مرة كنت شب .. كنت لسه طالب في المعهد العالي للسينما في موسكو ..هاي الحكاية الزغيرة حصلت بالسنة الدراسية الثانية .. بهديك السنة كان مقررعلينا مادة اسمها ( نظريات الدرامة ) .. بوحدة من المحاضرات ، وفي لحظة غفلة من أستاذ المادة ، حصل شوية شوشرة في القاعة بين الطلاب .. كان عددنا أربعتاش : سبعة شباب وسبع صبايا .. أنا ما فهمت شو اللي صار لأني كنت صافن بذوبان حبال الجليد تحت شمس الربيع من على أسطح البنايات اللي ممكن أشوفها وأنا جالس على مقعدي جنب نافذة كبيرة في القاعة . بس مع هالشي كنت قادر أخمّن مين اللي ابتدا الشوشرة ، وشو طبيعتها : بحكم معرفتي بزملائي .. ريتا هيّ المشاغبة الكبيرة .. وريتا يهودية .. كانت اليهودية الوحيدة بين البنات .. لمّا ساد الصمت فجأة على القاعة أنا انتبهت .. الصمت قوته كثير كبيرة ، وكثير مؤثرة .. ضجيجه كثير عالي.. شفت الأستاذ عم ينظر للجميع بلقطة عامة، بدو يعرف مين المشاغب اللي عمل الشوشرة .. ويبدو إنو اللقطة العامة ما ساعدته بمعرفة المجرم، فاضطر – معذوراً ومكرهاً – على إنه يعمل لقطة بانورامية ابتدأها مني أنا ، لكن يبدو اللقطة البانورامية ما ساعدته ، فاضطر يعيدها وإنما بشكل معاكس : انتهت عندي انا . هون كان لازم يعمل : قطع . هيك علمونا . ما عم أجيب شي من عندي. لكن البرفسوربدل ما يقطع اللقطة ثبّت الكادر : عليّ أنا .. قلت لحالي : خير انشالله ! ليش أنا بالذات ؟ إي أنا الوحيد اللي كنت برات الموضوع ! قال : حسن ! – نعم حضرة البرفسور ؟ قال : ما هي أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ؟.. شو هالسؤال الغريب ؟!.. قلت : عفواً ؟! قال : ما أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ؟. قلت : هل تسأ لون حضرة البرفسور عن المرأة في الدرامة ؟ - لا ، بل أسأل عن أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة.. بقيت لا أفهم .. نظرت إلى زملائي مستجدياً مساعدةً ما .. الكل التزم الهدوء والسكينة .. يا شباب حدا يغششني ، حدا يردلي الدين اللي عليه ، قلّة ما غششتكو يا ولاد الحرام ؟ وإنتو يا صبايا ، البرفسور عم يسأل عن المرأة ، وإنتو نسوان ، ساعدوني ولا تتظاهروا بالبراءة ، بعرفكو وحدة وحدة، وبعرف عمايلكو ، وبعرف قديش بتتباهو بهالعمايل ، ارمولكو شي كلمة ، وخاصة إنتي يا كلبة يا ريتا ، كلو بسببك ، الله لا يوفقك ، أنا من وين بدي أعرف أجاوب عن هيك سؤال ؟! تطلعت باتجاه البرفسور لقيته ناطر الجواب.رجعت أختلس النظر للملائكة من حولي وأنا واقف بمطرحي حيران بحالي. البرفسور نهض من كرسيه المريح.. نزل عن المنصة ، ووقف وسط القاعة وكتّف إيديه إلى صدره، من دون ما يرفع بصره عني.. قلت لحالي : أكلتها يا ولد !. رجعت أختلس النظر إلى الملائكة من حواليا ، لقيتهن مصابين بداء الخرس .. شو يعني ؟ مبسوطين إنكو قدمتوني ضحية ؟! يلعن أبوكي يا ريتا ! والله لأفسد عليكي.. فاجأني البرفسور بالمنعطف الدرامي الخطير : هذا هو سؤالي إليك يوم الامتحان، ولكنني أريد الجواب عنه في هذه اللحظة، وعلى جوابك يتوقف نجاحُك من عدمه في مادة نظريات الدرامة .. لا يا شيخ !! إي مو أنا اللي عملت هالعملة السودا ، شبك طاحش عليّ متل الكاوبوي الأمريكاني ؟. وقال : ما هو جوابك عن سؤالي ؟ قلت : أنا يا حضرة البرفسور لا أعرف أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ، كما لا أعرف أوجه الاختلاف أيضاً ، وأكثر من هذا حضرة البرفسور، أنا لا أعرف ما هي الدرامة، كما إنني لا أعرف ما هي المرأة.. قال ساخرا : يا سلام ! أقنعتني جداً. أنت راسب في مادتي . قلت : شكراً حضرة البرفسور!. وقلت في نفسي لنفسي : بيعيني الله وبحمل المادة . وكنت سعيد بأني ما بحت باسم المجرمة ريتا اللي بتربطني فيها علاقة طيبة.. بالاستراحة ، وأنا عم أدخن سيجارة في منطقة التدخين، شرّفت الآنسة ريتا لعندي . هيّ ما بتدخن . بالعكس ، مناهضة للتدخين ، مع ذلك كانت توقف معي أحياناً بهي المنطقة الكريهة ، كما كانت تسميها. أظنها كانت تستلطفني ، ويمكن كانت تحبني ، ماني متأكد تماماً من هي النقطة الأخيرة . أجت لعندي هالمرة عم تضحك . قلتلها : ليش عم تضحكي ؟! مبسوطة لأني رسبت في المادة ؟ قالت : أنا غير سعيدة أبداً بالذي جرى ، وأعتقد أن البرفسور سوف يتراجع عن قراره. قلت : إذن، ليش عم تضحكي ؟ قالت : أضحك من جوابك حول جهلك بالنساء، لديك في الصف سبع صبايا، وتدّعي عدم معرفتك بالمرأة ! قلت : إنتو مش صبايا، وتحديداً حضرتك يا ريتا . قالت : لماذا أنا تحديداً ؟ لأنني مشاغبة أم لأنني يهودية ؟ قلت : لأنك يهودية .العمى بعيونكن لاحقيني لهون ؟ فلسطين وأخدتوها ، وفوق منها حولتوني للاجىء ، وعيشتوني بالإسطبلات مطرح البغال، ولسه عم تركضوا وراي مستكثرين عليّ نظريات الدرامة ؟ إي شو هيّ نظريات الدرامة حقل بترول ؟ استحوا على دمكو وحلّو عني . ما صار الوقت تنزلو عن ظهري ؟ قالت ، وكانت ماتزال تضحك : لأ.. قلت : شو يعني لأ ؟ أو لإيمت ؟ قالت : إلى نهاية النهايات ، فنحنُ قدرُكم .. قلت : إي ونحن كمان قدركم ، لا تظنوا إنو الفلسطينيين سهلين ، نحن شعب راسو صخر، والأيام بيناتنا ، وإذا ظلينا عايشين منذكر بعض يا ريتا.. قالت : الأيامُ بينَنا ... هذا الحوار كان زمان .. كنت في مطالع العشرينات من عمري، وكنت مؤمن بكل كلمة حكيتها ، رغم إنو كلامي ما كان موجه لريتا تحديداً ، لأنو فعلاً العلاقة بيني وبينها كانت طيبة على وجه العموم : شوية مودّة على شوية صداقة ، على زمالة ، على شوية حب .. ومثل هي الأحاديث ياما جرت بيناتنا من دون ما تتأثر علاقتنا بأي سوء .. ومرّت الأيام ، وكبرت ، وبعدني عايش .. الحقيقة ما بعرف إذا ريتا بعدها كمان عايشة .. الاتصالات بيناتنا نحن الأربعتاشر طالب من زمان انقطعت ، رغم إننا تعاهدنا في السهرة الصاخبة اللي عملناها بنفس اليوم اللي حصلنا فيه على شهادة تثبت أننا نحمل درجة الماجستير، على التواصل مدى الحياة .. بفكر هالأيام :السودا على سوريا والعرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً ، بعد كارثة مخيم اليرموك ، كالآتي : لو كانت ريتا لسه عايشة ، ولو التقينا أنا وياها ، فيا ترى بشو بدي أذكّرها كما وعدت في أيام الشباب ؟. بفكر وبفكر .. الحقيقة ما عندي غير الخيبة .. شو اللي أنجزناه نحن الفلسطينيين خلال عدة عقود ؟ شو أثبتنا لأنفسنا وللعالم ؟ أصل إلى نتيجة واحدة : قدرتنا العجيبة على تحمل المصائب ،.ولكن المشكلة في هالكلام إنه هيْ القدرة العجيبة على تحمل المصائب هيّ بحد ذاتها مصيبة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق