامة للسينما . كنت ابنها .
- أنا ما دخلني .
- ما فهمت . كيف يعني ما دخلك ؟ ما إنتِ المدير هون . المدير العام . وقالولي بالمحاسبة إنه هادا أمر منك إنتِ تحديداً .
- إي ما .
- شو هي ما ؟! وحياة الله إنك متل الأطفال . ناقص بعد شوي تحردي . عن جد ، شو يعني ما ؟
- ما بعرف ، ما دخلني ، ماني فاضية. بالإذن ! ناطريني بالمكتب . عندي اجتماع .
وتركتني ، ومضت . التقيتُها في بهو فندق برج الفردوس حيث أقيم منذ ثلاثة أسابيع . نظرتُ إثرَها وهي تذهب إلى المصاعد ، وتطلب أحدها . ولم أعرف ما أقول سوى : رولا الركبي ! يا ليتني كنتُ الإنسانَ الذي يسكنك !
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)