لففت بالحرام واللحاف جسدي الموهن وخلدت إلى السكينة. ولكنّ أفكاري تظل ناشطة مثل دوّامة.إنها لا تعرف السكينة. لا تريد السكينة. لا تحب السكينة. أيّ مسكينٍ أنا؟! وأشفقتُ على نفسي.أو: في الحقيقة أنني افتعلتُ ذلك الإشفاق. إنها آليّة الدفاع الذاتيّ البائسة.الندم.العيب.الشرور.استغلال النفوذ.سوف أعتكف في المنزل.أقرر من جديد،رغم معرفتي المسبقة باستحالة تنفيذ قرارٍ كهذا، فثمّة أسبابٌ كثيرة تفرض علينا الخروج إلى الطريق.عندما عالجني الطبيب الدمشقيّ من ذبحة القلب في القاهرة، قال لي: من المهم جداً السيطرةُ على ضغط الدم،فهو عندك مرتفع كثيراً، يجب مراقبته باستمرار.كلّ يومٍ إن أمكن.وأنا أعمل بنصيحة الطبيب، ولكن ليس دائماً.أقيم في منزل صديقي وحيداً، فزوجته الأجنبية،وهي صديقتي أيضاً، تعاني مرضاً عضالاً بات الاستشفاء منه في دمشقَ مستحيلاً،أو شبه مستحيل، مما اضطر الزوجين على السفر إلى بلد المرأة الأصلي طلباً للعلاج.إذن، ما من أحدٍ في المنزل يساعدني في قياس ضغط الدم.وهكذا أصير مضطراً على الخروج من المنزل كلّ يومٍ تقريباً.أذهب إلى صيدلية بذاتها،يعمل فيها، وربما كان يملكها،شابٌ كرديٌ لطيفُ الملقى.أمكث عنده نحواً من خمس دقائق،يقيس ضغط الدم في شراييني، ويعطيني في بعض الأحيان بعض المعلومات أو النصائح عن كيفية التعامل مع ضغط الدم المرتفع.أخرج بعدئذٍ إلى الطريق لأتمشى ولو نصف ساعة.وهذه من أوامر الطبيب.قبل عشرة أيام، وعند المساء، فعلتُ الشيءَ نفسَه.كنت في شارع ابن العميد الموازي لشارع صلاح الدين.رحت أمشي بعد الصيدلية على الرصيف باتجاه الغرب، ومن خلفي في الشرق غير البعيد كان ثمة أصواتُ انفجاراتٍ قويّة خمّنتُ أنها في حيِّ القابون،وعرفت لاحقاً أنها كانت قصفاً جوّيا على مدينة دوما.وفي الحقيقة أنني لم أكن أفكر بالقصف الذي بات من مفردات حياتنا اليومية،وعلى الأرجح أنني لم أكن أفكر بأي شيء،ومع ذلك فقد كنت ذاهلاً،شأني شأنُ جميع من هم في الشارع،والمدينة،والبلد.وبسببٍ من ذهولي لم أعرف أبداً كيف ظهرتْ هذه المرأةُ أمامي.ظهرت أمامي مباشرةً.لم تكن تبعد عني أكثر من نصف خطوة،حتى إني لوهلةٍ شعرتُ بالخوف من عمليةٍ مدبرّةٍ للاعتداء عليّ، فتراجعتُ إلى الخلف قليلاً وأنا أتلفتّ من حواليّ.لكنّ المرأة لم تتحرك من مطرحها،ولم تتلفت في أي اتجاه.ظلّت تنظر إليّ، وبإصرار.إنها في أواخر العشرينات من العمر، وأظنها تستحق أكثر من الميدالية البرونزية لولا بعضُ الشحوب في لون بشرتها،والذي من المؤكد أنه من نتائج سوء التغذية.رحنا ننظر إلى بعضنا نحواً من نصف دقيقة.قالت لي أخيراً:"لا تقول إنك ما بتقدر تساعدني." قلت وقد بدأت أطمئن لها، ولوقليلاً:"شو بدك؟" ردّت على سؤالي بكلمةٍ واحدة:"منظفات." "شو؟!""مانك سمعان بالمنظفات؟ صابون، دوا غسيل، شامبو، فلاش، ديتول..المطرح اللي انتقلنالو مانو نضيف والولد والبنت صرلهن جمعتين ما تحمموا.لا تقول إنك ما بتقدر تساعدني." قدّرت وأنا أتأملها أنها حديثةُ النزوح من أحد الأحياء المنكوبة وأنها حصلت على مأوىً ما قريباً من هنا،ومن لهجتها قدّرت أنها شاميّة،أي أنّ للنظافة عندها الأولوية التي تسبق جميع الأولويات،فقد حدث في حياتي أن كنت متزوجاً بامرأة شامية.اقتربتُ منها خطوة وأنا أمدّ يدي إلى جيبي، فما كان منها إلا أن أجفلتْ وتراجعتْ إلى وراء أكثر من المسافة التي كنتُ قد تقدمتها.لم أفهم شيئاً.كانت تنظر إليّ مثل لبوةٍ جريحة.قلت لها:"شبك؟" قالت:"أنا ماطلبت مصاري.أنا بدّي منظفات." "إنتي بدّك منظفات والمنظفات بدها مصاري." قلت بنزقٍ،وأضفت من فوري:"إنتي هبلة شي؟" "أنا بدّي منظفات." عادت تقول وكأنها لا تعرف من اللغة غير هذه الكلمات القليلة.وجدتُني أتمتم:لا حول ولا قوة إلا بالله.وقلت في نفسي: من وين إجتني هالمصيبة؟ قالت وكأنها تقرأ أفكاري:"أنا ما بدي مصاري.بدي منظفات.هي الدّكان جنبنا.فوت إنت اشتريهن." كنا نقف قريبا ًمن دكانٍ على شكل (ميني ماركت) عصريّ.نقّلت بصري بين الدّكان وبين المرأة،وكدت أنفخ من الهم.ّقلت لها:"أنا ما بعرف أشتري.أو جايز أشتري شغلات ما تعجبك." "اشتري متل الشغلات اللي بتشتريها لبيتك.ومتأكدة إنو رح تعجبني." ووجدت نفسي أعلن الاستسلام أمام عنادها مرغماً.دخلت إلى الدكان.البضائع متوافرة بكثرة.عجلة الاستيراد لم تتعطل.البضائع التي كانت متواجدةً في الأسواق قبل الكارثة،مازالت موجودةً إلى اليوم.التغيير الوحيد الذي طرأ عليها هو: فوضى الأسعار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق