الثلاثاء، 29 أبريل 2014

اليومَ فاتني الصباح .. 
اليومَ شعرتُ بالذنب لأنّ بكورَ نهارٍ جديدٍ مرقت ، من دون أن أنتبه .
اليومَ كنتُ نائماً حين اطلّتِ الشمسُ بقرنها من مشرق الدنيا .
كيف وقع هذا الجُرْمُ الشنيع ؟
معذرة !
لم أنتبه .

الاثنين، 28 أبريل 2014

استوقفتني صبيةٌّ على الرصيف . قالت : مرحبا أستاذ ! قلت : أهلين ! قالت : أنا بعرفك . قلت : بتطيبي انشالله ! لا تخافي ! مانو هالمرض الخطير .. ضحكتِ البنتُ ، وقالت : عم أحكي جد ، أنا بعرفك . قلت : إي وين النهفة بالموضوع ؟ قالت : مو حضرتك كاتب ؟ قلت : كنت كاتب . أنا هلأ ولا حدا . – مو حضرتك اللي كتبت مسلسل الغفران ؟ – بتذكر إني كتبت هيك قصة بحياتي . – شايف هدول الصبايا التلاتة ؟ كتير بيحبوه لمسلسل الغفران . – كمان بيطيبوا ، لا تقلقي عليهن . بس إنتي وحدة هبلة ، ورح تخسري الشرط ، على شو متراهنين ؟ ضحكت البنت وقالت : على مناقيش بزعتر . قلت : خسارة محتملة . بيعينك الله . قالت : إي ما حبيتو مسلسل الغفران !!. قلت : لأنك بتفهمي . قالت : كيف بقى؟! قلت : أنا كمان ما حبيتو. قالت : إي ومسلسل زمن العار ما حبيتو . قلت : زمن العار مسلسل تافه . قالت : يعني ما رح أقدر أستفزك ؟ قلت : الأفضل تريحي حالك من هالعذاب وتتجوزيني . ولم أسمع ردّها على طلبي ، ففي تلك اللحظة مرقت من فوقنا طائرةٌ حربية . كانت الطائرةُ ذاهبةً إلى شرق المدينة ، وكانت على عجلةٍ من أمرها . مددتُ طرفي أرقب السماء . لا أثر للطائرة . هناك الضجيج فقط . وعندما رجعتُ بالبصر إلى الأرض رأيت البنتَ تتأملني بإصرار .. قالت : يمكن هلأ بس لعرفت ليش ما حبيت مسلسل زمن العار . قلت : شو هو اللي هلأ عرفتيه ؟ قالت : أظن يا أستاذ إنك كتبت عن غير زمن . شكراً على هالحديث ! خاطرك !. واستدارت منصرفة .. قلت : وين رايحة ؟ عرضت عليكي تتجوزيني وما رديتي . قالت : شكراً أستاذ على هالعرض الكريم ، بس أنا بدي أتجوز شب من جيلي منشان ضوج أنا وياه ، ونعيش الزمن تبعنا نحن .. ولوّحت لي بكفها ، وانصرفتْ إلى صديقاتها .. هنّ أيضاً لوّحنَ لي ، وأنا لهنّ ابتسمتُ .. انصرفنَ . وبقيت أنظر إثرَهنَّ دقيقةً أو نحو دقيقة .. ووجدتني أتمتم : بالتوفيق يا صبايا !
عناصر المشهد : كاتب كهل .. أربع صبايا .. قلب دمشق .. صباح نهارٍ ربيعي .. ضجيج طائرةٍ حربية .. هذا الزمن ..

الخميس، 24 أبريل 2014

مرة كنت شب .. كنت لسه طالب في المعهد العالي للسينما في موسكو ..هاي الحكاية الزغيرة حصلت بالسنة الدراسية الثانية .. بهديك السنة كان مقررعلينا مادة اسمها ( نظريات الدرامة ) .. بوحدة من المحاضرات ، وفي لحظة غفلة من أستاذ المادة ، حصل شوية شوشرة في القاعة بين الطلاب .. كان عددنا أربعتاش : سبعة شباب وسبع صبايا .. أنا ما فهمت شو اللي صار لأني كنت صافن بذوبان حبال الجليد تحت شمس الربيع من على أسطح البنايات اللي ممكن أشوفها وأنا جالس على مقعدي جنب نافذة كبيرة في القاعة . بس مع هالشي كنت قادر أخمّن مين اللي ابتدا الشوشرة ، وشو طبيعتها : بحكم معرفتي بزملائي .. ريتا هيّ المشاغبة الكبيرة .. وريتا يهودية .. كانت اليهودية الوحيدة بين البنات .. لمّا ساد الصمت فجأة على القاعة أنا انتبهت .. الصمت قوته كثير كبيرة ، وكثير مؤثرة .. ضجيجه كثير عالي.. شفت الأستاذ عم ينظر للجميع بلقطة عامة، بدو يعرف مين المشاغب اللي عمل الشوشرة .. ويبدو إنو اللقطة العامة ما ساعدته بمعرفة المجرم، فاضطر – معذوراً ومكرهاً – على إنه يعمل لقطة بانورامية ابتدأها مني أنا ، لكن يبدو اللقطة البانورامية ما ساعدته ، فاضطر يعيدها وإنما بشكل معاكس : انتهت عندي انا . هون كان لازم يعمل : قطع . هيك علمونا . ما عم أجيب شي من عندي. لكن البرفسوربدل ما يقطع اللقطة ثبّت الكادر : عليّ أنا .. قلت لحالي : خير انشالله ! ليش أنا بالذات ؟ إي أنا الوحيد اللي كنت برات الموضوع ! قال : حسن ! – نعم حضرة البرفسور ؟ قال : ما هي أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ؟.. شو هالسؤال الغريب ؟!.. قلت : عفواً ؟! قال : ما أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ؟. قلت : هل تسأ لون حضرة البرفسور عن المرأة في الدرامة ؟ - لا ، بل أسأل عن أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة.. بقيت لا أفهم .. نظرت إلى زملائي مستجدياً مساعدةً ما .. الكل التزم الهدوء والسكينة .. يا شباب حدا يغششني ، حدا يردلي الدين اللي عليه ، قلّة ما غششتكو يا ولاد الحرام ؟ وإنتو يا صبايا ، البرفسور عم يسأل عن المرأة ، وإنتو نسوان ، ساعدوني ولا تتظاهروا بالبراءة ، بعرفكو وحدة وحدة، وبعرف عمايلكو ، وبعرف قديش بتتباهو بهالعمايل ، ارمولكو شي كلمة ، وخاصة إنتي يا كلبة يا ريتا ، كلو بسببك ، الله لا يوفقك ، أنا من وين بدي أعرف أجاوب عن هيك سؤال ؟! تطلعت باتجاه البرفسور لقيته ناطر الجواب.رجعت أختلس النظر للملائكة من حولي وأنا واقف بمطرحي حيران بحالي. البرفسور نهض من كرسيه المريح.. نزل عن المنصة ، ووقف وسط القاعة وكتّف إيديه إلى صدره، من دون ما يرفع بصره عني.. قلت لحالي : أكلتها يا ولد !. رجعت أختلس النظر إلى الملائكة من حواليا ، لقيتهن مصابين بداء الخرس .. شو يعني ؟ مبسوطين إنكو قدمتوني ضحية ؟! يلعن أبوكي يا ريتا ! والله لأفسد عليكي.. فاجأني البرفسور بالمنعطف الدرامي الخطير : هذا هو سؤالي إليك يوم الامتحان، ولكنني أريد الجواب عنه في هذه اللحظة، وعلى جوابك يتوقف نجاحُك من عدمه في مادة نظريات الدرامة .. لا يا شيخ !! إي مو أنا اللي عملت هالعملة السودا ، شبك طاحش عليّ متل الكاوبوي الأمريكاني ؟. وقال : ما هو جوابك عن سؤالي ؟ قلت : أنا يا حضرة البرفسور لا أعرف أوجه التشابه بين الدرامة وبين المرأة ، كما لا أعرف أوجه الاختلاف أيضاً ، وأكثر من هذا حضرة البرفسور، أنا لا أعرف ما هي الدرامة، كما إنني لا أعرف ما هي المرأة.. قال ساخرا : يا سلام ! أقنعتني جداً. أنت راسب في مادتي . قلت : شكراً حضرة البرفسور!. وقلت في نفسي لنفسي : بيعيني الله وبحمل المادة . وكنت سعيد بأني ما بحت باسم المجرمة ريتا اللي بتربطني فيها علاقة طيبة.. بالاستراحة ، وأنا عم أدخن سيجارة في منطقة التدخين، شرّفت الآنسة ريتا لعندي . هيّ ما بتدخن . بالعكس ، مناهضة للتدخين ، مع ذلك كانت توقف معي أحياناً بهي المنطقة الكريهة ، كما كانت تسميها. أظنها كانت تستلطفني ، ويمكن كانت تحبني ، ماني متأكد تماماً من هي النقطة الأخيرة . أجت لعندي هالمرة عم تضحك . قلتلها : ليش عم تضحكي ؟! مبسوطة لأني رسبت في المادة ؟ قالت : أنا غير سعيدة أبداً بالذي جرى ، وأعتقد أن البرفسور سوف يتراجع عن قراره. قلت : إذن، ليش عم تضحكي ؟ قالت : أضحك من جوابك حول جهلك بالنساء، لديك في الصف سبع صبايا، وتدّعي عدم معرفتك بالمرأة ! قلت : إنتو مش صبايا، وتحديداً حضرتك يا ريتا . قالت : لماذا أنا تحديداً ؟ لأنني مشاغبة أم لأنني يهودية ؟ قلت : لأنك يهودية .العمى بعيونكن لاحقيني لهون ؟ فلسطين وأخدتوها ، وفوق منها حولتوني للاجىء ، وعيشتوني بالإسطبلات مطرح البغال، ولسه عم تركضوا وراي مستكثرين عليّ نظريات الدرامة ؟ إي شو هيّ نظريات الدرامة حقل بترول ؟ استحوا على دمكو وحلّو عني . ما صار الوقت تنزلو عن ظهري ؟ قالت ، وكانت ماتزال تضحك : لأ.. قلت : شو يعني لأ ؟ أو لإيمت ؟ قالت : إلى نهاية النهايات ، فنحنُ قدرُكم .. قلت : إي ونحن كمان قدركم ، لا تظنوا إنو الفلسطينيين سهلين ، نحن شعب راسو صخر، والأيام بيناتنا ، وإذا ظلينا عايشين منذكر بعض يا ريتا.. قالت : الأيامُ بينَنا ... هذا الحوار كان زمان .. كنت في مطالع العشرينات من عمري، وكنت مؤمن بكل كلمة حكيتها ، رغم إنو كلامي ما كان موجه لريتا تحديداً ، لأنو فعلاً العلاقة بيني وبينها كانت طيبة على وجه العموم : شوية مودّة على شوية صداقة ، على زمالة ، على شوية حب .. ومثل هي الأحاديث ياما جرت بيناتنا من دون ما تتأثر علاقتنا بأي سوء .. ومرّت الأيام ، وكبرت ، وبعدني عايش .. الحقيقة ما بعرف إذا ريتا بعدها كمان عايشة .. الاتصالات بيناتنا نحن الأربعتاشر طالب من زمان انقطعت ، رغم إننا تعاهدنا في السهرة الصاخبة اللي عملناها بنفس اليوم اللي حصلنا فيه على شهادة تثبت أننا نحمل درجة الماجستير، على التواصل مدى الحياة .. بفكر هالأيام :السودا على سوريا والعرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً ، بعد كارثة مخيم اليرموك ، كالآتي : لو كانت ريتا لسه عايشة ، ولو التقينا أنا وياها ، فيا ترى بشو بدي أذكّرها كما وعدت في أيام الشباب ؟. بفكر وبفكر .. الحقيقة ما عندي غير الخيبة .. شو اللي أنجزناه نحن الفلسطينيين خلال عدة عقود ؟ شو أثبتنا لأنفسنا وللعالم ؟ أصل إلى نتيجة واحدة : قدرتنا العجيبة على تحمل المصائب ،.ولكن المشكلة في هالكلام إنه هيْ القدرة العجيبة على تحمل المصائب هيّ بحد ذاتها مصيبة .

الاثنين، 21 أبريل 2014

صار عمري تسعة وستين سنة . مساحة من الزمن ممكن اعتبارها كبيرة إلى حد مش قليل . باستطاعتي أدّعي إني عرفت الحياة ، وبخاصة إني جربت فيها أصناف كثيرة جداً من الجوع والشبع والفقر والغنى والزواج والطلاق والرحيل والبقاء والخوف والطمئنينة والمرض والصحة والأرق والسُبات والخيانة والوفاء والفشل والنجاح والسُكُر والصَحْو والإيمان والإلحاد والكراهية والحب والكسل والنشاط والحق والواجب.. مليون قصة وقصة .. من كُثُر ما ركبت طيّارات صرت أكره كلمة مطار، ومن كُثُر ما سمعت بالوطنية صرت أكره كلمة وطن . يا الله هالكلمة عندي شو صارت مبتذلة ! ومن كُثُر ما سمعت بالتعايش المشترك صرت أكره الناس ، إي شو هو الآخر مرض وبدي أتعايش معه ؟! يعني صعب نقول العيش بدل التعايش ؟! البشر بتعيش مش بتتعايش .. هيك علمتني الحياة . وجايز أكون فهمت الدرس غلط ، مع إني ما كنت طالب غبيّ ، أو مين عارف ؟ يمكن كنت غبي وأنا مش دريان . على كل حال ، خرجت من هالتجربة الطويلة الحلوة ، رغم مرارتها ، بشوية ملاحظات . وحدة من هالملاحظات هيّ الآتية : الناس نوعين : نوع أخذ من الحياة أكثر مما بيستاهل ، ونوع أخذ من الحياة أقل مما بيستاهل .. الظلم واضح .. ليش هيك صار ؟. المصيبة إنو الكل عندو جواب عن هالسؤال : نصيب .. والمصيبة كمان إنو الكل مقتنع بسلامة الجواب ، الكل مقتنع بعقلاتو .. وهاي الملاحظة الثانية اللي خرجت فيها من هالتجربة الحلوة ، رغم مرارتها .

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

اليوم ما بعرف شو صايبني .. كل الزمن اللي مرق عليّ بهالحياة عم أشعر كأنو مبارح . 15 نيسان 1951 كان مبارح .. العمرَ المديدَ يا إبراهيم ، مع الصحة طبعاً ! اليوم حاكاني صديق صرلي مدة ما سمعت صوته .. سألني عن الحال . قلتله : لسه عايش . وللحق قلتها بالانكليزية ، وما بعرف السبب .. وسألته عن أخباره وأخبار زوجته هبة وبنته الحلوة أمل .. قلتله : انشالله ما عم تتعبك بمراهقتها ؟. صديقي بعد هذا السؤال صمت لحظة. أنا ما فهمت ليش . سألته : وين رحت ؟ رد عليّ : ما رحت ولا جيت ، أنا معك . قلت : أصبح ليش سكتت؟ سألتك عن أمل. قال : حسن ، إنت شو عم تتعاطى هالأيام ؟ - كيف يعني شو عم أتعاطى ؟ - يعني شو الصنف ؟ ما يكون مضروب ! - ولك يا سعيد عيب عليك ! أنا بحياتي كلها دخنت سيجارة حشيش وحدة ، لا والله سيجارتين ، ليش الكذب ؟ إنما سيجارتين بسهرة وحدة ، وهالحكي أيام الشباب . وما حبيت هالشغلة ، وهداك يوم وهادا يوم . وهلق جاي تقوللي شو الصنف اللي عم أتعاطاه ! استحي على دمك ! قال : إذن شو حكاية أمل ومراهقتها ؟! - إي عم أتطمن عليك وعالبنت ، وين المشكلة ؟ - طيب إنت لسه بتعرف وين بيتي ؟ _ ولك سعيد شو هالأسئلة السخيفة اليوم ؟! بيتك بمشروع دمر ، وبعرف موقعه عن غيب ، قلّة ما تغديت وتعشيت من طبخ هبة !. - طيب ليك ، يوم الخميس بعد الضهر يا ريت تشرفنا بزيارة عالبيت ، عاملين لمّة زغيرة ، وحابينك تكون معنا . - في مناسبة ولا مجرد غدا ولا شو ؟ - بس تيجي بتعرف . - لأ ، بدي أعرف من هلأ . إذا مجرد غدا رح أعتذر سلفاً ، لأنو المشوار من عندي لمشروع دمر وبالعكس يعني طار اليوم كله ، وأنا والله ما عندي وقت . - خير ، بشو مشغول؟ - يا رجل كتبت رواية جديدة . انتهيت من كتابتها بشهر شباط . عم أرجعلها كل يوم ، وكل يوم عم أكتشف مشكلة أكبر من اللي قبلها . والله متل ما أكون كاتب مبتدىء . لذلك إذا مجرد غدا بدك تعفيني من هالمشوار .- لك هو في شوية أكل ، بس في مناسبة أهم ، وضروري وجودك . - خير اللهم اجعله خير ؟ - يوم الخميس عرسها لأمل . مالنا عاملين أي حفلة . لمّة زغيرة بهدف الإشهار. - لحظة ! إنت هيك عم تلخبطني ! كيف يعني عرسها لأمل ؟! البنت لسه زغيرة ، مراهقة ، على شو العجلة ؟ ثم ... قاطعني صديقي : حسن ، منشان الله تصحى ! أمل السنة الماضية تخرجت من الجامعة . - شو عم تحكي يا زلمة ؟! لسه مبارح ... قاطعني من جديد : حاج تقوللي مبارح وأول مبارح ! ناطرينك يوم الخميس . أوعى ما تيجي ، بتصير ورطتك مع أمل ، مع حبيبتك الزغيرة متل ما كنت تسميها . وبصراحة أكتر ما بقيان حدا كبير حوالي ، اللي هاجر ، واللي تشنطط ، وضع البلد وبتعرفه ، والعريس كمان ما بقيان حواليه حدا كبير من أهله ، يعني إنت هلأ كبيرنا ، واللي ما إله كبير بيشتري. - صديقي سعيد ، الخميس الصبح أنا عندك . لا يكون لك فكرة . بوسلي أمل ، وقلها : عمك حسن بيعتذر منك ، ما انتبه كيف كبرتي.. يبدو لي يا صديقي سعيدحياتي كلها مرقت ، من دون ما أنتبه.

الاثنين، 14 أبريل 2014

لففت بالحرام واللحاف جسدي الموهن وخلدت إلى السكينة. ولكنّ أفكاري تظل ناشطة مثل دوّامة.إنها لا تعرف السكينة. لا تريد السكينة. لا تحب السكينة. أيّ مسكينٍ أنا؟! وأشفقتُ على نفسي.أو: في الحقيقة أنني افتعلتُ ذلك الإشفاق. إنها آليّة الدفاع الذاتيّ البائسة.الندم.العيب.الشرور.استغلال النفوذ.سوف أعتكف في المنزل.أقرر من جديد،رغم معرفتي المسبقة باستحالة تنفيذ قرارٍ كهذا، فثمّة أسبابٌ كثيرة تفرض علينا الخروج إلى الطريق.عندما عالجني الطبيب الدمشقيّ من ذبحة القلب في القاهرة، قال لي: من المهم جداً السيطرةُ على ضغط الدم،فهو عندك مرتفع كثيراً، يجب مراقبته باستمرار.كلّ يومٍ إن أمكن.وأنا أعمل بنصيحة الطبيب، ولكن ليس دائماً.أقيم في منزل صديقي وحيداً، فزوجته الأجنبية،وهي صديقتي أيضاً، تعاني مرضاً عضالاً بات الاستشفاء منه في دمشقَ مستحيلاً،أو شبه مستحيل، مما اضطر الزوجين على السفر إلى بلد المرأة الأصلي طلباً للعلاج.إذن، ما من أحدٍ في المنزل يساعدني في قياس ضغط الدم.وهكذا أصير مضطراً على الخروج من المنزل كلّ يومٍ تقريباً.أذهب إلى صيدلية بذاتها،يعمل فيها، وربما كان يملكها،شابٌ كرديٌ لطيفُ الملقى.أمكث عنده نحواً من خمس دقائق،يقيس ضغط الدم في شراييني، ويعطيني في بعض الأحيان بعض المعلومات أو النصائح عن كيفية التعامل مع ضغط الدم المرتفع.أخرج بعدئذٍ إلى الطريق لأتمشى ولو نصف ساعة.وهذه من أوامر الطبيب.قبل عشرة أيام، وعند المساء، فعلتُ الشيءَ نفسَه.كنت في شارع ابن العميد الموازي لشارع صلاح الدين.رحت أمشي بعد الصيدلية على الرصيف باتجاه الغرب، ومن خلفي في الشرق غير البعيد كان ثمة أصواتُ انفجاراتٍ قويّة خمّنتُ أنها في حيِّ القابون،وعرفت لاحقاً أنها كانت قصفاً جوّيا على مدينة دوما.وفي الحقيقة أنني لم أكن أفكر بالقصف الذي بات من مفردات حياتنا اليومية،وعلى الأرجح أنني لم أكن أفكر بأي شيء،ومع ذلك فقد كنت ذاهلاً،شأني شأنُ جميع من هم في الشارع،والمدينة،والبلد.وبسببٍ من ذهولي لم أعرف أبداً كيف ظهرتْ هذه المرأةُ أمامي.ظهرت أمامي مباشرةً.لم تكن تبعد عني أكثر من نصف خطوة،حتى إني لوهلةٍ شعرتُ بالخوف من عمليةٍ مدبرّةٍ للاعتداء عليّ، فتراجعتُ إلى الخلف قليلاً وأنا أتلفتّ من حواليّ.لكنّ المرأة لم تتحرك من مطرحها،ولم تتلفت في أي اتجاه.ظلّت تنظر إليّ، وبإصرار.إنها في أواخر العشرينات من العمر، وأظنها تستحق أكثر من الميدالية البرونزية لولا بعضُ الشحوب في لون بشرتها،والذي من المؤكد أنه من نتائج سوء التغذية.رحنا ننظر إلى بعضنا نحواً من نصف دقيقة.قالت لي أخيراً:"لا تقول إنك ما بتقدر تساعدني." قلت وقد بدأت أطمئن لها، ولوقليلاً:"شو بدك؟" ردّت على سؤالي بكلمةٍ واحدة:"منظفات." "شو؟!""مانك سمعان بالمنظفات؟ صابون، دوا غسيل، شامبو، فلاش، ديتول..المطرح اللي انتقلنالو مانو نضيف والولد والبنت صرلهن جمعتين ما تحمموا.لا تقول إنك ما بتقدر تساعدني." قدّرت وأنا أتأملها أنها حديثةُ النزوح من أحد الأحياء المنكوبة وأنها حصلت على مأوىً ما قريباً من هنا،ومن لهجتها قدّرت أنها شاميّة،أي أنّ للنظافة عندها الأولوية التي تسبق جميع الأولويات،فقد حدث في حياتي أن كنت متزوجاً بامرأة شامية.اقتربتُ منها خطوة وأنا أمدّ يدي إلى جيبي، فما كان منها إلا أن أجفلتْ وتراجعتْ إلى وراء أكثر من المسافة التي كنتُ قد تقدمتها.لم أفهم شيئاً.كانت تنظر إليّ مثل لبوةٍ جريحة.قلت لها:"شبك؟" قالت:"أنا ماطلبت مصاري.أنا بدّي منظفات." "إنتي بدّك منظفات والمنظفات بدها مصاري." قلت بنزقٍ،وأضفت من فوري:"إنتي هبلة شي؟" "أنا بدّي منظفات." عادت تقول وكأنها لا تعرف من اللغة غير هذه الكلمات القليلة.وجدتُني أتمتم:لا حول ولا قوة إلا بالله.وقلت في نفسي: من وين إجتني هالمصيبة؟ قالت وكأنها تقرأ أفكاري:"أنا ما بدي مصاري.بدي منظفات.هي الدّكان جنبنا.فوت إنت اشتريهن." كنا نقف قريبا ًمن دكانٍ على شكل (ميني ماركت) عصريّ.نقّلت بصري بين الدّكان وبين المرأة،وكدت أنفخ من الهم.ّقلت لها:"أنا ما بعرف أشتري.أو جايز أشتري شغلات ما تعجبك." "اشتري متل الشغلات اللي بتشتريها لبيتك.ومتأكدة إنو رح تعجبني." ووجدت نفسي أعلن الاستسلام أمام عنادها مرغماً.دخلت إلى الدكان.البضائع متوافرة بكثرة.عجلة الاستيراد لم تتعطل.البضائع التي كانت متواجدةً في الأسواق قبل الكارثة،مازالت موجودةً إلى اليوم.التغيير الوحيد الذي طرأ عليها هو: فوضى الأسعار.
ما الشعر العظيم؟ربما كان هذا آخر الأسئلة الكبيرة التي انشغل بها أبو الوليد بعد أكثر من نصف قرن على اللبنة الأولى التي وضعها في أساس المكتبة العملاقة والتي كنتُ عليها من الشاهدين. حدث هذا في عام 1958.في صيف ذلك العام بالتحديد كان يوسف دون العشرين من عمره بثلاثة شهور. كان يخدم في كتيبة عسكرية تُعرف باسم (كتيبة حرستا).شيء من قبيل قوات النخبة. أو حتى نخبة النخبة، فقد كانت المهام الموكلة لهذه الكتيبة:العمل خلف خطوط العدو. كان يوسف طويل القامة،عريض المنكبين، وكان في الحقيقة صاحب قوة بدنية هائلة. في صيف عام 1958 (وما أقوله ليس تأريخا..مجرد ذكرياتٍ بعيدة.) كان في لبنان حربٌ أهليّة.وكان النظام طرفاً في تلك الحرب، فقد كان رئيس الجمهورية الراحل (كميل شمعون) يتزعم هذا الطرف.أما الطرف المقابل، أو المعارض فقد كان يتزعمه الراحل (كمال جنبلاط) والد السياسي اللبناني المعروف السيد ّ(وليد جنبلاط).أعلنت الولايات المتحدة انحيازها للنظام اللبناني، وأعلنت الجمهورية العربية المتحدة (ولم يكن قد مضى على ولادتها إلا شهورٌ معدودات) انحيازها للمعارضة اللبنانية.أرسلت الولايات المتحدة أسطولها السادس إلى بيروت.ولعلّ هذه الخطوة قد أربكت حسابات جمال عبد الناصر، فالشأن السياسي شيء والعمل العسكري شيء آخر.أمر الرجل بإرسال قوات النخبة من ريف دمشق إلى بيروت أيضا.وربما وجّه أمراً إلى قادة تلك القوات باستجرار المارينز إلى حرب الشوارع.وهكذا وجد يوسف نفسه في شوارع بيروت فجأة.ليس لديّ تفصيلات حول القتال الذي كان يجري ذلك الصيف في بيروت.لديّ ذاكرتي الدمشقية.في أحد نهارات ذلك الصيف، بين العصر والمغرب، كنت عائداً إلى منزلنا في مخيم اليرموك من مباراة طفولية خائبة بكرة القدم في ملعب المخيم. في ذلك اليوم شاهدت أمراً لم أشاهده في حياتي مرتين.لقد رأيت أمي في الطريق بلا غطاء رأس.كانت تبكي وتلطم وجهها وتنوح، بل تولول.أرعبني المنظر، فرحتُ أبكي أنا أيضا من دون أن أعلم السبب الذي جعل أمي في هذه الحال التي لم يخطر يوماً ببالي احتمالُ وقوعها.لم تكن قد رأتني بعد.لكن وما إن وقع بصرها عليّ حتى اندفعت نحوي وضمّتني بقوةِ من هو موشكٌ على فقدان أغلى ما يملك، من دون أن تتوقف عن العويل."يمّا شو في؟" سألتُ بصوت مرتجف من الخوف الذي صرتُ له فريسةً طيّعة. أظنها لم تكن تراني، رغم أنها تضمّني إليها بعنفٍ لا علاقة له بحنان الأمومة بقدْر ما هو نابعٌ من غريزة البقاء.ولكنها مع ذلك ردّت على سؤالي. كان صوتها مرتجفا يختنق بالدموع:"يوسف مات يا حسن..أخوك مات يمّا..أبونا مات يا حبيبي..كمان مرّة صرنا أيتام خيّا..شو أعمل أنا يا ربي ؟!.أنا شو أعمل ؟! يا جماعة الخير حدا يقوللي أنا شو أعمل.." وتوقفتْ فجأةً عن عناقي.تركتني مشلولاً من هول فكرة أن يكون أبي الثاني قد مات أيضاً، وأن أكون قد أصابني اليُتمُ مرتين في عدد قليل من السنين.رفعتْ أمي يديها إلى السماء ،وراحت تحتجّ على أفعال خالقها:"إحنا شو ساوينالك يا الله؟!.شو الذنب اللي عملناه تحت عرشك تتنزل علينا كل هالمصايب؟!." وحدّي الله يا أم يوسف.إنتي مرا مؤمنة يا أم يوسف.وحدّي الله وامسحي وجهك بالرحمن.كان الجيران يواسونها.ينصحونها بألا تكفر بالله الذي ما من أمر يصنعه إلا وله فيه حكمة.ولكنّ المرأة الثكلى لم تكن ترى أية حكمةٍ في موت ابنها البكر الذي لم يبلغ العشرين من عمره، والذي تعقد عليه الآمال كلها في انتشال أسرتها الصغيرة الفقيرة من براثن حياةٍ لا مكان فيها للرحمة الآدمية.من الذي حمل إليها نبأ مقتل يوسف في أحد شوارع بيروت؟لا أعرف.راحت المرأة فجأةً تركض. لقد كانت ملتاثةً تماما.رحتُ أركض خلفها أحاول أن أعيدها إلى المنزل.تعلّقتُ بذيل ثوبها واكتشفتُ أنني أكثرُ ضعفاً من عمل أيّ شيء لانتشال أمي من لجّة الأسى الذي غرقنا فيه كلانا على حين غرّة." لوين رايحة ؟ بس قوليلي لوين رايحة.. منشان الله يمّا ترجعي عَ البيت!" كنتُ أستجديها من خلال الرعب الذي أحكم عليّ قبضته. لقد احتلني بالكامل.كنت أستجديها العودة.أستحلفها بالله. برحمة أبي في قبره. بلا فائدة. رجعتْ لا تسمعني.لا تراني. كانت تركض باتجاه حيّ الميدان.أقرب أحياء دمشق إلى المخيم.أعرف هذا الطريق على نحوٍ جيد.هناك مدرستي. لم يكن في المخيم مدارسُ تلكَ الأيام." يمّا شو في بالميدان؟.خلينا نرجع عَ البيت..أبوس رجلك يمّا." لم أكن قادراً على عمل شيء غير انتظار معجزة من السماء.ولم أكن أعلم أنّ المعجزة تنتظرني على الطريق إلى حيّ الميدان.لقد ظهر خالي فجأةً أمامنا.كان رجلاً قويّ البنية. كان عائداً مشياً من المدينة.لم يكن من مواصلات تربط دمشق بمخيم اليرموك.استطاع الرجل الشاب القوي، ببعض الصعوبة، أن يسيطر على أخته التي توشك أن تفقد عقلها.كانت تقول له:"سمعت خيّا؟.سمعت شو صار فينا؟" قال لها:"سمعت، سمعت.وببشرك إنو الخبر اللي وصلك مش صحيح.يوسف بعدو طيب.موجود بالمستشفى، بس بعدو طيب.وانشالله بيرجعلك بالسلامة عن قريب." كانت معلومات خالي أكثر صحةً من معلومات الشخص الذي حمل النبأ القاتل إلى أمي. كان يوسف يرقد في أحد مستشفيات بيروت.وكان الأطباء اللبنانيون قد أجروا له أكثر من عمل جراحي بعد أن أصيب بثلاثة أعيرةٍ نارية في إحدى المعارك الدائرة رحاها في شوارع تلك المدينة.وأمي لم تصدّق أخاها،رغم أنه أقسم لها بالله على صحة أقواله.ونذرتْ أمي أن تشعلَ شمعةً في مقام "ستنا زينب " لو كان ما يقوله أخوها صحيحا. ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي سمعت فيها عن " ستنا زينب ".أعرف زينب بنت الجيران التي تكبرني بخمس سنوات.كانت صبيةً جميلة مكتملة الأنوثة. وكنت أنا في ملامح الطفولة بعد. سألتُ أمي لاحقا عمن تكون " ستنا زينب " التي ستشعل شمعةً في مقامها. قالت لي:" ستنا زينب بنت سيدنا محمد. " وعندما كبرتُ قليلاً وعرفت قصة " ستنا زينب " حاولت أن أصحح لأمي معلومتها هذه.قلت لها:" ستنا زينب حفيدة سيدنا محمد، مش بنته." قالت لي:"اخرس إنت..شو فهمك؟" وخرست طبعاً، ثم لم أعد إلى مناقشتها في الأمر.