ما الشعر العظيم؟ربما كان هذا آخر الأسئلة الكبيرة التي انشغل بها أبو الوليد بعد أكثر من نصف قرن على اللبنة الأولى التي وضعها في أساس المكتبة العملاقة والتي كنتُ عليها من الشاهدين. حدث هذا في عام 1958.في صيف ذلك العام بالتحديد كان يوسف دون العشرين من عمره بثلاثة شهور. كان يخدم في كتيبة عسكرية تُعرف باسم (كتيبة حرستا).شيء من قبيل قوات النخبة. أو حتى نخبة النخبة، فقد كانت المهام الموكلة لهذه الكتيبة:العمل خلف خطوط العدو. كان يوسف طويل القامة،عريض المنكبين، وكان في الحقيقة صاحب قوة بدنية هائلة. في صيف عام 1958 (وما أقوله ليس تأريخا..مجرد ذكرياتٍ بعيدة.) كان في لبنان حربٌ أهليّة.وكان النظام طرفاً في تلك الحرب، فقد كان رئيس الجمهورية الراحل (كميل شمعون) يتزعم هذا الطرف.أما الطرف المقابل، أو المعارض فقد كان يتزعمه الراحل (كمال جنبلاط) والد السياسي اللبناني المعروف السيد ّ(وليد جنبلاط).أعلنت الولايات المتحدة انحيازها للنظام اللبناني، وأعلنت الجمهورية العربية المتحدة (ولم يكن قد مضى على ولادتها إلا شهورٌ معدودات) انحيازها للمعارضة اللبنانية.أرسلت الولايات المتحدة أسطولها السادس إلى بيروت.ولعلّ هذه الخطوة قد أربكت حسابات جمال عبد الناصر، فالشأن السياسي شيء والعمل العسكري شيء آخر.أمر الرجل بإرسال قوات النخبة من ريف دمشق إلى بيروت أيضا.وربما وجّه أمراً إلى قادة تلك القوات باستجرار المارينز إلى حرب الشوارع.وهكذا وجد يوسف نفسه في شوارع بيروت فجأة.ليس لديّ تفصيلات حول القتال الذي كان يجري ذلك الصيف في بيروت.لديّ ذاكرتي الدمشقية.في أحد نهارات ذلك الصيف، بين العصر والمغرب، كنت عائداً إلى منزلنا في مخيم اليرموك من مباراة طفولية خائبة بكرة القدم في ملعب المخيم. في ذلك اليوم شاهدت أمراً لم أشاهده في حياتي مرتين.لقد رأيت أمي في الطريق بلا غطاء رأس.كانت تبكي وتلطم وجهها وتنوح، بل تولول.أرعبني المنظر، فرحتُ أبكي أنا أيضا من دون أن أعلم السبب الذي جعل أمي في هذه الحال التي لم يخطر يوماً ببالي احتمالُ وقوعها.لم تكن قد رأتني بعد.لكن وما إن وقع بصرها عليّ حتى اندفعت نحوي وضمّتني بقوةِ من هو موشكٌ على فقدان أغلى ما يملك، من دون أن تتوقف عن العويل."يمّا شو في؟" سألتُ بصوت مرتجف من الخوف الذي صرتُ له فريسةً طيّعة. أظنها لم تكن تراني، رغم أنها تضمّني إليها بعنفٍ لا علاقة له بحنان الأمومة بقدْر ما هو نابعٌ من غريزة البقاء.ولكنها مع ذلك ردّت على سؤالي. كان صوتها مرتجفا يختنق بالدموع:"يوسف مات يا حسن..أخوك مات يمّا..أبونا مات يا حبيبي..كمان مرّة صرنا أيتام خيّا..شو أعمل أنا يا ربي ؟!.أنا شو أعمل ؟! يا جماعة الخير حدا يقوللي أنا شو أعمل.." وتوقفتْ فجأةً عن عناقي.تركتني مشلولاً من هول فكرة أن يكون أبي الثاني قد مات أيضاً، وأن أكون قد أصابني اليُتمُ مرتين في عدد قليل من السنين.رفعتْ أمي يديها إلى السماء ،وراحت تحتجّ على أفعال خالقها:"إحنا شو ساوينالك يا الله؟!.شو الذنب اللي عملناه تحت عرشك تتنزل علينا كل هالمصايب؟!." وحدّي الله يا أم يوسف.إنتي مرا مؤمنة يا أم يوسف.وحدّي الله وامسحي وجهك بالرحمن.كان الجيران يواسونها.ينصحونها بألا تكفر بالله الذي ما من أمر يصنعه إلا وله فيه حكمة.ولكنّ المرأة الثكلى لم تكن ترى أية حكمةٍ في موت ابنها البكر الذي لم يبلغ العشرين من عمره، والذي تعقد عليه الآمال كلها في انتشال أسرتها الصغيرة الفقيرة من براثن حياةٍ لا مكان فيها للرحمة الآدمية.من الذي حمل إليها نبأ مقتل يوسف في أحد شوارع بيروت؟لا أعرف.راحت المرأة فجأةً تركض. لقد كانت ملتاثةً تماما.رحتُ أركض خلفها أحاول أن أعيدها إلى المنزل.تعلّقتُ بذيل ثوبها واكتشفتُ أنني أكثرُ ضعفاً من عمل أيّ شيء لانتشال أمي من لجّة الأسى الذي غرقنا فيه كلانا على حين غرّة." لوين رايحة ؟ بس قوليلي لوين رايحة.. منشان الله يمّا ترجعي عَ البيت!" كنتُ أستجديها من خلال الرعب الذي أحكم عليّ قبضته. لقد احتلني بالكامل.كنت أستجديها العودة.أستحلفها بالله. برحمة أبي في قبره. بلا فائدة. رجعتْ لا تسمعني.لا تراني. كانت تركض باتجاه حيّ الميدان.أقرب أحياء دمشق إلى المخيم.أعرف هذا الطريق على نحوٍ جيد.هناك مدرستي. لم يكن في المخيم مدارسُ تلكَ الأيام." يمّا شو في بالميدان؟.خلينا نرجع عَ البيت..أبوس رجلك يمّا." لم أكن قادراً على عمل شيء غير انتظار معجزة من السماء.ولم أكن أعلم أنّ المعجزة تنتظرني على الطريق إلى حيّ الميدان.لقد ظهر خالي فجأةً أمامنا.كان رجلاً قويّ البنية. كان عائداً مشياً من المدينة.لم يكن من مواصلات تربط دمشق بمخيم اليرموك.استطاع الرجل الشاب القوي، ببعض الصعوبة، أن يسيطر على أخته التي توشك أن تفقد عقلها.كانت تقول له:"سمعت خيّا؟.سمعت شو صار فينا؟" قال لها:"سمعت، سمعت.وببشرك إنو الخبر اللي وصلك مش صحيح.يوسف بعدو طيب.موجود بالمستشفى، بس بعدو طيب.وانشالله بيرجعلك بالسلامة عن قريب." كانت معلومات خالي أكثر صحةً من معلومات الشخص الذي حمل النبأ القاتل إلى أمي. كان يوسف يرقد في أحد مستشفيات بيروت.وكان الأطباء اللبنانيون قد أجروا له أكثر من عمل جراحي بعد أن أصيب بثلاثة أعيرةٍ نارية في إحدى المعارك الدائرة رحاها في شوارع تلك المدينة.وأمي لم تصدّق أخاها،رغم أنه أقسم لها بالله على صحة أقواله.ونذرتْ أمي أن تشعلَ شمعةً في مقام "ستنا زينب " لو كان ما يقوله أخوها صحيحا. ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي سمعت فيها عن " ستنا زينب ".أعرف زينب بنت الجيران التي تكبرني بخمس سنوات.كانت صبيةً جميلة مكتملة الأنوثة. وكنت أنا في ملامح الطفولة بعد. سألتُ أمي لاحقا عمن تكون " ستنا زينب " التي ستشعل شمعةً في مقامها. قالت لي:" ستنا زينب بنت سيدنا محمد. " وعندما كبرتُ قليلاً وعرفت قصة " ستنا زينب " حاولت أن أصحح لأمي معلومتها هذه.قلت لها:" ستنا زينب حفيدة سيدنا محمد، مش بنته." قالت لي:"اخرس إنت..شو فهمك؟" وخرست طبعاً، ثم لم أعد إلى مناقشتها في الأمر.
اخيرا نزلت شي من رواية عتبة الم انتظر باقي الروايه اتمنى لو اقدر استري الكتاب كامل بس المشكله مانزل الا بلبنان وانا بالسعوديه انتظرها بفارغ الصبر ❤️
ردحذف